حكمُ المالِ الحرامِ الموروث

يقول السائل: توفي والدي وأمواله مكتسبةُ من حرامٍ في معظمها، فما حكم هذه الأموال المحرمة في حق الورثة،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:الكسبُ الحلالُ واجبٌ شرعاً على المسلم والله سبحانه وتعالى قدَّم الأكل من الطيبات على العمل الصالح فقال:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلـُونَ عَلِيمٌ}سورة المؤمنون الآية 51.

وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} سورة البقرة آية 172 .

وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} سورة البقرة آية 168 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(أَيُّهَا النَّاسُ؛إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ،فَقَالَ:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وَقَالَ:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )رواه مسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدخلُ الناسَ الجنة؟ فقال:تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن أكثر ما يُدخلُ الناسَ النار؟ فقال: الفم والفرج) رواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/318.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ‏.‏ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ‏.‏ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى ،وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ) رواه الترمذي وحسّنه العلامة الألباني. صحيح سنن الترمذي 2/299.

ثانياً:تهاون كثيرٌ من الناس في كسب الأموال، فمنهم من لا يفرقُ في كسبه بين حلالٍ وحرامٍ، فلا يهمه من أين اكتسب المال ؟وكل ما يهمهُ أن يكون المال بين يديه ينفقه كيفما شاء. وهذا تصديقٌ لما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام) رواه البخاري.

وقد ينسى بعض الناس أنه سيحاسب على ماله، وأنه سيسأل عن هذا المال من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه ؟ فقد ورد في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني.

ثالثاً: إذا تقرر هذا فإن الفقهاء قد اختلفوا في تملك المال الحرام بالميراث ،فمذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة،وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الموت لا يُطيِّب المالَ الحرامَ فلا يحل للورثة، بمعنى أنه لا يملك من الورثة ما داموا يعلمون أن مصدره محرمٌ شرعاً ، وواجبهم ردُّ المال الحرام إلى صاحبه إن كان معلوماً كالمال المسروق أو المغصوب من شخصٍ معينٍ.

وأما إذا كان المال الحرام غير معروف المصدر، كما هو الحال في أموال الربا والقمار واليانصيب، فعلى الورثة التخلص من المال الحرام،وذلك بصرفه في وجوه البر والخير، ويجوز للورثة إذا كانوا فقراء ومحتاجين أن ينفقوه على أنفسهم.

قال الفقيه المالكي ابن رشدٍ الجدُّ:[ وأما الميراث فلا يُطيِّب المال الحرام، هذا هو الصحيح الذي ‏يوجبه النظر ]المقدمات الممهدات 2/617.

وقال ابن رشد الحفيد:[ولا يرثه – أي المال الحرام- عنه ورثته ولا تجوز فيه وصاياه لأن التَّبَاعَاتِ هي أحق بماله من ورثته ومن أهل وصاياه، لأنها ديونٌ عليه، ولا ميراث لأحدٍ إلا بعد أداء الدين لقول الله تعالى:{مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} فإن جهل أهل التَّبَاعَاتِ ويئس من معرفتهم تصدق بالمال عنهم، فإن كان الورثة فقراء ساغ لهم أن يأخذوه على سبيل الصدقة عن أهل التَّبَاعَاتِ لا على سبيل الميراث عن مورثهم، وهذا هو القول الصحيح من الأقوال] فتاوى ابن رشد 1/642-643.

وقد سئل الفقيه المالكي يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي عن المال الحرام:[هل يحله الميراث أم لا ؟ فأجاب: لا يحلُّ المال الحرام في قول مالك ] المعيار المعرب 6/47.

وقال الإمام ‏النووي:[من ورث مالاً ولم يعلم من أين كسبه مورثه أمن حلال أم من حرام؟ ‏ولم تكن علامة فهو حلال بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حراماً وشك في قدره أخرج ‏قدر الحرام بالاجتهاد ] المجموع 9/428.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مرابٍ خلَّف مالاً وولداً وهو يعلم بحاله، فهل يكون حلالاً للولد بالميراث أو لا ؟ فقال:أما القدْر الذي يعلم الولد أنه رباً، فيخرجه ، إما أن يردَّه إلى أصحابه إن أمكن ، وإلا يتصدق به ، والباقي : لا يحرم عليه .لكن القدر المشتبه يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء ديْنٍ أو نفقةِ عيالٍ، وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية التي يرخص فيها بعض الفقهاء جاز للوارث الانتفاع به ، وإن اختلط الحلالُ بالحرام وجهل قدر كل منهما جعل ذلك نصفين] مجموع الفتاوى 29/307.

وقال الشيخ ابن مفلح الحنبلي:[وقد نقل الأثرمُ وغيرُ واحدٍ عن الإمام أحمد فيمن ورث مالاً، ينبغي إن عرف شيئاً بعينه أن يرده، وإذا كان الغالب في ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا ، ونقل عنه حربٌ في الرجل يخلف مالاً إن كان غالبه نهباً أو رباً ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه إلا أن يكون يسيراً لا يُعرف ] الآداب الشرعية 2/49.

وقد احتج الجمهور بأنه[قد تقرر عند العلماء أن المال الحرام لا يدخل في ملك المسلم إذا كان قد اكتسبه من طريقٍ محظورٍ،وهذه القاعدة تتعدى إلى كل مسلمٍ، ويندرج تحت هذه القاعدة كلُّ مالٍ منع الشارعُ من حيازته، وبما أن المال الذي حازه المورث في حياته كان بطريقٍ محرمٍ ،فإن هذا المال لم يدخل في ملكه، ويده عليه يدُ غصبٍ، ولما كان شرط ثبوت حق الوارث في الميراث أن يكون المورث مالكاً للمال الموروث، فإن ما حازه بطريقٍ غير مشروعٍ لا يكون ملكاً له فإذا مات لم ينتقل هذا المال إلى الوارث لوجود المانع وانتفاء الشرط وهو عدم الملك]أحكام المال الحرام ص 80-81.

وأن[الموت لا يُطَيِّبُ المالَ الحرامَ، لأن الموت لا يُخرج المالَ المأخوذَ من مِلك صاحبه ظلماً وعدواناً ويُدخله في ملك الوارث، ثم هو لم يغير من حقيقة أن هذا المال أُخذَ من صاحبه بغير وجه حقٍ، فليس من الجائز القولُ بأن الميراث يصلح سبباً لأن يملك الوارث المال الذي تركه المورث وهو يعلم أن مصدره حرامٌ، بل الواجبُ فيه الردُّ إلى المالك تبرئةً لذمة المورث] المصدر السابق ص 81.
[والذي يترجحُ ويوافق مُقتضى العدل وقواعد القياس أن وارث المال الحرام لا يحلُّ له أخذهُ سواء أكان مالكه معروفاً أم مجهولاً ، لأن الموت ليس سبباً لإباحة أخذ المال الحرام المحرم، والقولُ بأن المورث مات والوزرُ عليه دون الوارث،لا يغير من حقيقة أن هذا المال جاء بطريقٍ محرمٍ لا يُقره الشرع، كما أن هذا القول لا يعني تفويت هذا المال على صاحبه، بل يعني أن الوارث مأمورٌ بتصحيح خطأٍ وقع فيه المورث، ولا يعني بحالٍ من الأحوال أخذ هذا المال والتستر وراء القول :الإثمُ على الآخذ والمالُ للوارث، ثم إن المال في الأصل مِلكُ لله تعالى ملَّكه لعباده بالطرق المشروعة التي أذن بها، فإن جهل مالك المال ولم يُعلم للمال مالكاً، عاد إلى مالكه الأصلي وهو الله تعالى، ولما كان الله تبارك غنياً عن كل مِلكٍ فقد ملَّكه لعباده الفقراء، فيُعاد هذا المال إليهم بالصدقة] المصدر السابق ص 91.

رابعاً: قد يوافق بعض الورثة على التخلص من مال مورثهم الحرام، وقد لا يوافق الآخرون، فمن وافق فإنه يُخرج من نصيبه الشرعي من الميراث ما يتعلق به من قدر المال الحرام، وذلك بحسب نصيبه من الميراث،ولا يلزمه أكثر من ذلك، كما في مسألة الإقرار بدينٍ على المورث، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وإن أقرَّ – بدينٍ على المورث- أحدُهم – أي الورثة – لزمه من الدَّينِ بقدر ميراثه…وبهذا قال النخعي والحسن والحكم وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور والشافعي في أحد قوليه، لأنه إقرار يتعلق بحصته، فلا يجب عليه إلا ما يخصه ] المغني 5/338.

خامساً: وأن التخلص من مال المورث الحرام فيه نوعُ تبرئةٍ لذمة الوالد، وتخفيفٌ عنه وأقربُ إلى العفو والمغفرة ، ولا شك أن هذا من باب البر والإحسان إليه، وهو أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، وكذلك الاستغفار له والدعاء له والصدقة عنه، فإن ذلك ينفعه بإذن الله تعالى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا مات الإنسان انقطع عملهُ إلا من ثلاثة أشياء: صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفع به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) رواه مسلم .

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمُّهُ وهو غائبٌ عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعُها إن تصدقتُ بشيءٍ عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقةً عنها) رواه البخاري. وحائط المخراف: بستانُ نخلٍ وعنبٍ كان لسعد فتصدق به عن أمِّه.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا – أَيْ مَاتَتْ بَغْتَةً – ، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ لَتَصَدَّقَتْ ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، تَصَدَّقْ عَنْهَا ) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم:(أبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يُكَفِّرُ عنه إن تصدقت عنه؟ قال: نعم) رواه مسلم.

وخلاصة الأمر أن الكسبَ الحلالَ واجبٌ شرعاً على المسلم.

وأن كثيراً من الناس قد تهاونوا في كسب الأموال، فمنهم من لا يفرقُ في كسبه بين حلالٍ وحرامٍ، فلا يهمه من أين اكتسب المال ؟وكل ما يهمهُ أن يكون المال بين يديه ينفقه كيفما شاء.

وأن الموتَ لا يُطيِّب المالَ الحرامَ فلا يحل للورثة،وواجبهم ردُّ المال الحرام إلى صاحبه إن كان معلوماً كالمال المسروق أو المغصوب من شخصٍ معينٍ.

وإذا كان المال الحرام غير معروف المصدر، كما هو الحال في أموال الربا والقمار واليانصيب، فعلى الورثة التخلص من المال الحرام،وذلك بصرفه في وجوه البر والخير، ويجوز للورثة إذا كانوا فقراء ومحتاجين أن ينفقوه على أنفسهم.

وأن من وافق من الورثة على التخلص من مال المورث الحرام فإنه يُخرج من نصيبه الشرعي من الميراث ما يتعلق به من قدر المال الحرام، وذلك بحسب نصيبه من الميراث،ولا يلزمه أكثر من ذلك.

وأن التخلص من مال المورث الحرام فيه نوعُ تبرئةٍ لذمة الوالد، وتخفيفٌ عنه وأقربُ إلى العفو والمغفرة ، ولا شك أن هذا من باب البر والإحسان إليه، وهو أمرٌ مطلوبٌ شرعاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل