” الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ “

يقول السائل: هل قاعدةُ ” الحكم على الشيء فرعٌ عن تَصوره ” قاعدةٌ فقهيةٌ، وما مدى صحتها،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: هذه القاعدة من القواعد المشهورة، وقد عمل بمقتضاها أهلُ العلم في مختلف تخصصاتهم،فهي من القواعد المقررة عند العلماء،قال الشيخ ابن الصلاح:[ ثم إن هذا الفقيه لا يكون إلا فقيه النفس؛ لأن تصوير المسائل على وجهها ثم نقلَ أحكامها بعد استتمام تصوير جلياتها وخفياتها لا يقوم به إلا فقيهُ النفس ذو حظٍ من الفقه ] أدب المفتي والمستفتي 1/37.

ويقول العلامة ابن القيم:[ وَلا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلا الْحَاكِمُ من الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ إلا بِنَوْعَيْنِ من الْفَهْمِ:
أَحَدُهُمَا: فَهْمُ الْوَاقِعِ، وَالْفِقْهِ فيه، وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ ما وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالأَمَارَاتِ وَالْعَلامَاتِ؛ حتى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: فَهْمُ الْوَاجِبِ في الْوَاقِعِ، وهو فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الذي حَكَمَ بِهِ في كِتَابِهِ، أو على لِسَانِ رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الْوَاقِعِ، ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدُهُمَا على الآخَرِ.فَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ، وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في ذلك لم يَعْدَمْ أَجْرَيْنِ أو أَجْرًا.
فَالْعَالِمُ من يَتَوَصَّلُ بِمَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالتَّفَقُّهِ فيه إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ…ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحةً بهذا، ومن سلك غيرَ هذا أضاعَ على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم ] إعلام الموقعين 1/187.

وكثيراً ما تستعمل هذه القاعدة في بحث القضايا المستجدة أو ما يسميه العلماء النوازل.

ثانياً: معنى هذه القاعدة أنه قبل الحكم على شيءٍ ما، لا بدَّ من معرفته معرفةً تامةً، وتصوره تصوراً دقيقاً، حتى يكون الحكمُ على ذلك الشيء مطابقاً لواقعه.

قال الشيخ العلامة العثيمين:[ ومن القواعد المعروفة المقررة عند أهل العلم: الحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره؛ فلا تحكمْ على شيءٍ إلا بعد أن تتصوره تصوُّرًا تامًّا؛ حتى يكون الحكمُ مطابقًا للواقع، وإلا حصل خللٌ كبيرٌ جدًّا ] شرح الأصول من علم الأصول ص 604.

ومن الأدلة لهذه القاعدة:

(1) قوله تعالى:{وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} سورة الكهف الآية 68، قال الشيخ السعدي فيما يستفاد من الآية الكريمة:[ومنها: الأمر بالتأنِّي والتثبُّت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء حتى يعرفَ ما يُراد منه، وما هو المقصود ] تيسير الكريم الرحمن ص 484.

(2) قوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} سورة الإسراء الآية 36،ويدخل في هذا كل مَن حكمَ على شيءٍ قبل معرفة ماهيَّتِه؛ يعني: أن الأمر الذي لا تعلمُه ولا تتصوَّرُه، ولا تكون على بينةٍ منه فإيَّاك أن تتكلم فيه.

قال الشيخ الشنقيطي:[نهى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم، ويشمل ذلك قوله: رأيتُ ولم يَرَ، وسمعتُ ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم، ويدخل فيه كلُّ قولٍ بلا علمٍ، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم ] تفسير أضواء البيان 18/269.

(3) قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} سورة النحل الآية 116.

(4)عن أبي بكرة رضي الله عنه قال:سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ:( لا يحكمْ أحدٌ بين اثنين وهو غضبان ) قال العلامة العثيمين:[ والتعليل أن الغضبان لا يتصوَّر القضية تصورًا تامًّا، ولا يتصورُ تطبيقها على النصوص الشرعية تطبيقًا تامًّا، والحكم لا بدَّ فيه من تصور القضية، ثم تصور انطباق الأدلة عليها؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره،والحكم على الشيء لا بدَّ فيه من معرفة المُوجب للحكم، والغضبان لا يتصور ذلك، لا القضية ولا انطباق الأحكام عليها؛ ولذلك نهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين اثنين وهو غضبان ] الشرح الممتع 15/299-300.وانظر www.alukah.net/sharia/0/88086/#ixzz4LKORPkb0

ثالثاً: إن من أهم استعمالات قاعدة ” الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ ” هي الحوادث المستجدة التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، كالقضايا الطبية المعاصرة والقضايا المالية المعاصرة ، فإن كثيراً من هذه النوازل الجديدة لم تكن معروفةً عند الفقهاء المتقدمين،وبالتالي لا بدَّ من فهم واقعها فهماً صحيحاً قبل إصدار الحكم فيها،قال د. عبد الله اللاحم:[ الناظرُ في نازلةٍ من النوازل متى أراد دراستها والتوصل إلى حكمها كان عليه أن يسلك المنهج الآتي: التصور، ثم التكييف، ثم التطبيق.قال الشيخ السعدي:«جميع المسائل التي تحدثُ في كل وقتٍ، وسواء حدثت أجناسُها أو أفرادُها يجب أن تُتصور قبل كل شيءٍ.فإذا عُرفت حقيقتُها، وشُخصت صفاتُها، وتصورها الإنسانُ تصورًا تامًا بذاتها ومقدماتها ونتائجها طُبقت على نصوص الشرع وأصوله الكلية؛ فإن الشرع يحلُّ جميع المشكلات: مشكلات الجماعات والأفراد، ويحلُّ المسائل الكلية والجزئية؛ يحلها حلاً مرضيًا للعقول الصحيحة، والفطر السليمة.
المدرك الأول: التصور:إن تصور الشيء تصورًا صحيحًا أمرٌ لا بدَّ منه لمن أراد أن يحكم عليه، وكما يقال: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فتصور النازلة مقدمةٌ لا مناص عنها ولا مفر منها لمن أراد الاجتهاد في استخراج حكمها.
إن الإقدامَ على الحكم في النوازل دون تصورها يعدُّ قاصمة من القواصم، وهذا بابٌ واضحٌ لا إشكال فيه، والباب الذي يأتي من جهته الخلل والزلل إنما هو القصور والتقصير في فهم النازلة وتصورها، وليس في تحصيل أصل التصور…] ضوابط فقه النوازل ص 6.

وقال د. مسفر القحطاني:[ إن فقه النوازل المعاصرة من أدق مسالك الفقه وأعوصها، حيث إن الناظر فيها يطرق موضوعاتٍ لم تُطرق من قبل ولم يرد فيها عن السلف قولٌ، بل هي قضايا مستجدة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلولٍ علمية لمشكلاتٍ متنوعةٍ قديمةٍ وحديثةٍ، واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يومًا من الدهر والله أعلم.
من هذا المنطلق كان لا بدَّ للفقيه المجتهد من فهم النازلة فهمًا دقيقًا وتصورها تصورًا صحيحًا قبل البدء في بحث حكمها، والحكمُ على الشيء فرعٌ عن تصوره، وكم أُتِي الباحثُ أو العالمُ من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يتحدث فيه ؟ فالناس في واقعهم يعيشون أمرًا، والباحثُ يتصور أمرًا آخر ويحكم عليه.

فلابدَّ حينئذٍ من تفهم المسألة من جميع جوانبها والتعرف على جميع أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها وغير ذلك مما له تأثير في الحكم فيها. ولأهمية هذا الضابط جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما ما يؤكد ضرورة الفهم الدقيق للواقعة حيث جاء فيه:«أما بعد، فإنَّ القضاءَ فريضةٌ مُحكمةٌ، وسُنةٌ مُتَّبعة، فافْهَم إذا أُدلِي إليك بحجَّة، وانْفُذِ الحقَّ إذا وَضَح، فإنه لا يَنفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذَ له…ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآنٍ ولا سنةٍ، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق»]ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة ص 22-23.

رابعاً: وبناءً على ما سبق فإن عدداً كبيراً من الفتاوى والآراء في أيامنا هذه قد صدرت عن أُناسٍ تصدروا للفتوى وللكتابة والتأليف لم تكن مطابقةً لواقعها، لإخلالهم الواضح في تطبيق القاعدة السابقة ” الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ ” وترتب على ذلك عدمُ إعطاء الحكم الصحيح في تلك الوقائع،قال الشيخ الحجوي الثعالبي: [ وأكثرُ أغلاط الفتاوى من التصور ] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي 2/571.

ومن أكثر ما يقع فيه مثل هذا الخلل برامج الفتاوى المباشرة على الفضائيات والإذاعات، حيث يتصل المشاهدون والمستمعون من مختلف البلاد، ويسألون عن وقائع ونوازل واقعة في بلادهم ، قد لا يُحسن المجيبُ معرفةَ تلك الواقعة على حقيقتها، فيفتي بفتوى لا تكون مطابقةً لواقع المسألة، نظراً لاختلاف اللهجات أو المسميات أو غير ذلك.

قال د. عبد الله اللاحم: [ فلابد للمفتي من حُسْنِ التصور للواقعة، ذلك أنَّ الفتيا الشرعية بيانٌ للحكم الشرعي، وكيف يبيِّن الحكم من لم يتبين السؤال تمام التبيُّن، ولئن كان من المسلَّم به أنَّ الحكمَ على شيءٍ فرعٌ عن تصوره؛فإن برامج الفتيا المباشرة يقع فيها أحيانًا تجاوز هذه المسلَّمة، إذ تَتَّسم تلك البرامج بالعجلة والسرعة، وهذه طبيعة وسائل الإعلام المعاصرة بعامة، وبالأخص في برامجها المباشرة، فتجد مقدِّم البرنامج يكررُ مطالبة المستفتين باختصار الأسئلة، مذكراً إياهم بضيق الوقت وكثرة المتصلين، فإذا انضمَّ إلى ذلك قصور المستوى العلمي أو اللغوي لكثير من المستفتين، بحيث يصعب على الواحد منهم التعبير عن مفصل الإشكال في مسألته، كان ذلك أدعى إلى حصول الغلط في السؤال والجواب.] ضوابط فقه النوازل ص 27.

والفتاوى التي لم يطبق عليها قاعدة ” الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ ” أكثر من أن تحصى،وأذكر بعض الأمثلة، فمن ذلك فتاوى تتعلق بالموت الدماغي، والاستنساخ واختيار جنس المولود ومسائل كثيرة في معاملات البنوك الإسلامية، والبيع بالهامش (المارجن)،ومسائل في اليانصيب المعاصر، والتسويق الشبكي، وبطاقات الإئتمان،وفتاوى تتعلق بالمذاهب المنحرفة كالأحمدية والرافضة ونوادي الروتاري، وغير ذلك كثير.

خامساً: يجب أن يُعلم أن مما يدخل في التصور الكامل والتام للنازلة المعاصرة، ومعرفتها معرفةً مطابقةً للواقع أن نرجع ونسأل أهل الاختصاص العلمي،فاستشارة أهل الاختصاص إذا كانت النازلة من المسائل الطبية والاقتصادية والمالية والفلكية والطبيعية ونحوها،مطلوبٌ شرعاً امتثالاً لقوله تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} سورة النحل الآية 43. يقول الخطيب البغدادي:[ثم يذكر المسألة – المفتي – لمن بحضرته ممن يصلح لذلك من أهل العلم ويشاورهم في الجواب ، ويسأل كل واحدٍ منهم عمَّا عنده، فإن في ذلك بركةً واقتداءً بالسلف الصالح، وقد قال الله تبارك وتعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ}،وشاور النبـيُّ صلى الله عليه وسلم في مواضع وأشياء وأمر بالمشاورة، وكانت الصحابة تشاور في الفتاوى والأحكام ] الفقيه والمتفقه 2/71.
وخلاصة الأمر أن قاعدة ” الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ “من القواعد المشهورة، وقد عمل بمقتضاها أهلُ العلم في مختلف تخصصاتهم.

وأن معنى هذه القاعدة أنه قبل الحكم على شيءٍ ما، لا بدَّ من معرفته معرفةً تامةً، وتصوره تصوراً دقيقاً، حتى يكون الحكمُ على ذلك الشيء مطابقاً لواقعه.

وأن من أهم استعمالات قاعدة ” الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ ” هي الحوادث المستجدة التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها، كالقضايا الطبية المعاصرة والقضايا المالية المعاصرة.

وأن عدداً كبيراً من الفتاوى والآراء في أيامنا هذه قد صدرت عن أُناسٍ تصدروا للفتوى وللكتابة والتأليف لم تكن مطابقةً لواقعها،لإخلالهم الواضح في تطبيق القاعدة السابقة.

وأن مما يدخل في التصور الكامل والتام للنوازل المعاصرة استشارةُ أهل الاختصاص إذا كانت النازلة من المسائل الطبية والاقتصادية والمالية والفلكية والطبيعية ونحوها.

والله الهادي إلى سواء السبيل