هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم عيد الفطر

يقول السائل: كيف كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد الفطر، أفيدونا؟

الجواب:

سمي العيد عيداً لأنه يعود على وجهٍ معتاد،قال ابن عابدين:[سُمي العيد بهذا الاسم،لأن لله تعالى فيه عوائد الاحسان،أي أنواع الاحسان العائدة على عباده في كل يوم،منها:الفطر بعد المنع عن الطعام،وصدقة الفطر،وإتمام الحج بطواف الزيارة ، ولحوم الأضاحي ، وغير ذلك،ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور]حاشية ابن عابدين 2/165.

وهذا بيانٌ على وجه الاختصار لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم عيد الفطر:

كان من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الاغتسال للعيد.وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون،فعن نافع (أنَّ ابن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو) رواه عبد الرَّزاق بإسنادٍ صحيحٍ.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يلبس أجمل ثيابه يوم العيد،فإن التجمل باللباس يوم العيد والجمعة واجتماع الناس من الأمور المشروعة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردةً حمراء)رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقـــــــات كما قال الهيتمي،وقال العلامة الألباني اسناده جيد.

وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون، فعن ابن عمر رضي الله عنه(أنَّه كان يلبس أحسن ثيابه للعيدين) رواه ابن أبي الدُّنيا والبيهقي وصحَّحه الحافظ ابن حجر.

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيد الفطر أن يأكل تمراتٍ قبل خروجه للصلاة، ويأكلهن وتراً،فعن أنس رضي الله عنه قال:(كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يغدو يوم الفطر حتَّى يأكل تمرات) وفي رواية عن أنس رضي الله عنه:(ويأكلهنَّ وترًا) رواه البخاري.

وعن بُريدة رضي الله عنها قال:( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم،ويوم النحر:لا يأكل حتى يرجع فيأكل من نسيكته)رواه الترمذي وابن ماجة وصححه ابن القطان وصححه أيضاً العلامة الألباني.

وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الإكثار من التَّكبير في العيد قال تعالى:{وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}سورة البقرة الآية 185. وقد ورد (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضـــي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير) رواه أبن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ.

وقال زيد بن أسلم:(إذا رأى الهلال فالتَّكبير من حين يرى الهلال حتَّى ينصرف الإمام في الطَّريق والمسجد) رواه الطبري في تفسيره.

ويستحب الجهر بالتَّكبير، فعن نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنه(كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتَّكبير حتَّى يأتي المصلَّى ثمَّ يكبر حتَّى يأتي الإمام) رواه الدَّارقطني والبيهقي وصححه.

ويكون أول التكبير في عيد الفطر من رؤية هلال شوال حتى انتهاء الإمام من خطبتي العيد.قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[والتَّكبير فيه -عيد الفطر- أوله من رؤية الهلال،وآخره انقضاءُ العيد،وهو فراغ الإمام من الخطبة”على الصَّحيح] مجموع الفتاوى 24/222.

والتكبير مسنونٌ في حق الرجال والنساء على حدٍ سواء،فعن أم عطية رضي الله عنها قالت:(كنا نُؤمر أن نخرج يوم العيد،حتى نُخْرِجَ البكرَ من خِدرها،حتى نُخْرِجَ الحُيَّضَ،فَيكن خلف الناس فيُكَبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يَرْجُون بركة ذلك اليومِ وطُهْرَتَهُ)رواه البخاري ومسلم.

وقال الإمام البخاري في صحيحه:[ وكانت ميمونة تكبر يوم النحر،وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد] قال الإمام النووي:[وقولها “يكبرن مع الناس” دليلٌ على استحباب التكبير لكل أحدٍ في العيدين وهو مجمعٌ عليه] شرح النووي على مسلم 2/541.

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يؤخر صلاة عيد الفطر، ليتمكن من لم يكن قد أخرج زكاة الفطر من إخراجها،

وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ العيد في مصلى العيد، وهو ليس المسجد النبوي، وإنما كان أرض خلاءٍ، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بإخراج النساء يشهدن الصلاة ويسمعن الذكر حتى الحيض منهن،فقد جاء في الحديث عن أم عطية رضي الله عنها قالت:(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور.فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال :لتلبسها أختها جلبابها)رواه البخاري ومسلم.والعواتق أي الشابات،والحيّض:جمع حائض،وذوات الخدور أي ربات البيوت.

وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الخروج ماشياً إلى الصلاة،فإذا وصل إلى المصلى بدأ الصلاة من غير أذانٍ ولا إقامةٍ،

ولا صلاةَ قبل صلاة العيد ولا بعدها في المصلَّى، فعن ابن عباس رضي الله عنه (أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرج يوم أضحى أو فطرٍ فصلَّى ركعتين لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما) رواه مسلم.

وأصح ما ورد في صفة صلاة العيد وعدد التكبيرات الزوائد ما جاء في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جـده أن النبي صلى الله عليه وسلم:(كبَّرَ في عيدٍ ثنتي عشرة تكبيرة،سبعاً في الأولى وخمساً في الآخرة،ولم يصل قبلها ولا بعدها)رواه أحمد وابن ماجة،وقال الحافظ العراقي إسناده صالح،ونقل الترمذي تصحيحه عن البخاري.

ويكون التكبير سبعاً في الأولى بعد القراءة،وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة.

وأما ما ورد في التكبير ثلاثاً في الأولى قبل القراءة وثلاثاً في الثانية بعد القراءة،فإن الحديث فيه ضعيفٌ لا يعول عليه وما تقدم أصح.

وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة (ق) وفي الركعة الثانية سورة القمر.كما جاء في الحديث عن أبي واقد الليثي وقد سأله عمر:ما كان رسول الله يقرأ به في الأضحى والفطـر؟فقال:كان يقرأ فيهما بـ (ق والقرآن المجيد) (واقتربت الساعة وانشق القمر) رواه مسلم .

وأحياناً كان يقرأ في الأولى سورة الأعلى وفي الثانية سورة الغاشية،كما في الحديث عن سمرة رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ سبح اسم ربك الأعلى،وهل أتاك حديث الغاشية)رواه أحمد .

وبعد انتهائه عليه الصلاة والسلام من الصلاة كان يشرع في الخطبة وكان يبدؤها بالحمد لله وليس بالتكبير كما يفعل أكثر الخطباء اليوم .قال العلامة ابن القيم:[وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديثٍ واحدٍ أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير]زاد المعاد 1 /447 .

ويشرع في العيد خطبتان كالجمعة لا خطبة واحدة على الراجح من أقوال العلماء،وهو قول الأئمَّة الأربعة والظَّاهريَّة، قال الشيخ ابن حزم:[هذا لا خلاف فيه]المحلى 3/293.وقال الإمام النووي:[فإذا فرغ الإمام من صلاة العيد صعد المنبر وأقبل على الناس بوجهه وسلَّم.وهل يجلس قبل الخطبة؟وجهان،الصحيح المنصوص يجلس كخطبة الجمعة ثم يخطب خطبتين أركانهما كأركانهما في الجمعة ويقوم فيهما ويجلس بينهما كالجمعة]روضة الطالبين 1/580.

وكان عليه الصلاة والسلام يكبر كثيراً خلال خطبتي العيد .

وكان عليه الصلاة والسلام بعد انتهاء الصلاة والخطبة يأتي النساء فيعظهن ويذكرهن،فقد جاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه قال:(شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامةٍ ثم قام متوكأً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن) رواه مسلم.

وكان عليه الصلاة والسلام يعود من المصلى من طريقٍ غير الطريق الذي سلكه في ذهابه، ليكثر الناسُ الذين يُسلم عليهم أو لغير ذلك من الحِكَم .

ولا بأس بالتهنئة بالعيد فقد ورد (أن أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعضٍ:تقبل الله منَّا ومنكم) وإسناده حسنٌ كما قال الحافظ العسقلاني.

وأخيراً ينبغي التذكير بصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والمساكين يوم العيد وكذلك التوسعة على الأهل والأولاد .

والله الهادي إلى سواء السبيل