حكمُ الاشتراكِ في العقيقةِ

يقول السائل:لم أعق عن أولادي عند ولادتهم لضيق ذات اليد، والآن أريد أن أذبح عجلاً عقيقةً عن أولادي السبعة ذكوراً وإناثاً، فما الحكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

العقيقة هي:الذبيحةُ التي تذبح عن المولود يوم سابعهِ، شكراً لله سبحانه وتعالى على نعمة الولد ذكراً كان أو أنثى، وهي سنةٌ مؤكدةٌ، ثبتت مشروعيتها بالسنة النبوية من قول النبي صلى الله عليه وسلم ومن فعله أيضاً، فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري بسنده عن سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه قال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى).

وعن سَمُرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(كل غلامٍ رهينةٌ بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه، ويحلق ويسمَّى) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي:حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/385.

وعن أم كُرْز الكعبيـة رضي الله عنهـا قـالت: سمعت رسـول الله صلى الله عليه وسلم يقـول:(عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة) رواه أبو داود وأحمد والبيهقي.

قال الإمام النووي:[قوله صلى الله عليه وسلم:(شاتان مكافئتان)أي متساويتان، وهو بكسر الفاء وبهمزة بعدها] المجموع 8/429.

وفي رواية أخرى لحديث أم كرز أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال:(نعم،عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة،لا يضركم ذكراناً أم إناثاً) رواه أصحاب السنن،وقال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.وصححه الحاكم ووافقه الذهبي،وصححه أيضاً النووي والعلامة الألباني والأرناؤوط،انظر المجموع 8/428، الإحسان12/128، إرواء الغليل 4/391، سنن البيهقي 9/200.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:(سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، فقال:لا أحب العقوق، وكأنه كره الاسم.فقالوا:يا رسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له.قال:من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وقال:صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقال العلامة الألباني:حسن صحيح .وحسنه الأرناؤوط .صحيح سنن النسائي 3/884، الإحسان 12/132.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(عن الغلام عقيقتان وعن الجارية عقيقة) رواه الطحاوي والبزار والطبراني في الكبير وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/362. وفي رواية أخرى لحديث ابن عباس:(أن الرسول صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين) رواه النسائي وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 4/380.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(عقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن وحسين بكبشين)رواه ابن حبان والطحاوي وصححه عبدالحق في الأحكام الكبرى، وقال الهيثمي:رجاله رجال الصحيح.إرواء الغليل 4/382، مجمع الزوائد 4/58.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:(أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين عن كل واحدٍ منهما كبشين اثنين مثلين متكافئين) قال الأرناؤوط:أخرجه الحاكم بسند حسن في الشواهد، الإحسان 12/130.

وشرعت العقيقة شكراً لله تعالى على نعمة الولد، فإنها من أعظم النِّعَم، والأولاد من زينة الحياة الدنيا ، قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} سورة الكهف الآية 46، وفطر الله جل جلاله الإنسان على السرور والفرح والبهجة عند قدوم المولود، فكان حرياً بالإنسان أن يشكر الله الخالق الواهب.وكذلك فإن العقيقة فكاك المولود وفديته من تسلط الشيطان عليه.

وفيها أيضاً نوعٌ من التكافل الإجتماعي في الإسلام، حيث إن الذي يعق عن ولده، فيذبح عنه ويطعم الفقراء والأصدقاء والجيران أو يدعوهم إليها، فيسهم كل ذلك في إشاعة المودة والمحبة بين الناس ويخفف من معاناة الفقراء والمحتاجين.

ثانياً:

إذا تقرر هذا فإن العقيقة تشاركُ الأضحيةَ في معظم أحكامها عند جمهور الفقهاء، فيُشترط فيها أن تكون من الأنعام، وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، ويشترط أن تكون سليمةً من العيوب، فلا يجزيء فيها العرجاءُ البيِّنُ عرجُها، ولا العوراءُ البيِّنُ عورُها، ولا المريضةُ البيِّنُ مرضُها، ولا العجفاءُ الهزيلةُ، فينبغي أن تكون سمينةً طيبةً، فإن الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً. كما يشترط فيها توافرُ الأسنانُ المطلوبة شرعاً، كما هو الحالُ في الأضحية، فينبغي أن تبلغ الشاةُ السنة من عمرها والبقرة السنتين والناقة الخمس سنين. والسنة أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الأنثى شاة، فإن ذبح شاةً عن الغلام أجزأ وحصل أصلُ السنة.

ثالثاً:

من الأحكام التي لا تشاركُ العقيقةُ فيها الأضحيةَ، مسألةُ الاشتراك فيها، ففي حين يصحُّ أن نضحي ببقرةٍ أو جملٍ عن سبعة أشخاص كما هو قول أكثر أهل العلم، لما ورد عن جابر رضي الله عنه قال:

( نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنةَ عن سبعةٍ ، والبقرةَ عن سبعةٍ ) رواه مسلم.

أما العقيقةُ فلا يجوز الاشتراك فيها،بمعنى أن يشترك سبعةُ أشخاص في جملٍ أو بقرةٍ عن سبعة أولادٍ، أو أن يذبح شخصٌ جملاً أو بقرةً عن أولاده السبعة، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم،فإذا أراد شخصٌ أن يعق ببقرةٍ أو جزورٍ فيجوز ذلـك عن مولـودٍ واحدٍ فقـط،وهذا قولُ الحنابلة،وقد نصَّ عليه الإمام أحمدُ،قال الخلال في جامعه:[ باب حكم الجزور عن سبعةٍ:أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أنه قال لأبي عبد الله – الإمام أحمد – يُعقُّ بجزورٍ.

وقال: الليثُ قد عقَّ بجزورٍ.قلت:يُعقُّ بجزورٍ عن سبعةٍ ؟قال:أنا لم أسمع في ذلك بشيءٍ، ورأيته لا ينشط لجزورٍ عن سبعةٍ في العقوق]تحفة المودود ص 64.وانظر الإنصاف 4/111،كشاف القناع 3/25،الفروع 3/564.

فالحنابلة يرون أن الرأسَ من البقر أو الإبل، يُجزئ عن مولودٍ واحدٍ فقط، ولا يصحُّ أن تكون البقرةُ عن سبعةٍ، ولا الناقةُ عن سبعةٍ،قال المرداوي:[ ولو عقَّ ببدنةٍ أو بقرةٍ لم يجزه إلا كاملة] الإنصاف 4/111 وانظر التوضيح 2/544 .
وهذا قول المالكية أيضاً فيما ظهر لي،حيث إني لم أقف على نصٍ صريحٍ عن المالكية في هذه المسألة، إلا ما قاله الباجي في مسألة التوأمين، حيث منع مالكٌ أن يُضحى عن ابنين بشاةٍ واحدةٍ، ولا بشاتين يشترك بينهما في كل واحدة.المنتقى 4/202.
ومما يدل على عدم الجواز عدمُ ورود دليلٍ يجيز ذلك،فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم الاشتراكُ في العقيقة، والعقيقةُ عبادةٌ، والأصلُ أن العبادات مبنيةٌ على التوقيف والتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال العلامة ابن عثيمين معلقاً على قول موسى الحجاوي المقدسي:[وحكمها كالأضحية إلا أنه لا يجزئ فيها شِرْكٌ في دمٍ – أي العقيقة لا يجزئ فيها شِرْكٌ دمٍ – فلا تُجزئ البعير عن اثنين ، ولا البقرة عن اثنين ، ولا تجزئ عن ثلاثة ولا عن أربعةٍ من باب أولى.ووجه ذلك:أولاً:أنه لم يرد التشريكُ فيها،والعباداتُ مبنيةٌ على التوقيف.ثانياً:أنها فداءٌ،والفداءُ لا يتبعض؛ فهي فداءٌ عن النفس، فإذا كانت فداءً عن النفس فلا بد أن تكون نفساً،والتعليل الأول لا شكَّ أنه الأصوب؛لأنه لو ورد التشريكُ فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على عدم ورود ذلك]الشرح الممتع 7/ 547 .وانظر كشاف القناع 3/25.

وعلل الشيخُ ابن القيم عدمَ جواز الاشتراك في العقيقة بكلامٍ لطيفٍ،فقال:[لما كانت هذه الذبيحةُ جاريةً مجرى فداء المولود، كان المشروعُ فيها دماً كاملاً لتكون نفسٌ فداءَ نفسٍ،وأيضاً فلو صح فيها الاشتراكُ لما حصل المقصود من إراقةِ الدم عن الولد، فإن إراقةَ الدم تقع عن واحد ويحصلُ لباقي الأولاد إخراجُ اللحم فقط، والمقصود نفسُ الإراقة عن الولد، وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه من منع الاشتراك في الهدي والأضحية،ولكن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحقُّ وأولى أن تُتبع، وهو الذي شرع الاشتراك في الهدايا، وشرع في العقيقة عن الغلام دمين مستقلين، لا يقوم مقامهما جزورٌ ولا بقرةٌ والله أعلم]تحفة المودود ص 64،كذا قال وينبغي أن يقال سُبْع جزورٍ ولا سُبْع بقرةٍ.

ومعنى كلام ابن القيم أَنَّ العقيقةَ جاريةٌ مجرى فداء المولود،فكان المشروع فيه دماً كاملاً؛لتكون فداءُ نفسٍ بنفس،والفِداءُ لابد فيه منَ التَّقابُل والتَّكافؤ. أنظر…

ومع أن الحنابلة ممن يرون أن حكم العقيقة هو حكمُ الأضحية، إلا أنهم استثنوا هذه المسألة من ذلك كما ذكر المرداوي:[ويستثنى من ذلك أنه لا يجزئ فيها شِرْكٌ في بدنةٍ ولا بقرةٍ] الإنصاف 4/113.وقال ابن القيم :[ ولا يجزئ الرأسُ إلا عن رأسٍ،هذا بتمامه تخالفُ فيه العقيقةُ الأضحيةَ والهدي]تحفة المودود ص 64 .

وخلاصة الأمر أن العقيقةَ سنةٌ مؤكدةٌ، ثبتت مشروعيتها بالسنة النبوية القولية والفعلية.
وأن السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقة هي ذبحُ شاتين عن الغلام أو شاة، وشاةٍ واحدةٍ عن الجارية.
وأَنَّ السنة النبوية أحقُّ بالاتِّباع، وأن الراجح من أقوال الفقهاء أنه لا يُجْزِئُ الاشتراك في العقيقة، فالبقرةُ أو الجملُ لا يُجْزِئُ إلا عنْ مولودٍ واحدٍ فقط ، والأفضل في العقيقة الغنم لورود النصوص بذلك.

والله الهادي إلى سواء السبيل