لا تدخلُ النيابةُ اليمينَ

يقول السائل:وقع أخي في مشكلةٍ مع امرأةٍ وطلبت عائلتها من كبير عائلتنا أن يحلفَ يميناً أن أخي لا علاقةَ له بالمشكلة،فهل يجوز لكبير العائلة أن يحلفَ اليمينَ نيابةً عن أخي،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:الأصلُ المقررُ عند العلماء أن المكلفَ شرعاً يقوم بما كُلِّف به بنفسه، إلا أن نصوصَ الشريعة دلت على جواز دخول النيابة بعض الأعمال، والمقصود بالنيابة هو:[قيام الإنسان عن غيره بفعلِ أمرٍ ] الموسوعة الفقهية الكويتية 42/25.

وقد قسَّم الفقهاءُ العبادات إلى ماليةٍ محضةٍ ، وبدنيةٍ محضةٍ ، ومشتملةٍ على البدن والمال.

فقالوا إن العبادات المالية المحضة كالزكاة،والصدقات،والكفارات،والنذور، تجوز فيها النيابةُ على الإطلاق،سواء كان مَنْ عليه العبادةُ قادراً على الأداء بنفسه،أو لا.وهذا باتفاق الفقهاء .

واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}سورة التوبة الآية 60.ووجه الدلالة أن الله عز وجل جوَّز العملَ على الزكاة ،وذلك بحكم النيابة عن المستحقين لها .

واحتجوا بما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:( أردتُ الخروجَ إلى خيبر ، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمتُ عليه وقلت له: إني أردتُ الخروجَ إلى خيبر ،فقال:إذا أتيتَ وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آيةً فضع يدك على ترقوته) رواه أبو داود بسند حسن كما قال الحافظ العسقلاني.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إن الخازنَ المسلم الأمين الذي ينقل ما أُمر به فيعطيه كاملاً موفراً طيبةً به نفسه، فيدفعهُ إلى الذي أمر به أحدُ المتصدقين)رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:( وكلني النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان) رواه البخاري.

وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عقبة بن عامر غنماً يقسمها على صحابته) رواه النسائي وابن ماجة،وصححه العلامة الألباني.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:( أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)رواه البخاري ومسلم .

وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال:(استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاُ من الأُسْد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه) رواه البخاري ومسلم .

وأما العباداتُ البدنيةُ المحضةُ كالصلاة والصيام والطهارة من الحدث، فهذا النوع من العبادات لا تجوز فيه النيابةُ على الإطلاق باتفاق الفقهاء بالنسبة للحي.

واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} سورة النجم الآية 39. إلا ما خصَّه الدليل، ولقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:( لا يصلي أحدٌ عن أحدٍ،ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ) رواه النسائي في الكبرى بإسناد صحيح كما قال الحافظ العسقلاني.

وعن مالك بلغه(أن ابن عمر كان يُسأل:هل يصوم أحدٌ عن أحدٍ أو يصلي أحدٌ عن أحدٍ ؟ فيقول: لا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ . ولا يصلي أحدٌ عن أحدٍ) رواه في الموطأ.

وأما النيابةُ عن الميت في العبادات البدنية المشتملة على البدن والمال، وهي الحج والعمرة ،فقد اتفق جماهير أهل العلم على جواز دخول النيابة في الحج في الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: الميت فيجوز الحج عن الميت فقد ثبت في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما:( أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟! اقضوا اللهَ فاللهُ أحقُّ بالوفاء ) رواه البخاري.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( قال رجلٌ: يا رســــول الله! إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: أرأيتَ لو كان على أبيك دينٌ أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدينُ الله أحقُّ ) رواه النسائي وصححه العلامة الألباني..

قال الإمام أبو إسحق الشيرازي:[ ولأنه حقٌ تدخله النيابةُ لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كديْن الآدمي] المهذب مع شرحه المجموع 7/109.

الحالة الثانية:المريضُ مرضاً مزمناً لا يرجى شفاؤُه،والمعضوبُ وهو الذي لا يثبت على الراحلة أو من لا يستطيع السفر لاعتلال صحته وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على ذلك:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( كان الفضلُ بن عباس رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأةٌ من خثعم،فجعل الفضلُ ينظر إليها وتنظرُ إليه،فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصرفُ وجهَ الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: إن فريضة الله أدركت أبـي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع) رواه البخاري ومسلم.وفي رواية لمسلم:( قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم ).

وعن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أنه قال:( يا رسول الله:إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال:حج عن أبيك واعتمر)رواه النسائي، وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي 2/556، والظعن أي الارتحال والسفر.

وذهب مالك على المعتمد في مذهبه إلى أن الحج لا يقبل النيابة لا عن الحي ولا عن الميت،معذوراً أو غير معذورٍ. انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 42/27 فما بعدها.

ثانياً: إذا تقرر هذا فقد اتفق الفقهاءُ من المذاهب الأربعة وغيرهم على أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين، فلا يحلفُ أحدٌ عن أحدٍ،قال السرخسي الحنفي عند كلامه على إقرار الشريكين:[وإن ادَّعى رجلٌ عليهما مالاً،ولم يكن له بينةٌ فحلف أحدُهما وأبى الآخر أن يحلف، لزمهما جميعاً المالُ;لأن نكوله عن اليمين كإقراره،ولأن حَلِفَ أحدهما لا يسقطُ اليمينَ عن الآخر،بخلاف ما إذا كانت الدعوى لهما على إنسانٍ، فاستحلف أحدهما المطلوب، فحلف لم يكن للآخر أن يستحلفه;لأن النيابة في الاستحلاف تجزئ،وفي الحَلِفِ لا تجزئ، فلا يمكن أن يُجعل الحالف منهما نائباً عن صاحبه في اليمين]المبسوط 21/227.

وقال برهان الدين محمود بن مَازَةَ البخاري الحنفي:[إذا وكَّل الرجلُ رجلاً بطلب شفعته، فادَّعى المشتري على الوكيل أن موكله قد سلَّم الشفعةَ، وطلب من القاضي أن يحلف الوكيل، فالقاضي لا يُحلفه؛ لأن الوكيل لو حلف، حلف بطريق النيابة عن الموكل؛لأن الشفيع لا يدعي التسليم على الوكيل،إنما يدعيه على الموكل، والاستحلاف لا يجري فيه النيابة؛وهذا لأن اليمين شُرعت بدل حق المدَّعي بالنص بخلاف القياس؛ لأنه لا مماثلة بين أصل حقه وبين اليمين، وما عُرف شرعاً بخلاف القياس، يراعى لصحة جميع ما ورد به الشرعُ، والشرع جعلها بدل حقه إذا كان المدَّعي قبله أصلاً في الحلف] الميحط البرهاني 8/742.

وورد في مجلة الأحكام العدلية المادة (1745):[تجري النيابةُ في التحليف،ولكن لا تجري في اليمين،فلذلك لوكلاء الدعاوى أن يحلِّفوا الخصمَ، ولكن إذا توجهت اليمينُ إلى موكليهم، فيلزم تحليفُ الموكلين بالذات،ولا يحلف وكلاؤُهم ] .

وقال شارح المجلة:[ تجري النيابةُ في التحليف، يعني لنائب المدَّعي كوكيله أو وصيه أو وليه أن يطلب تحليفَ المدَّعى عليه اليمينَ عند توجه اليمين عند المدَّعى عليه،انظر المادة (1495).ولكن لا تجري النيابةُ في اليمين، أي في الحلف.وبتعبيرٍ آخر ليس لأحدٍ أن يوفي بالنيابة اليمينَ التي تتوجه على المدَّعى عليه، فلذلك لوكلاء الدعاوى وللولي والوصي والمتولي أن يحلِّف خصمه اليمين، حتى لو لم يكن مصرحاً في وكالة الوكيل بالإذن له بالتحليف.وهذا المثال متفرعٌ على الفقرة الأولى،ولكن إذا توجهت اليمين على موكليهم أو على الصغير فيلزم تحليفُ الموكلين بالذات، والصبيَّ بعد البلوغ، ولا يحلفُ وكلاؤُهم أو أولياؤهم أو أوصياؤهم] درر الحكام 12/361.

وقال محمد بن رشد الجد المالكي:[…هذا بيِّنٌ على ما قاله،إذ لا يحلفُ أحدٌ عن أحدٍ] البيان والتحصيل 16/15.

وقال يحيى العمراني الشافعي:[مسائل لا يمكن فيها ردُّ اليمين:ذكر أصحابنا ثلاث مسائل لا يمكن فيها رد اليمين على المدَّعي:إحداهن:إذا مات رجلٌ ولا وارث له غير المسلمين، فوجد في دفتره أن له ديناً على رجلٍ، أو شهد له بذلك شاهدٌ واحدٌ، وأنكر من عليه الدَّين ونكلَ عن اليمين،فلا يمكن ردُّ اليمين هاهنا على أحدٍ وماذا يفعل فيه؟ قال أبو سعيد الإصطخري: فيه وجهان:أحدهما: يُحكم على المدَّعى عليه هاهنا بالنكول، فيجب عليه الدَّينُ؛ لأنه موضع ضرورة.
والثاني: يُحبس المدَّعى عليه حتى يُقرَّ أو يحلف، وهو الأصح؛ لأنه لا يمكن ردُّ اليمين على القاضي؛ لأن النيابة في اليمين لا تصح، ولا على المسلمين؛ لأنهم لا يتعينون، ولا يحكم عليه بالنكول؛ لأن ذلك لا يجوز عندنا، فإن تعذر ذلك لم يبق إلا حبس المدَّعى عليه إلى أن يحلف أو يقر ] البيان في مذهب الشافعي 13/95.وانظر الحاوي الكبير 10/364

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ولا تدخلُ اليمينَ النيابةُ ، ولا يحلفُ أحدٌ عن غيره ، فلو كان المدَّعى عليه صغيراً أو مجنوناً ، لم يُحلف عنه ،ووقف الأمرُ حتى يبلغ الصبيَُ ويعقل المجنونُ ، ولم يحلفْ عنه وليهُ ]المغني 12/124.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي أيضاً:[فإن كان في الورثة صغيرٌ أو معتوهٌ‏,‏ وُقف حقهُ حتى يبلغ الصغيرُ ويعقل المعتوهُ، لأنه لا يمكن أن يحلف على حاله، ولا يحلفُ وليهُ، لكون اليمين لا تدخلُها النيابةُ] المغني 12/102.

وقال البهوتي الحنبلي: [ولا تدخلُ النيابةُ في اليمين، فلا يحلفُ أحدٌ عن غيره، فلو كان المدَّعى عليه صغيراً أو مجنوناً لم يحلف ، لأنه لا يعول على قوله،ووقف الأمرُ إلى أن يكلفا، فيقرا أو يحلفا أو يُقضى عليهما بالنكول] كشاف القناع عن متن الإقناع 6/571.

وقال د. وهبة الزحيلي:[ ولا تدخل النيابةُ في اليمين، ولا يحلفُ أحدٌ عن غيره، فلو كان المدَّعى عليه صغيراً أو مجنوناً، لم يحلف عنه، ووقف الأمر حتى يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، ولم يحلفْ عنه وليهُ] الفقه الإسلامي وأدلته 8/6066.

ثالثاً: ما قرره الفقهاءُ من أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين، هو مقتضى الأدلة الواردة في السنة النبوية،فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على من أنكر )رواه الترمذي والبيهقي،وهو حديثٌ صحيحٌ كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل.فهذا الحديث يدل على أن اليمين تطلب من المُنكرِ وهو أحدُ طرفي الخصومة.

وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال :( كانت بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ ،فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله:( شاهداك أو يمينه)رواه مسلم. وهذا الحديث يدل على ما دلَّ عليه الحديث السابق.

وعنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) قَالَ فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا كَذَا وَكَذَا قَالَ صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ نَزَلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ فَقُلْتُ لَا قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ إِذَنْ يَحْلِفُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فَنَزَلَتْ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. رواه مسلم ، وغير ذلك من الأحاديث

وخلاصة الأمر:

أن الأصلَ المقرر عند العلماء أن المكلفَ شرعاً يقوم بما كُلِّف به بنفسه، إلا أن نصوص الشريعة دلت على جواز دخول النيابة بعض الأعمال.

وقد اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم على أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين، فلا يحلفُ أحدٌ عن أحدٍ.

وأن ما قرره الفقهاء من أن النيابةَ لا تدخلُ في اليمين هو مقتضى الأدلة الواردة في السنة النبوية.

والله الهادي إلى سواء السبيل