هل يستدينُ المسلمُ ليضحي ؟

يقول السائل:هل يجوز أن أشتري أضحيةً بالتقسيط،حيث إنني لا أملك ثمنها في الوقت الحالي،وسأسدده لاحقاً، فما الحكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

الأضحيةُ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر عند أكثر العلماء،وبه قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين،وقاله جماعةٌ من التابعين،وبه قال مالكٌ في القول المشهور عنه والشافعي وأحمد،وأبو يوسف ومحمد من الحنفية،وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن حزم الظاهريان وابن المنذر وغيرهم.وهذا أرجح قولي العلماء في حكم الأضحية.

وقال أبو حنيفة الأضحيةُ واجبةٌ في حق المقيم الموسر،وهو قول زفر والحسن،ورواية عن أبي يوسف ومحمد.واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القولَ بوجوب الأضحية.

والأضحية شعيرة من شعائر الله وهي واجبة التعظيم كما قال جل جلاله:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} سورة الحج الآية 32.
والأضحيةُ مشروعة بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، وانعقد الإجماع على ذلك. قال تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} سورة الكوثر الآية 2.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي وكان يتولى ذبح أضحيته بنفسه صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:(ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، فرأيته واضعاً قدمه على صِفاحهما يسمِّي ويكبر فذبحهما بيده).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:(أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي) رواه أحمد والترمذي وقال:هذا حديث حسن.
وأما السنة النبوية القولية: فعن البراء رضي الله عنه قال:(قال النبي صلى الله عليه وسلم:إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهله،ليس من النُّسك في شيء.فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح فقال إن عندي جذعة فقال:إذبحها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك) رواه البخاري ومسلم.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إذا دخلت العشرُ وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً )رواه مسلم.
قال الإمام الشافعي:[ هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة،لقوله صلى الله عليه وسلم (وأراد)،فجعله مفوضاً إلى إرادته ولو كان واجباً لقال صلى الله عليه وسلم:(فلا يمس من شعره وبشره حتى يضحي) مختصر المزني مع الأم 8/283 ،وانظر الحاوي 15/67،المجموع 8/386.

ثانياً:

اختلف الفقهاءُ في حقِّ مَنْ تشرع الأضحية، فيرى الحنفية أنه يشترط في المضحي أن يكون غنياً،أي مالكاً لنصاب الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية ، ودليلهم على ذلك ما ورد في الحديث:( من وجد سَعَةً فلم يضح فلا يقربنَّ مصلانا)رواه أحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،ورجح الأئمة وقفه على أبي هريرة رضي الله عنه.

فالرسول صلى الله عليه وسلم شرط عليه السَّعَةَ وهي الغنى، وهو أن يكون في ملكه مئتا درهم أو عشرون ديناراً -أي أن يملك نصاب الزكاة- سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وكسوة من يمونهم.انظر تبيين الحقائق 6/3، بدائع الصنائع 4/196،حاشية ابن عابدين 6/312.
وقال المالكية إن الأضحية لا تُسَنُّ في حقِّ الفقير الذي لا يملك قوت عامه،وتشرع بحيث لا تُجحف بمال المضحي، بأن لا يحتاج لثمنها في ضرورياته في عامه،فإن احتاج فهو فقير.انظر بلغة السالك 1/286،الذخيرة 4/142.
وقال الشافعية تُشرع الأضحيةُ في حقِّ من ملك ثمنها فاضلاً عن حاجته وحاجة من يمونه في يومه وليلته وكسوة فصله، أي ينبغي أن تكون فاضلةً عن يوم العيد وأيام التشريق. انظر مغني المحتاج 6/123،الإقناع 2/278 .
وأما الحنابلة فقالوا تُشرع الأضحيةُ في حقِّ القادر عليها الذي يمكنه الحصول على ثمنها ولو بالدَّين،إذا كان يقدر على وفاء دينه. انظر كشاف القناع 3/18،مجموع فتاوى شيخ الإسلام 26/305 .والذي أرجحه أن الأضحية مشروعةٌ في حقِّ الغني الذي يملكُ نصابَ الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية.

ثالثاً:

إذا تقرر هذا فإنه يجوز شراء الأضحية بالدَّين،سواء سيسدد المدينُ ثمنها دفعةً واحدةً أو على أقساطٍ، بشرط أن يجد وفاءً لدينه مستقبلاً،قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[والأضحية من النفقة بالمعروف، فيضحي عن اليتيم من ماله وتأخذ المرأةُ من مال زوجها ما تضحي به عن أهل البيت وإن لم يأذن في ذلك، ويضحي المدينُ إذا لم يطالب بالوفاء، ويتدين ويضحي إذا كان له وفاءٌ]مجموع الفتاوى 26/305.
وقال البهوتي الحنبلي:[ويكره تركها أي الأضحية لقادرٍ عليها لحديث أبي هريرة السابق،ومن عدم ما يضحي به اقترض وضحى مع القدرة على الوفاء، ذكره في الاختيارات. وهو قياس ما يأتي في العقيقة] كشاف القناع 3/18.
وسئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز:هل تجب الأضحية على غير القادر؟وهل يجوز أخذ الأضحية دَيْناً على الراتب؟
فأجاب :الأضحيةُ سنةٌ وليست واجبةً…ولا حرجَ أن يستدين المسلمُ ليضحي إذا كان عنده القدرة على الوفاء. فتاوى الشيخ ابن باز 1/37.
وسئل الشيخ العلامة محمد العثيمين:[ هل يشرع للفقير أن يستدين لكي يضحي؟
فأجاب:الفقير الذي ليس بيده شيء عند حلول عيد الأضحى لكنه يأمل أن يحصل،كإنسان له راتبٌ شهريٌ، أو أنه في يوم العيد ليس في يده شيء لكنه يستطيع أن يستقرض من صاحبه ويوفي إذا جاء الراتب ،فهذا يمكن أن نقول له:لك أن تستقرض إذن وتضحي ثم توفي،أما إذا كان لا يأمل الوفاء عن قريبٍ،فإننا لا نستحب له أن يستقرض ليضحي؛لأن هذا يستلزم إشغال ذمته بالدَّين ومنِّ الناسِ عليه، ولا يدري هل يستطيع الوفاء أو لا يستطيع.]مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين 25/110.

رابعاً:

ينبغي أن يُعلم أن القولَ بالاستدانه لشراء الأضحية ليس واجباً،وإنما يقع ضمن دائرة الاستحباب،فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عمَّن لا يقدر على الأضحية،هل يستدين؟
فأجاب:إن كان له وفاءٌ فاستدان ما يضحي به فحسنٌ،ولا يجب عليه أن يفعل ذلك] مجموع الفتاوى 26/306.
والاستدانة لشراء الأضحية في حق القادر على وفاء ثمنها،ليست محرمةً ولا مكروهةً،فقد روي في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت:( يا رسول الله أستدين وأضحي؟ قال: نعم فإنه دينٌ مقضيٌ)رواه الدارقطني والبيهقي،وهذا الحديث ضعَّفه كثيرٌ من المحدثين،ولكن معناه صحيحٌ.
قال العلامة الألباني بعد أن حكم على الحديث بالضعف:[ولكن يبدو لي أن معناه صحيحٌ من حيث الدراية؛ فقد ثبت عن عائشة نفسها أنها قالت:قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”من حمل من أمتي ديناً، ثم جهد في قضائه،فمات ولم يقضه؛فأنا وليه“وإسناده صحيحٌ،كما هو مبين في “الصحيحة” (3017).
فقوله :”فأنا وليه”؛أي:أقضي عنه، فهو مثل قوله في حديث الترجمة “فإنه دينٌ مقضيٌ” يعني من المدين عند الاستطاعة،أو من ولي الأمر عند العجز،كما في هذا الحديث الصحيح،فإن لم يقع ذلك كما هو مشاهد اليوم،أدى الله عنه يوم القيامة كما في حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً :”من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه “…وفي حديث آخر من رواية ميمونة رضي الله عنها:”… إلا كان له من الله عون“] السلسلة الضعيفة 9/168.
وإني لأستغربُ قولَ بعض المشايخ:[إن شراء الأضاحي بالتقسيط أمرٌ مخالفٌ للشريعة الإسلامية] وبنوا ذلك على أن الاستدانة مكروهةٌ،والصواب أن الأصل في الاستدانة الإباحة،كما قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } سورة البقرة الآية 282.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استدان،فعن عائشة رضي الله عنها:أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي إلى أجلٍ ورهنه درعاً من حديد)رواه البخاري ومسلم،وفي رواية أخرى في الصحيحين (توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعهُ مرهونةٌ عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير).
قال الشيخ ابن رشد الجد:[قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} وقال تعالى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فدل ذلك من قوله على جواز التداين،وذلك إذا تداين في غير سرفٍ،ولا فسادٍ،وهو يرى أن ذمته تفي بما تداين به] المقدمات الممهدات 2/304.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري:[إنما يجوز الاقتراض لمن علم من نفسه الوفاء] أسنى المطالب 2/140.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وليس بمكروهٍ – أي القرض- في حق المقترض، قال أحمد :ليس القرض من المسألة، يعني ليس بمكروهٍ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقرض، بدليل حديث أبي رافع، ولو كان مكروهاً كان أبعدَ الناس منه، ولأنه إنما يأخذه بعوضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته] المغني 4/383.
وحديث أبي رافع الذي أشار إليه الشيخ ابن قدامة هو :(أن النبي صلى الله عليه و سلم استسلف من رجلٍ بَكْرَاً- الفتي من الإبل – فقدمتْ على النبي صلى الله عليه وسلم إبلُ الصداقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بّكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً- جـملاً كبيراً له من العمر ست سنوات – فقال: أعطه فإن خير الناس أحسنُهم قضاءً ] رواه مسلم.
ومن المعلوم أن الناس يتداينون لشراء السيارات والأثاث، ويتداينون في الأفراح والسفرات،بل يتداينون في شراء الكماليات،فكيف يقال إن شراء الأضحية بالدَّين مخالفٌ للشريعة الإسلامية!؟ فلا يصح ذلك،وخاصةً أن الأضحية كما سبق من السنن الثابتة المؤكدة،وقد أقام النبي الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي،أي أنه لم يتركها منذ أن شُرعت حتى وفاته صلى الله عليه وسلم. ومعلومٌ أن الأضحية تكون مرةً واحدةً في السنة، ومعلومٌ أيضاً أن تشريع الأضحية له مقاصد عظيمةٌ،منها:
أنها شُرعت إحياءً لسنة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام،وأن ذبحَ الأضحية وسيلةٌ للتوسعة على النفس والأهل وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء والتصدق على الفقراء،وقد مضت السنُّةُ منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم في التوسعة على الأهل وإكرام الجيران والتصدق على الفقراء يوم الأضحى.وأن الأضحية من باب الشكر لله سبحانه وتعالى على نعمه المتعددة،فالله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بنعمٍ كثيرةٍ لا تُعَدُ ولا تُحصى كنعمة البقاء من عامٍ لعامٍ،ونعمة الإيمان ونعمة السمع والبصر والمال؛فهذه النِّعم وغيرها تستوجب الشكر للمنعم سبحانه وتعالى ،والأضحية صورةٌ من صور الشكر لله سبحانه وتعالى، فيتقرب العبدُ إلى ربه بإراقة دم الأضحية امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى. انظر المفصَّل في أحكام الأضحية ص 17-24.

وخلاصة الأمر أن الأضحيةَ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر على الراجح من قولي العلماء.وقال أبو حنيفة الأضحيةُ واجبةٌ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وأن الفقهاء اختلفوا في حقِّ مَنْ تشرع الأضحية كما ذكرت.والذي أرجحه أن الأضحية مشروعةٌ في حقِّ الغني الذي يملكُ نصابَ الزكاة فاضلاً عن حوائجه الأصلية.
وأنه يجوز شراء الأضحية بالدَّين، سواء سيسددُ المدينُ ثمنها دفعةً واحدةً أو على أقساطٍ،بشرط أن يجد وفاءً لدينه مستقبلاً، كما هو اختيار عددٍ من العلماء.
وأن القولَ بالاستدانه لشراء الأضحية ليس واجباً،وإنما يقع ضمن دائرة الاستحباب.
وأن الاستدانة لشراء الأضحية في حق القادر على وفاء ثمنها،ليست محرمةً ولا مكروهةً.
وأنه لا يصح قولُ بعض المشايخ بأن شراء الأضاحي بالتقسيط مخالفٌ للشريعة الإسلامية.
وأن قولهم بأن الاستدانة مكروهةٌ غير مُسَلَّمٍ، والصواب أن الأصل في الاستدانة الإباحة كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.

والله الهادي إلى سواء السبيل