حكمُ ما بناهُ الابنُ في أرضٍ وهبها له والدهُ حالَ حياتهِ

يقول السائل:أعطاني والدي قطعة أرضٍ وبنيت عليها بيتاً في حياة الوالد وسكنتُ فيه سنواتٍ،وبعد وفاة الوالد يطالبني الورثةُ بدخول الأرض والبناء في التركة،فما الحكم في ذلك،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:الأصل المقرر شرعاً أن يعدل الوالدان بين أولادهما في المعاملات عامةً،وفي الهباتِ على وجه الخصوص،وبالذات إذا كان الأمرُ متعلقاً بإعطاء الأبناء أراضٍ أو عقاراتٍ ونحو ذلك،فلا بد من التسوية والعدل بينهم في العطاء،لأن التفريق بين الأولاد في المعاملة يورثُ الحقدَ والحسدَ ويوقعُ العداوةَ والبغضاءَ بينهم.

وقد ورد في الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة ما يفيد ظاهرُها وجوبَ التسويةِ بين الأولاد في الهبات،وبهذا قال جماعةٌ من أهل العلم،وقد رفض الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشهدَ على إعطاءِ أحدِ الصحابة لأحدِ أولاده عطيةً دون الآخرين،كما جاء في الحديث عن عامر قال:(سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول:أعطاني أبي أُعطيةً،فقالت عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحة –أم النعمان– لا أرضى حتى تُشهدَ رسولَ صلى الله عليه وسلم،فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقـال:إني أعطيت ابني من عَمْرَة بنتِ رَوَاحة عطيةً،فأمرتني أن أُشهدكَ يا رسول الله.قـال صلى الله عليه وسلم:أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟قال:لا،فقال صلى الله عليه وسلم:فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.قال فرجع فردَّ عطيته)رواه البخاري.وفي روايةٍ أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير والد النعمان (لا تشهدني على جورٍ،أليس يسرُّك أن يكونوا لك في البِرِ سواء؟قال:نعم.قال:أشهد على هذا غيري)رواه أبو داود بسندٍ صحيح كما قال العلامة الألباني.

ومما يدل على أنه يجب على الأب أن يُسويَ بين أولاده في الهبات والعطايا قولهُ صلى الله عليه وسلم:(اعدلوا بين أبنائكم،اعدلوا بين أبنائكم،اعدلوا بين أبنائكم)رواه أحمد وأبو داود والنسائي،وهو حديثٌ صحيحٌ كما قال العلامة الألباني.

وقوله صلى الله عليه وسلم:(سووا بين أولادكم في العطية،لو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء)رواه سعيد بن منصور والبيهقي،وفي سنده كلامٌ للمحدثين،وقال الحافظ ابن حجر إسناده حسن.

وقال صلى الله عليه وسلم:(اعدلوا بين أولادكم في النِحَل كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البِر)رواه مسلم.ومن الفقهاء من يرى أن الأب إذا لم يعدل في الهبة لأولاده،فهو آثمٌ وتصرفهُ باطلٌ شرعاً،
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[…يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية،وإذا لم يختص أحدهم بمعنىً يبيح التفضيلَ،فإن خصَّ بعضهم بعطيته‏،أو فاضل بينهم فيها،أَثِمَ ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين:إما ردُّ ما فضَّل به البعض،وإما إتمامُ نصيب الآخر،قال طاووس‏:‏لا يجوز ذلك‏،‏ولا رغيفٍ محترقٍ،وبه قال ابن المبارك،وروي معناه عن مجاهد وعروة،وكان الحسنُ يكرهه ويجيزه في القضاء]

ثم استدل الشيخ ابن قدامة المقدسي لهذا القول:[ولنا ما روى النعمان بن بشير قال‏:‏‏(‏تصدق عليَّ أبي ببعض ماله فقالت أمي عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحة:‏لا أرضى حتى تُشهدَ عليها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم،فجاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقته فقال‏:‏أكلَّ ولدك أعطيت مثله‏؟‏قال‏:‏لا قال‏:‏فاتقوا الله‏،‏واعدلوا بين أولادكم قال‏:‏فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة‏)‏،وفي لفظٍ قال‏:‏(‏فاردده)‏،وفي لفظٍ قال‏:(فأرجعه)‏،وفي لفظٍ‏:‏(لا تشهدني على جَورٍ)،‏وفي لفظ‏ٍ:(‏فأشهد على هذا غيري)،وفي لفظٍ‏:‏(سوِ بينهم)‏وهو حديثٌ صحيحٌ متفقٌ عليه،وهو دليلٌ على التحريم،لأنه سمَّاهُ جَورَاً‏ً،وأمرَ بردِّهِ،وامتنع من الشهادة عليه،والجَورُ حرامٌ‏،والأمر يقتضي الوجوب،ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوةَ والبغضاءَ وقطيعةَ الرَّحِم فمنع منه‏،‏كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها]المغني 6/51-52.

وقال الإمام القرطبي مرجحاً القول بالردِّ:[فإن قيل:الأصلُ تصرفُ الإنسانِ في ماله مطلقاً،قيل له:الأصلُ الكلي والواقعة المعينة المخالفة لذلك الأصل لا تعارض بينهما كالعموم والخصوص.وفي الأصول أن الصحيح بناءُ العامِّ على الخاص،ثم إنه ينشأ عن ذلك العقوقُ الذي هو أكبرُ الكبائر،وذلك محرمٌ،وما يؤدي إلى المحرم فهو ممنوعٌ،ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:(اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)قال النعمان:فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة،والصدقةُ لا يعتصرها- الاعتصار هو الرجوع في الهبة- الأب بالإنفاق،وقوله:(فأرجعه) محمولٌ على معنى فاردده،والردُّ ظاهرٌ في الفسخ،كما قال عليه السلام (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ)أي مردودٌ مفسوخٌ. وهذا كله ظاهرٌ قويٌ،وترجيحٌ جليٌ في المنع] تفسير القرطبي 6/214.

ثانياً: إذا لم يعدل الوالدُ في الهبة للأولاد وقد مات، فالمطلوبُ من الولد الذي أعطاه أبوه هبةً دون إخوانه أن يقسم التركةَ بينه وبين بقية الورثة حسب الحكم الشرعي،إبراءً لذمة الوالدِ، ولنزعِ فتيلِ الشقاق والخصام والأحقاد من النفوس،وهذا الأمرُ فيه احتياطٌ في الدِّين.ولأن الأحاديث المذكورة سابقاً صريحةٌ في النهي عن التفضيل، وخاصةً أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمَّى ذلك جوراً أي ظلماً .

قال العلامة ابن القيم:[وأَمرَ بالتسوية بين الأولاد في العطية وأخبر أن تخصيصَ بعضهم بها جَورٌ لا يصلح ولا تنبغي الشهادةُ عليه، وأَمرَ فاعلُهُ بردِّه ووَعظهُ وأَمرهُ بتقوى الله تعالى وأَمرهُ بالعدل لكون ذلك ذريعة ظاهرة قريبة جداً إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم كما هو مشاهدٌ عِياناً، فلو لم تأت السنةُ الصحيحةُ الصريحةُ التي لا مُعارضَ لها بالمنع منه لكان القياسُ وأصولُ الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرءُ المفاسد يقتضي تحريمه]إغاثة اللهفان1/365 .وانظر فتاوى اللجنة الدائمة 16/216.

ثالثاً:إذا وهبَ الوالدُ لابنه أرضاً فبنى فيها الابنُ منزلاً في حياة والده، فيعتبرُ ذلك هبةً، وبما أن الابنَ حازها وتصرفَ فيها بالبناءِ حالَ حياة والده،صارت الأرضُ وما عليها حقاً خالصاً للابن الموهوب له، ولا حقَّ فيها للورثة الآخرين،ومن المعلوم أن الهبة تصيرُ لازمةً إذا لحقها القبضُ على الراجح من أقوال الفقهاء،أي أن يقبض الموهوبُ له الهبةَ حال حياة الواهب، فيحوزها الحيازةَ الشرعية، بحيث يصيرُ مالكاً لها وحرَّ التصرفِ فيها، لأن من شروط صحة الهبة عند جمهور الفقهاء القبض،ويدل على ذلك ما ورد عن عائشة رضي الله عنها:(أن أبا بكر رضي الله عنه نَحَلَها جذاذِ عشرين وسقاً من ماله بالعالية، فلما مرض قال: يا بنية: كنت نَحلتك جذاذ عشرين وسقاً، ولو كنت جذذته أو قبضته كان ذلك، فإنما هو اليوم مالُ وارثٍ، فاقتسموه على كتاب الله تعالى) رواه مالك في الموطأ ورواه البيهقي كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير 3/72-73.

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي مستدلاً لهذا الشرط:[ ولنا إجماعُ الصحابة رضي الله عنهم، فإن ما قلناه مرويٌ عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما‏،‏ ولم يعرف لهما في الصحابة مخالفٌ…-ثم ذكر خبر عائشة رضي الله عنها السابق– ثم قال: وروى ابن عيينة عن الزهري‏ عن عروة عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أن عمر بن الخطاب قال‏:‏ما بالُ أقوامٍ ينحلون أولادهم‏،‏فإذا مات أحدُهم قال‏:‏مالي وفي يدي.وإذا مات هو قال‏:‏كنتُ نحلته ولدي‏؟‏ لا نِحلةَ إلا نِحلةً يحوزُها الولدُ دون الوالد‏،‏ فإن مات ورثه.وروى عثمان أن الوالد يحوزُ لولده إذا كانوا صغاراً.قال المروزي‏:اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضةً ] المغني 6/41-42.

ويدل على ذلك أيضاً ما ورد عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ:لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا:( إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ , وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ , وَلَا أَرَى إِلَّا هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ , فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ , فَهِيَ لَكِ) قَالَ:وَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ,وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ, فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةَ مِسْكٍ,وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ)قال الحافظ العسقلاني:رواه أحمد والطبراني وإسناده حسن. فتح الباري 5/222.وهذا هو المعمول به في بلادنا بموجب ما قررته مجلة الأحكام العدلية في (الْمَادَّة (837):[تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ].

وخلاصة الأمر:

أن الأصل المقرر شرعاً أن يعدل الوالدان بين أولادهما في المعاملات عامةً،وفي الهباتِ على وجه الخصوص،وبالذات إذا كان الأمرُ متعلقاً بإعطاء الأبناء أراضٍ أو عقاراتٍ ونحو ذلك،فلا بدَّ من التسوية والعدل بينهم في العطاء.

وإذا لم يعدل الوالدُ في الهبة للأولاد وقد مات، فالمطلوبُ من الولد الذي أعطاه أبوه هبةً دون إخوانه أن يقسم التركةَ بينه وبين بقية الورثة حسب الحكم الشرعي.

وأن الوالدَ وهبَ لابنه أرضاً فبنى فيها الابنُ منزلاً في حياة والده، فيعتبرُ ذلك هبةً،وتصير الأرضُ وما عليها حقاً خالصاً للابن الموهوب له، ولا حقَّ فيها للورثة الآخرين.

والله الهادي إلى سواء السبيل