قصةُ سليمان عليه السلام ومَلَكُ الموت

يقول السائل:ذكر خطيبُ الجمعة قصةً غريبةً عن ملك الموت،وفيها أن ملك الموت دخل على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجلٍ من جلسائه ويديم النظر إليه، فقال الرجلُ:مَنْ هذا؟فقال سليمان:ملك الموت، فقال الرجلُ: كأنه يريدني وسأل سليمان أن تحمله الريحُ وتلقيه ببلاد الهند،فقبض ملك الموت روحه في الهند.فما صحةُ هذه القصة،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:قصة سليمان عليه السلام وملك الموت ذكرها ابن أبي شيبة في المصنف،وأحمد في الزهد،والثعلبي في تفسيره،والسمرقندي في تفسيره،وابن بطة في الإبانة،والأصبهاني في العظمة،وابن هبة الله في تاريخ دمشق،وأبو نُعيم في الحِلية،والغزالي في إحياء علوم الدين،وذكرها السيوطي في كتابه «الحبائك في أخبار الملائك» وغيرهم.

وأذكر لفظ القصة كما هي في كتاب الزهد للإمام أحمد:حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، وَعَنْ حَمْزَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ:«دَخَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى سُلَيْمَانَ عليه السلام فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ؛ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الرَّجُلُ: مَنْ هَذَا؟قَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ. قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيَّ كَأَنَّهُ يُرِيدُنِي!قَالَ: فَمَا تُرِيدُ؟قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تَحْمِلَنِي الرِّيحُ، فَتُلْقِيَنِي بِالْهِنْدِ!قَالَ: فَدَعَا بِالرِّيحِ، فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا، فَأَلْقَتْهُ بِالْهِنْدِ.ثُمَّ أَتَى مَلَكُ الْمَوْتِ سُلَيْمَانَ عليه السلام فَقَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِي؟ قَالَ: كُنْتُ أَعْجَبَ مِنْهُ؛ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْبِضَ رُوحَهُ بِالْهِنْدِ، وَهُوَ عِنْدَكَ» 1/41.

وفي لفظ آخر نقله السيوطي عن داود بن أبي هند الخراساني قال:[بلغني أن ملك الموت كان وُكِّل بسليمان عليه السلام،فقيل له: ادخل عليه كل يومٍ دخْلةً فسلْه عن حاجته ثم لا تبرح حتى تقضيها، فكان يدخل عليه في صورة رجلٍ فيسأله: كيف هو ؟ ثم يقول: يا رسول الله ألك حاجة؟ فإنْ قال: نعم؛ لم يبرح حتى يقضيها، وإن قال: لا؛ انصرف عنه إلى الغد.فدخل عليه يوماً وعنده شيخٌ فقام فسلَّم عليه ثم قال: ألك حاجة يا رسول الله ؟ قال: لا، ولَحَظ الشيخ لحظةً، فارتعد الشيخ وانصرف ملك الموت.فقام الشيخ فقال لسليمان:أسالك بحقِّ الله إلا ما أمرتَ الريحَ فتحملني فتلقيني بأقصى مكانٍ من أرض الهند، فأمرها فحملتْه.ودخل ملكُ الموت على سليمان من الغد، فسأله عن الشيخ فقال:أمرني الله أمس أن أقبضَ روحهُ غداً مع طلوع الفجر بأقصى مكانٍ من أرض الهند، فهبطتُ وما أحسبه إلا هناك، فوجدته عندك، فجعلت أتعجب، وأنظر إليه، ما لي همٌّ غيره، فهبطتُ عليه اليوم مع طلوع الفجر فوجدتُّه بأقصى مكانٍ من أرض الهند ينتفض! فقبضتُ روحه، وتركتُ جسده هناك] الحبائك في أخبار الملائك 1/14.

ووردت هذه القصة بألفاظٍ أخرى.

وهذه القصة ينتهي سندُها إلى شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وهو من التابعين،فهي موقوفةٌ عليه من قوله، ولم يسندها عن أحدٍ من الصحابة،ولا رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فليست حديثاً نبوياً، والأغلب أنها من القصص المعروفة بالإسرائيليات، وسأبين حكم روايتها.

وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مختلف في توثيقه وتضعيفه عند المحدثين، فمنهم من ضعفه وهم كُثرٌ، ومنهم من قبل حديثه،فممن ضعفه النسائي وابن عون والعقيلي وابن عدي وابن سعد وأبو حاتم وموسى بن هارون والدارقطني والألباني وغيرهم.وممن وثقه أحمد وابن معين والبخاري وأبو زرعة والعجلي وابن شاهين وغيرهم. والبحث في ذلك يطول.

[ومن جانب اتصال الإسناد إلى شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ،فإن الأعمش وهو سليمان بن مهران مدلسٌ،يدلس في روايته ،فلا يجوز الاحتجاج بخبره ما لم يُصرحْ بالسماع، وهنا في سند القصة لم نجده صرَّحَ بالسماع فتضعفُ بذلك الرواية ] كما أن الحديث الذي ينتهي إلى التابعي يسمى حديثاً مقطوعاً، أي أن متن الحديث من كلام التابعي، والحديث المقطوع من أنواع الحديث الضعيف عند المحدثين.

وذكر عددٌ من أهل العلم القصة بصيغة التمريض، أي التضعيف، كالزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، والقرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة.

ثانياً: الإسرائيليات هي الأخبار الإسرائيلية نسبةً إلى بني إسرائيل،والمراد بها: الأخبارُ المنقولةُ عن بني إسرائيل في التوراة وأسفارها وشروحها، وفي التلمود وشروحه، ويدخل في ذلك ما نُقل أيضاً من كتب النصارى، وقد نُقلَ كثيرٌ منها عن طريق من أسلم من يهود مثل كعب الأحبار ووهب بن مُنبه وعبد الله بن سلام وغيرهم.

ومن المفسرين من ذكر الإسرائيليات ونقدها وبين ما فيها كابن كثير، فتفسيره من خير كتب التفسير، ومنهم من نقلها بأسانيدها وأبرأ ذمته بذلك، كابن جرير الطبري، فالعهدة على القارئ، ومنهم من نقلها ولم يبين حالها كالثعلبي فكان كحاطبِ ليلٍ ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع؛ مع أنه في نفسه كان فيه خيرٌ ودينٌ، كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 13/354.

وقد اتفق أكثر أهل التفسير على أن الإسرائيليات الواردة في التفاسير على ثلاثة أقسامٍ،فصَّلها العلامة العثيمين فقال:[الإسرائيليات: الأخبار المنقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر، أو من النصارى.

وتنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع:

الأول: ما أقره الإسلام، وشهد بصدقه فهو حق، مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} سورة الزمر الآية 67، والحديث رواه مسلم أيضاً.

الثاني: ما أنكره الإسلامُ وشهد بكذبه فهو باطلٌ، مثاله ما رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهودُ تقول إذا جامعها – أي الزوجة – من ورائها، جاء الولد أحول؛ فنزلت:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}سورة البقرة الآية 223. والحديث رواه مسلم أيضاً.

الثالث: ما لم يقره الإسلام، ولم ينكره، فيجب التوقفُ فيه، لما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا:{آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ}سورة العنكبوت الآية 46، ولكن التحدث بهذا النوع جائز، إذا لم يخش محذورٌ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري] تفسير الشيخ العثيمين عن الإنترنت.

وقال الإمام ابن كثير: […ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:

أحدها:ما علمنا صحتَه مما بأيدينا مما نشهدُ له بالصدق، فذاك صحيح.

والثاني: ما علمنا كذبَه بما عندنا مما يخالفه.

والثالث:ما هو مسكوتٌ عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمِنُ به ولا نكذّبه، وتجوزُ حكايتُه لما تقدّم، وغالبُ ذلك مما لا فائدة فيه تعودُ إلى أمرٍ دينيّ، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيراً، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك،كما يَذكرون في مثل أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعِدّتهم، وعصا موسى من أيِّ شجرٍ كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم] تفسير ابن كثير 1/17.

والذي أراه أن قصة سليمان عليه السلام وملك الموت المذكورة لا ينبغي ذكرها لأن ما في كتاب الله عز وجل حول أجل الموت ومحله يغني عنها،وأخشى أن تكون مخالفةً لذلك،قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة لقمان الآية ٣٤.

وقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً} سورة آل عمران الآية 145.

وقال تعالى:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} سورة الأعراف الآية 34.

وقال الله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} سورة المؤمنون الآيتان 99-100.

وإن على خطباء المساجد والوعاظ أن يعلموا أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يُغني ويكفي عن الإسرائيليات والأحاديث المكذوبة.

وخلاصة الأمر:

أن قصة سليمان عليه السلام وملك الموت مذكورة في عددٍ من المصادر.

وأن هذه القصة ينتهي سندها إلى شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وهو من التابعين، ولم يسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فليست حديثاً نبوياً، والأغلب أنها من القصص المعروفة بالإسرائيليات.

وأن رواي القصة شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ مختلف في توثيقه وتضعيفه عند المحدثين، فمنهم من ضعفه وهم كُثرٌ، ومنهم من قبل حديثه.

وأن الذي أراه أن قصة سليمان عليه السلام وملك الموت المذكورة لا ينبغي ذكرها لأن ما في كتاب الله عز وجل حول أجل الموت ومحله يغني عنها،وأخشى أن تكون مخالفةً لذلك.

وأن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغني ويكفي عن الإسرائيليات والأحاديث المكذوبة.

والله الهادي إلى سواء السبيل