تبرئةُ ذمَّةِ الوالدِ المتوفى من الحقوق ِ

يقول السائل:قال الله تعالى في سورة الكهف:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}يظهرُ من الآية الكريمة أن الأبَ الصالح تنتفعُ به ذريتهُ وتلقى خيراً،فإذا كان الأبُ يخونُ شريكَه وتركَ لأهله مالاً حراماً،ولم يبرئ ذمته حال حياته، ويراه الشريكُ في المنام ويعترفُ له بخيانة الشراكة ويطلب مسامحته،فهل يتحمل الأبناء شيئاً من المسؤولية عما فعلَ والدُهم، وهل يلزمهم تبرئةُ ذمَّةِ والدهم من الحقوق،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً: من المقرر شرعاً أن الله عز وجل يوم القيامة لا يحاسبُ الانسانَ إلا بما كسبت يداه، وهذا مقتضى العدل الإلهي المطلق، قال الله تعالى:{ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}سورة الأنعام الآية 164.

وقال تعالى:{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} سورة الإسراء الآية 15.

وقال تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى }سورة فاطر الآية 18. [أي في حكم الله وقضائه بين عباده أنّ النفسَ المذنبة الحاملة لذنبها لا تحملُ وزرَ أي ذنب نفسِ أخرى، بل كلُّ وازرةٍ تحمل وزرها وحدها ] أيسر التفاسير 3/339.

وقال تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} سورة المدثر الآية 38، أي: محبوسة.

وقال تعالى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} سورة الطور الآية 21.

وبالتالي فلا علاقةَ للأبناء بمعاصي وآثام الآباء،وكذلك فلا علاقةَ للآباء بمعاصي وآثام الأبناء يوم القيامة.

ثانياً: قال الله تعالى:{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} سورة الكهف الآية 82. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} قال:حُفظا بصلاحِ أبيهما) رواه ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد والحميدي في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.

وقال ابن كثير:[قوله:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} فيه دليلٌ على أن الرجلَ الصالح يُحفظ في ذريته ، وتشملُ بركةُ عبادته لهم في الدنيا والآخرة،بشفاعته فيهم ورفعِ درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقرَّ عينُهُ بهم،كما جاء في القرآن ووردت السنةُ به. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس:حُفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحٌ،وتقدم أنه كان الأب السابع]تفسير ابن كثير 5/186.

وقال القرطبي:[فيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظُ الصالحَ في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه. وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعةٍ من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى:{إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}سورة الأعراف الآية 196]تفسير القرطبي 11/39.

وقال الشوكاني:[بأن صلاح الأب كان مقتضياً لرعاية ولديه وحفظ مالهما] فتح القدير 3/435.

وقد رويت بعضُ الآثار التي تدل على أن الأبناء يُحفظون بصلاح الآباء، فمن ذلك:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( إن الله يُصلح بصلاح الرجل ولدَه وولدَ ولده،ويحفظه في دويرته والدويرات حوله، فما يزالون في سترٍ من الله وعافية) رواه ابن أبي حاتم.

وعن محمد بن المنكدر أنه قال:(إِنَّ اللَّهَ لَيُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ وَلَده ، وَوَلَد وَلَدِهِ ، وَأَهْل دُوَيْرَتِهِ، وَدُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ، وَلا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ اللَّهِ مَا دَامَ فِيهِمْ)رواه ابن المبارك في الزهد.

قال الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير:[بالنسبة لما جاء في أواخر سورة الكهف من قول الله جلَّ وعلا:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}فلا شك أن لصلاح الأب أثراً عظيماً في صلاح الولد، وجاء عن بعض السلف أنه يزيد في كل يوم ركعتين من أجل صلاح ولده، ولصلاح الأب أثرٌ في صلاح ابنه؛ لأنه قدوةٌ صالحةٌ، والقدوةُ لها من الأثر في سلوك الولد أكثر من أثر القول، ولذا جاء الترغيب في صلاة النافلة أن تكون في البيت ليقتدي به من لا يحضر الصلاة في المسجد، فمن هذه الحيثية أثر صلاح الوالد في صلاح الابن، وفي حفظ الابن في حفظ الولد، وفي حفظ مال الولد رعاية لحق الأب، ولا شك أن مثل هذا يوجد، ولكنه ليس بمطردٍ، يعني كون أبوهما صالحاً، وحصل لهما ما حصل من الخضر عليه السلام لصلاح أبيهم؛ لكن هذا ليس بمطردٍ؛ لأن صلاح الأب إذا لم يكن الولد قابل، نعم إذا كان في دائرة الدِّين الذي يدين به الأب ينتفع، أما إذا كان الولد لم يتبع أباه في دينه مثل هذا لا ينتفع {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} سورة الطور الآية 21،يعني ما نقصناهم من عملهم من شيء فيلحقوا بآبائهم وإن كانت أعمالهم أقل] www. ahlalhdeeth. com/vb/showthread php?t=226702

ثالثاً: يجب أن يُعلم أنه إذا مات الميت وترك مالاً فالواجب على ورثته أولاً أن يقوموا بتجهيز الميت وتكفينه وما يتعلق بذلك من تركته، وبعد ذلك يجب قضاءُ ديونه باتفاق الفقهاء،وبعد ذلك تُنفذُ وصاياه من ثلث المال الباقي بعد تجهيزه وبعد سداد الديون. وبعد ذلك يوزع الباقي على الورثة حسب التقسيم الشرعي.

وأما إذا لم يكن للميت أموالٌ وقد ترك ديوناً فيندبُ للورثة أن يسددوا ديونه عنه،وهذا من باب البر والوفاء للميت، وخاصةً إذا كان الميتُ هو أحدُ الوالدين، وليس ذلك واجباً على الورثة،ولكنه مندوبٌ إليه.فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(نفس المؤمن معلقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه)رواه أحمد والترمذي وقال:حديث حسن. ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الإمام النووي.

قال الشيخ الشوكاني معلقاً على هذا الحديث :[ فيه الحثُّ للورثة على قضاء دين الميت،والإخبار لهم بأن نفسه معلقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه،وهذا مقيدٌ بمنْ له مالٌ يُقضى منه دينهُ. وأما من لا مالَ له ومات عازماً على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه]نيل الأوطار 4/26 .

وعن سعد بن الأطول رضي الله عنه:( أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالاً.قال فأردت أن أنفقها على عياله. قال:فقال النبي صلى الله عليه وسلم :إن أخاك محبوسٌ بدينه فاذهب فاقضه عنه.فذهبت فقضيت عنه ثم جئت. قلت يا رسول الله:قد قضيتُ عنه إلا دينارين ادَّعتهما امرأةٌ وليست لها بينة.قال:أعطها فإنها مُحِقَّةٌ)وفي رواية أخرى:( صادقة )رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وصححه العلامة الألباني. انظر أحكام الجنائز ص 15.

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على جنازةٍ فلما انصرف قال:أههنا من آل فلان أحد؟ فسكت القوم وكان إذا ابتدأهم بشيءٍ سكتوا فقال ذلك مراراً. فقال رجلٌ:هو ذا.قال:فقام رجلٌ يجرُّ إزاره من مؤخر الناس. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟ أما أني لم أنوه باسمك إلا لخيرٍ:إن فلاناً – رجلٌ منهم – مأسورٌ بدينه عن الجنة،فإن شئتم فافدوه،وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله.فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه حتى ما أحدٌ يطلبه بشيءٍ)رواه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني،أحكام الجنائز ص 15 .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه:(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُؤتى بالرجل المتوفى،عليه الدَّين فيسأل:هل ترك لدينه فضلاً؟فإن حُدِّث أنه ترك لدينه وفاءً صلّى وإلا قال للمسلمين:صلوا على صاحبكم،فلما فتح الله عليه الفتوح قال:أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم،فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاءُه،ومن ترك مالاً فلورثته)رواه البخاري.

رابعاً:وأما حقوق الله عز وجل المترتبة على الميت مثل الزكاة والكفارات والنذور ونحوها،فأرجحُ أقوال أهل العلم أنها تُقضى عن الميت إن ترك مالاً سواء أوصى بقضائها أم لم يوص وذلك عند قضاء ديون العباد،ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:( اقضوا اللهَ فاللهُ أحقُّ بالوفاء) رواه البخاري.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ولا تسقط الزكاةُ بموت ربِّ المال‏,‏ وتُخرج من ماله وإن لم يوص بها، هذا قول عطاء والحسن‏, والزهري وقتادة ومالك‏,‏ والشافعي وإسحاق وأبي ثور‏‏ وابن المنذر، وقال الأوزاعي والليث تؤخذ من الثلث‏,‏ مقدمةً على الوصايا ولا يجاوز الثلث، وقال ابن سيرين والشعبي‏‏ والنخعي وحماد بن أبي سليمان وداود بن أبي هند‏‏ وحميد الطويل والمثنى والثوري‏:‏لا تخرج إلا أن يكون أوصى بها،وكذلك قال أصحاب الرأي‏,‏وجعلوها إذا أوصى بها وصيةً تُخرج من الثلث ويُزاحم بها أصحاب الوصايا، وإذا لم يوص بها سقطت، لأنها عبادة من شرطها النية‏,‏ فسقطت بموت من هي عليه كالصوم.
ولنا أنها حقٌّ واجبٌ تصح الوصية به‏,‏ فلم تسقط بالموت كدين الآدمي، ولأنها حقٌّ ماليٌ واجبٌ فلم يسقط بموت من هو عليه‏,‏كالدَّين، ويفارق الصوم والصلاة فإنهما عبادتان بدنيتان لا تصح الوصية بهما‏,‏ ولا النيابة فيهما] المغني 2/509.

وقال الإمام النووي:[فمن وجبت عليه زكاةٌ وتمكن من أدائها فمات قبل أدائها عصى ووجب إخراجها من تركته عندنا بلا خلاف، وبه قال جمهور العلماء،وقال أبو حنيفة تسقط عنه الزكاة بالموت،وهو مذهبٌ عجيبٌ فإنهم يقولون الزكاة تجب على التراخي وتسقط بالموت،وهذا طريق إلى سقوطها. ودليلنا ما ذكره المصنف.]المجموع 6/232.

ومما يدل على عدم سقوط الزكاة عن الميت بوفاته،أن الزكاة حقٌّ لله تعالى،بل هي دينُ الله، وديون الله أحق بالوفاء كما ورد في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما:(أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال:نعم،حجي عنها،أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟ اقضوا اللهَ فاللهُ أحقُّ بالوفاء) رواه البخاري.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ويلتحق بالحج كلُّ حقٍّ ثبت في ذمته من كفارةٍ أو نذرٍ أو زكاةٍ أو غير ذلك،وفي قوله (فاللهُ أحقٌّ بالوفاء) دليلٌ على أنه مقدمٌ على دين الآدمي] فتح الباري 6/75.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال:أرأيت لو كان عليها دَينَ أكنت تقضينه؟ قالت نعم. قال: فدَينُ الله أحقُّ بالقضاء) رواه مسلم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال:لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيه عنها؟ قال نعم.قال:فدَينُ الله أحقُّ أن يُقضى) رواه البخاري ومسلم.

وذِكْرُ النبي صلى الله عليه وسلم دَينَ العباد في الأحاديث يدل على أن دَينَ الله ملحقٌ به في القضاء، بل هو أولى منه. ومما يؤيد ذلك أيضاً ما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من مات وعليه صيام صام عنه وليه)رواه البخاري ومسلم،مع أن الصيامَ عبادةٌ بدنيةٌ شخصيةٌ، وجازت فيه النيابة بعد الموت، فضلاً من الله ورحمةً، فأولى بذلك الزكاة، وهي حقٌّ ماليٌ. انظر فقه الزكاة 2/835.

خامساً:خيانةُ الشريكِ لشريكه من المحرمات،وقد عدَّها العلماءُ من كبائر الذنوب،قال الشيخ ابن حجر الهيتمي المكي:[أَكْلُ الْمَالِ بِالْبُيُوعَاتِ الْفَاسِدَةِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْأَكْسَابِ الْمُحَرَّمَةِ:قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهِ,فَقِيلَ الرِّبَا وَالْقِمَارُ وَالْغَصْبُ وَالسَّرِقَةُ وَالْخِيَانَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَأَخْذُ الْمَالِ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ,وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْإِنْسَانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ…وَقِيلَ هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ,وَالْوَجْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّهَا مُحْكَمَةٌ مَا نُسِخَتْ وَلَا تُنْسَخُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أ.هـ,وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَكْلَ بِالْبَاطِلِ يَشْمَلُ كُلَّ مَأْخُوذٍ بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى جِهَةِ الظُّلْمِ كَالْغَصْبِ وَالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ ,أَوْ الْهُزْؤِ وَاللَّعِبِ كَالْمَأْخُوذَةِ بِالْقِمَارِ وَالْمَلَاهِي…أَوْ عَلَى جِهَةِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ كَالْمَأْخُوذَةِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.]الزواجر باقتراف الكبائر 1/282.

ولا شك أن الخيانة من الأخلاق الذميمة التي يبغضُ اللهُ عز وجل فاعلَها كما قال تعالى:{إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}سورة النساء الآية 107.

ومن المعلوم أيضاً أن الخيانة من صفات المنافقين وليست من صفات المؤمنين، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا:إذا أؤتمن خان،وإذا حدَّث كذب،وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ولا يشربُ الخمر حين يشربها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وفي رواية( وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ ) رواه مسلم.

قال الإمام النووي:[وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يَغُلُّ) فهو بفتح الياء وضم الغين وتشديد اللام ورفعها،وهو من الغلول، وهو الخيانة.

وأما قوله (فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ) فهكذا هو في الروايات (إِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ) مرتين ومعناه احذروا احذروا. يقال:إياك وفلاناً أي احذره، ويقال إياك أي احذر من غير ذكر فلان كما وقع هنا ] شرح النووي على صحيح مسلم 2/234.

وروي في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ اللهَ يَقُولُ:أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ،فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا) رواه أبو داود والدارقطنى والبيهقى والحاكم وصححه،والحديث محلُّ خلافٍ عند المحدثين،فقد ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير 3/471. وجوَّدَ إسناده ابن الملقن في البدر المنير 6/721.

وأما ما بالنسبة لإبراء ذمة الوالد المتوفى من خيانة الشريك، وكون الورثة لا يعرفون مقدارَ المال الذي خان به شريكه، فيُطلبُ من الشريك البينةَ على المال المأخوذ خيانةً، فإن لم تكن بينةٌ، فيتمُّ التصالح مع الشريك على مبلغٍ من المال ويُبرأ والدهم من حقه،ولا شك أن هذا من باب البر والإحسان إليه، وهو أمرٌ مطلوبٌ شرعاً،وكذلك الاستغفار له والدعاء له والصدقة عنه، فإن ذلك ينفعهُ بإذن الله تعالى،فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:( إذا مات الإنسان انقطع عملهُ إلا من ثلاثة أشياء: صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفع به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) رواه مسلم .

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه توفيت أمُّهُ وهو غائبٌ عنها فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعُها إن تصدقتُ بشيءٍ عنها؟ قال: نعم، فقال: فإني أشهدك أن حائط المخراف صدقةً عنها) رواه البخاري. وحائط المخراف: بستانُ نخلٍ وعنبٍ كان لسعد فتصدق به عن أمِّه.

سادساً: وأما عن رؤياه في النوم وأن الشريك يراه في المنام ويعترفُ له بخيانة الشراكة ويطلب مسامحته،فأعتذر عن الكلام عليها؛ لأنه ليس من منهجي تعبير الرؤى والأحلام، وينبغي أن يُعلم أنه لا يترتبُ أي حكمٍ شرعيٍ على الرؤية في المنام.

وخلاصة الأمر:

أنه من المقرر شرعاً أن الله عز وجل يوم القيامة لا يحاسبُ الانسانَ إلا بما كسبت يداه،وهذا مقتضى العدل الإلهي المطلق.

وأن قوله تعالى:{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}فيه دليلٌ على أن الرجلَ الصالح يُحفظ في ذريته،وتشملُ بركةُ عبادته لهم في الدنيا والآخرة،بشفاعته فيهم ورفعِ درجتهم إلى أعلى درجةٍ في الجنة لتقرَّ عينُهُ بهم.

وأنه إذا مات الميت وترك مالاً فالواجب على ورثته أولاً أن يقوموا بتجهيز الميت وتكفينه وما يتعلق بذلك من تركته، ثم قضاءُ ديونه وبعدها تُنفذُ وصاياه من ثلث المال الباقي ثم يوزع الباقي على الورثة حسب الميراث الشرعي.

وأن حقوق الله عز وجل المترتبة على الميت مثل الزكاة والكفارات والنذور ونحوها،فأرجحُ أقوال أهل العلم أنها تُقضى عن الميت إن ترك مالاً سواء أوصى بقضائها أم لم يوص وذلك عند قضاء ديون العباد.

وأن خيانة الشريكِ لشريكه من المحرمات،بل من كبائر الذنوب ومطلوبٌ من الورثة إبراءُ ذمة الوالد المتوفى من خيانة الشريك وذلك من باب البر والإحسان إليه،وهو أمرٌ مطلوبٌ شرعاً،والاستغفار له والدعاء له والصدقة عنه،فإن ذلك ينفعهُ بإذن الله تعالى.

وأنه ليس من منهجي تعبيرُ الرؤى والأحلام، وينبغي أن يُعلم أنه لا يترتبُ أي حكمٍ شرعيٍ على الرؤية في المنام.

والله الهادي إلى سواء السبيل