مشايخُ الفضائياتِ وشهيدُ الحبِّ وعيدُ “فالانتين”

يقول السائل:ما صحة الحديث الذي استدل به مفتٍ سابق على أن العاشق الذي مات وهو يكتم عشقه فهو شهيدٌ، وما قولكم في قول شيخ آخر من مشايخ الفضائيات:ما دام الناس قد تراضوا بوجود يوم يُذكِّرهم بالحب،فأنا أقول لهم: “Happy Valentine Day”. أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً: العلمُ الشرعي أمانةٌ ورعايةٌ، وصيانةٌ وخشيةٌ وورعٌ، ومسؤوليةٌ عظيمةٌ، وإن أهل العلم عامة، وأهل الفُتيا خاصة، مطالبون بحفظ الأمانة وأدائها على الوجه الصحيح، وللعلماء مكانةٌ عظيمةٌ في دين الإسلام، فهم ورثةُ الأنبياء، قال الله تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون}سـورة الزمر الآية 9، وقال الله تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ}سورة فاطر الآية 28، وقال سبحانه:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}سورة المجادلة الآية 11.وقال تعالى:{شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} سورة آل عمران الآية 18.

قال القرطبي:[في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحدٌ أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} سورة طه الآية 114، فلو كان شيءٌ أشرف من العلم لأمر اللهُ تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيدَ منه،كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم:(إن العلماء ورثة الانبياء) وقال:(العلماء أمناء الله على خلقه) وهذا شرفٌ للعلماء عظيمٌ، ومحلٌ لهم في الدين خطير] تفسير القرطبي 4/41.

وحديث (العلماء ورثة الأنبياء،إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والبيهقي، وحسَّنه العلامة الألباني. وأما حديث (العلماء أمناء الله على خلقه) فرواه العقيلي وضعفه العلامة الألباني.

وقد أوجب الله عز وجل على العلماء بيانَ الحق للناس، وحرَّم عليهم كتمانه، قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقد نعى الله عز وجل على من أوتي علماً ثم تخلى عنه ولم يحمل أمانة الكلمة، فقال تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}سورة الأعراف الآيات174-178.

وقوله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ…} هي أشدُّ آيةٍ على العلماء، قال الإمام البغوي:[وهذه أشدُّ آيةٍ على العلماء،وذلك أن الله أخبر أنه آتاه آيةً من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا، واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ عنها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟] تفسير البغوي 3/304.

وقال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} سورة الجمعة الآية 5.

ونلاحظ أن الله عز وجل قد وصفَ علماءَ السوء بوصفين قبيحين؛ هما الكلب والحمار، وبئس الوصفان هما!

وورد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أخوف ما أخاف على أمتي بعدي الأئمة المضلون) رواه أحمد والطبراني وصححه العلامة الألباني.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان) رواه الطبراني والبزار وصححه العلامة الألباني.

ثانياً:الواجب على المشايخ والخطباء والوعاظ والمدرسين أن يتثبتوا من الأحاديث النبوية قبل روايتها وذكرها للناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، بل إن عامة الناس يتلقون هذه الأحاديث وينشرونها فيما بينهم فيُسهم المشايخ والوعاظ والخطباء والمدرسون وأمثالهم في نشر هذه الأحاديث المكذوبة بين الناس، ويتحملون وزر ذلك.
فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال:(من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)رواه البخاري ومسلم.

وقال الحافظ ابن حبان:[فصلٌ، ذِكُر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيءَ إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو غير عالمٍ بصحته]، ثم روى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وإسناده حسن كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط، الإحسان 1/210، ثم ذكر ابن حبان بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من حدث حديثاً وهو يُرَى -بضم الياء ومعناه يُظن- أنه كذبٌ فهو أحد الكاذبين) وأخرجه مسلم أيضاً.

وقال الإمام الشوكاني:[فلما كان تمييز الموضوع من الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجَلِّ الفنون، وأعظم العلوم، وأنبل الفوائد من جهاتٍ يكثر تعدادها، ولو لم يكن منها إلا تنبيه المقصرين من علم السنة على ما هو مكذوبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحذروا من العمل به، واعتقاد ما فيه، وإرشاد الناس إليه. كما وقع لكثير من المصنفين في الفقه والمتصدرين للوعظ والمشتغلين بالعبادة والمتعرضين للتصنيف في الزهد، فيكون لمن بيَّن لهؤلاء ما هو كذبٌ من السنة أجرُ من قام بالبيان الذي أوجبه اللهُ، مع ما في ذلك من تخليص عباد الله من معرة العمل بالكذب، وأخذه على أيدي المتعرضين لما ليس من شأنه من التأليف والاستدلال والقيل والقال، وقد أكثر العلماء رحمهم الله من البيان للأحاديث الموضوعة وهتكوا أستار الكذابين، ونفوا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم انتحال المبطلين وتحريف الغالين وافتراء المفترين وزور المزورين] الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص 3.

وكما ينبغي أن يُعلم أن في الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يغني ويكفي عن الأحاديث المكذوبة.

إذا تقرر هذا فإن الحديث الذي استدل به المفتي السابق وهو:(مَنْ عشقَ فعفَّ وكتمَ ماتَ شهيداً ) هذا الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ باطلٌ مكذوبٌ كما قرر ذلك علماء الحديث.

فقد ذكره ابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية.

قال العلامة ابن القيم:[ولا يُغتر بالحديث الموضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه سويد بن سعيد …عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من عشق فعفَّ فمات فهو شهيد).

وفي رواية :(من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة) فإن هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يكون من كلامه،فإن الشهادةَ درجةٌ عاليةٌ عند الله مقرونةٌ بدرجة الصديقية، ولها أعمالٌ وأحوالٌ هي شرطٌ في حصولها وهي نوعان:عامةٌ وخاصة، فالخاصة: الشهادة في سبيل الله.والعامة خمسٌ مذكورةٌ في الصحيح، ليس العشقُ واحداً منها…ثم إن العشق منه حلالٌ، ومنه حرامٌ، فكيف يُظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه يحكم على كل عاشقٍ يكتم ويعف بأنه شهيدٌ، فترى من يعشق امرأةَ غيره أو يعشق المردان والبغايا ينالُ بعشقه درجة الشهداء! وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه صلى الله عليه وسلم بالضرورة ؟] زاد المعاد 4/251.

وقال العلامة ابن القيم أيضاً: [وأما حديث:”من عشق فعفَّ” فهذا يرويه سويد بن سعيد،وقد أنكره حفَّاظُ الإسلام عليه.قال ابن عدي في كامله:هذا الحديث أحدُ ما أُنكرَ على سويد، وكذلك ذكره البيهقي وابن طاهر في الذخيرة والتذكرة، وأبو الفرج ابن الجوزي وعدَّه من الموضوعات،وأنكره أبو عبد الله الحاكم على تساهله،وقال أنا أتعجبُ منه ….وكلامُ حفَّاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان،وإليهم يرجع في هذا الشأن،ولا صححه ولا حسَّنه أحدٌ يُعول في علم الحديث عليه،ويرجع في التصحيح إليه،ولا من عادته التسامح والتساهل، فإنه لم يصف نفسه له، ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها الغثَّ والسمين،قد أنكره وشهدَ ببطلانه…ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّ الشهداءَ في الصحيح ، فذكر المقتول في الجهاد،والمبطون،والحرق،والنفساء يقتلها ولدُها، والغرق،وصاحب ذات الجَنْب،ولم يذكر منهم من يقتله العشق]الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 244.

وقال العلامة ابن القيم أيضاً:[وهذا حديثٌ باطلٌ على رسول الله قطعاً لا يشبه كلامَه…وقال أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث أَحدُ ما أُنكرَ على سويد،وأنكره البيهقي وأبو الفضل بن طاهر وأبو الفرج بن الجوزي وأدخله في كتابه الموضوعات] روضة المحبين 1/180.

وقال الشيخ إسماعيل العجلوني:[وهو مما أنكرهُ يحيى بن معين وغيره على سويد.حتى إن الحاكم قال في تاريخه:يقال أن يحيى لما ذكر هذا الحديث،قال لو كان لي فرسٌ ورمحٌ غزوتُ سويداً]كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس 2/263.

وقال العلامة الألباني إنه حديثٌ موضوعٌ،أي مكذوبٌ.سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/587.

وذهب بعض المتأخرين- أحمد الغماري -إلى تقوية الحديث بمجيئه من طريقٍ آخر،وزعم صحته،وزعمه باطلٌ مردودٌ، والتحقيق أن الحديث موضوعٌ مكذوبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجافٍ لمشكاة النبوة.وتحرم نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دون بيان وضعه كما فعل المفتي السابق.

قال الدكتور محمد محمد أبو شهبة:[تحذير من يروي الموضوع المكذوب:وقد حكم كثير من علماء الحديث وأئمته على من روى حديثاً موضوعاً من غير تنبيهٍ إلى وضعه وتحذيرِ الناس منه، بالتعزير والتأديب،قال أبو العباس السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ورُفع إليه كتابٌ من ابن كرَّام يسأله عن أحاديث،منها حديث الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً:”الإيمان لا يزيدُ ولا ينقصُ” فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه:”من حدَّث بهذا استوجب الضربَ الشديد، والحبسَ الطويل”.
بل بالغ بعضهم، فأحلَّ دمه، قال يحيى بن معين – وهو من كبار أئمة الجرح والتعديل- لما ذُكر له حديث سويد الأنباري:”من عشق، وعف، وكتم، ثم مات مات شهيداً”قال:هو حلالُ الدم !!
وقد سئل الإمام ابن حجر الهيثمي عن خطيبٍ يرقى المنبر كلَّ جمعة، ويروي أحاديث، ولم يبين مخرجيها ودرجتها فقال: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها فجائز، بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلفٍ صاحبُه كذلك.
وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطبٍ ليس مؤلفها كذلك،فلا يحل؛ومن فعل عُزِّرَ عليه التعزير الشديد،وهذا حال أكثر الخطباء؛فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبةً فيها أحاديث حفظوها،وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا،فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك] الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير 1/18.

ثالثاً:ما قاله الشيخ الصوفي الحبيب الجفري على إحدى الفضائيات إنه لا يوجد ما يمنعُ الناسَ من تهنئة بعضهم بعيد الحب،وأضاف: ما دام الناس قد تراضت على أن يكون هناك يومٌ يُذكِّرهم بالحب فلا مشكلة في ذلك، وأنا أقولُ بكل أريحية: كل عام وأنتم بخير . “Happy Valentine Day”.

فالجواب على هذا الضلال أن الأمة الإسلامية أمةٌ مستقلةٌ في شخصيتها وأعيادها، وأمةُ الإسلام لها عيدان معروفان، عيد الفطر وعيد الأضحى، وليس لها أعيادٌ سواهما.وقضيةُ العيد جزءٌ من شعائر الإسلام، لا يجوز أخذُها عن غيرها من الأمم أو الملل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}وقال:{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ}كالقبلة والصلاة والصيام،فلا فرق بين مشاركتهم في العيد،وبين مشاركتهم في سائر المناهج،فإن الموافقة في جميع العيد موافقةٌ في الكفر، والموافقةُ في بعض فروعه موافقةٌ في بعض شُعَبِ الكفر،بل الأعيادُ هي من أخصِّ ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقةُ فيها موافقةٌ في أخصِّ شرائع الكفر وأظهر شعائره,ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه.وأما مبدؤها فأقلُّ أحواله أن يكون معصيةً،وإلى هذا الاختصاص أشار النبي صلّى الله عليه وسلم بقوله:(إن لكل قوم عيداً وإن هذا عيدنا)] اقتضاء الصراط المستقيم 1/528-529 .

والحديث الذي ذكره شيخ الإسلام رواه البخاري ومسلم وغيرهما ولفظه:( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،قَالَتْ:دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ،قَالَتْ:وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟وَذَلِكَ يَوْمُ عِيدٍ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:يَا أَبَا بَكْرٍ،إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا،وَهَذَا عِيدُنَا)فهذا الحديثُ أوجب اختصاصَ الأمة الإسلامية بأعيادها فقط،وعليه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا بأي عيدٍ آخر.

وما يسمَّى”عيد الحب” فالانتين “لا علاقة للمسلمين به لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ،بل أصله من أعياد الرومان الوثنيين، وله في تاريخهم أساطير موروثة.ومما قيل في سبب هذا العيد أنه لما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها وحكم الرومان الإمبراطور الروماني”كلوديوس الثاني” في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج، لأن الزواج يشغلهم عن الحروب التي كان يخوضها فتصدى لهذا القرار” القديس فالانتين” وصار يُجري عقود الزواج للجند سراً، فعلم الإمبراطور بذلك فزجَّ به في السجن، وحكمَ عليه بالإعدام.وفي سجنه وقع في حب ابنة السجان، وكان هذا سراً، فنفذ فيه حكم القتل يوم 14 فبراير عام 270 ميلادي.وعيد الحب هذا له مظاهر كثيرة في أوروبا وأمريكا حيث يتم تبادل الورود الحمراء وتوزيع بطاقات التهنئة وتبادل كلمات الحب والعشق وتقام الحفلات الراقصة المختلطة ويقع فيها من المنكرات ما الله به عليم. https://saaid.net/Doat/shaya/31.htm

وبناءً على ما سبق فإنه يحرم على المسلمين الاحتفالُ بعيد الحب والتهنئة به، لأنه من الشعائر الوثنية،ولأنه مرتبط بالقديس “فالانتين “. وهو مرتبط بخرافات وأساطير باطلة،ونحن أمة الإسلام قد نهينا عن التشبه بغيرنا وقد قال الله تعالى:{ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}سورة آل عمران الآية 105 .

وصح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير الحديث رقم 6025 .

وكذلك يحرم بيعُ كل ما له علاقةٌ بهذا العيد أو الاستعداد له بتحضير الورود الحمراء أو المناديل الحمراء وغير ذلك مما هو مختصٌ بهذا العيد، ولا يجوز للمسلم المشاركة بهذا العيد بأي شكل من الأشكال.

وينبغي أن يُعلم أن الإسلام قد بيَّن أسس وقواعد الحب،فالإسلام هو دين المحبة المبنية على أسسٍ سليمةٍ متفقةٍ مع الفطرة الإنسانية،فالزوج يحب زوجته،والزوجة تحب زوجها، والمسلم يحب والديه والعكس صحيح، والمسلم يحب أخاه، وهكذا فالحب أشمل وأعمُّ من هذا الحب المزعوم في عيد الحب،فالحقيقة أن الحب في عيد الحب هو العشق واتخاذ الأخدان والعشيقات خارج نطاق الزواج والأسرة، إنه دعوةٌ للتحلل والإباحية.

كثيرٌ من علماء المسلمين المعاصرين أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الحب، فمن ذلك ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية جواباً على السؤال التالي:[يحتفل بعض الناس في اليوم الرابع عشر من شهر فبراير 14/2،من كل سنة ميلادية بيوم الحب”فالنتين داي”،ويتهادون الورود الحمراء ويلبسون اللون الأحمر ويهنئون بعضهم،وتقوم بعض محلات الحلويات بصنع حلويات باللون الأحمر، ويرسم عليها قلوبٌ، وتعمل بعض المحلات إعلانات على بضائعها التي تخص هذا اليوم فما هو رأيكم ؟
فأجابت اللجنة:…يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيءٍ من أكلٍ أو شربٍ أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك،لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.ويجب على المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة في جميع أحواله لاسيما في أوقات الفتن وكثرة الفساد، وعليه أن يكون فطناً حذراً من الوقوع في ضلالات المغضوب عليهم والضالين والفاسقين الذين لا يرجون لله وقاراً ولا يرفعون بالإسلام رأساً،وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى بطلب هدايته والثبات عليها، فإنه لا هادي إلا الله ولا مثبت إلا هو سبحانه وبالله التوفيق.]

رابعاً: إن مما ابتلي به المسلمون في هذا الزمان،ما يقوم به بعض المنتسبين للعلم الشرعي،من إهدارٍ لكرامة العلم الشرعي،وتشويهِ صورته،وتسويدِ مُحيَّاه،والانحرافِ عن نهج العلماء العاملين،حملة الدين المخلصين،الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:(يحملُ هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عُدولهُ، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين،وتأويلَ الجاهلين)وهو حديثٌ مشهورٌ صححه الإمام أحمد والحافظ ابن عبد البر وغيرهما.

هؤلاء مشايخ الضلال مطايا الطغاة الذين يبيحون سفكَ دماء المسلمين في الميادين والساحات،المساندون للظلم والمدافعون عن الباطل.

هؤلاء مشايخ الضلال الذين يناصرون الظلمة والفسقة والطغاة، بل الكفار،

مشايخُ الضلال هؤلاء الذين يفتون في قضايا إرضاءً لذوي الجاه والمال والسلطان.

علماءُ السوء هؤلاء صاروا كثرةً في زماننا وقد فُتحت لهم الأبواق الإعلامية، وخاصة القنوات الفضائية، في حين مُنع عُدول العلماء وأُوصدت في وجوههم الأبواب.

علماءُ السوء هؤلاء،هم الذين وصفهم الله بالكلاب والحمير،وهم كُثرٌ في زماننا كما قلت من أدعياءُ العلم ممن يسمون أنفسهم دعاةً أو يسمون أنفسهم دعاةً جدداً، وهؤلاء جميعاً يربطهم موقفٌ واحدٌ ألا وهو التزلفُ للطغاة وللظلمة،لذلك سخَّروا ظهورهم على القنوات الفضائية،لخدمة أسيادهم من المتسلطين على رقاب الأمة، الذين يسومونها سوءَ العذاب، هؤلاء الطغاة الذين يستأسدون على شعوبهم، فيسفكون الدماء ويسرقون الأموال ويسعون في الأرض فساداً، وفي ذات الوقت هم أرانبُ خانعةٌ ذليلةٌ أمام أسيادهم سدنة الكفر في العالم.وقد سمعنا ورأينا من علماء السوء أولئك،ومن المستحمرين أقوالاً عجيبة غريبة.

هؤلاء السفلة الذين اتخذهم الطغاة والظلمة (جِزَماً بالعامية المصرية) ليخوضوا بها الأوحال والمستنقعات النتنة،ومن ثم يخلعونها ويرمونها،وهذا هو مصيرهم في الدنيا،وأما مصيرهم في الآخرة فلعله ينطبق عليهم ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن أولَ الناس يُقضى يوم القيامة عليه،رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى أُلقي في النار.ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأُتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلمَ وعلمتهُ وقرأتُ فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أُمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيلٍ تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جوادٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحبَ على وجهه ثم أُلقي في النار) رواه مسلم.

قال الحافظ ابن عبد البر:[وهذا الحديث فيمن لم يُرد بعملهِ وعِلمهِ وجهَ الله تعالى] جامع بيان العلم وفضله 2/339.

وعلى علماء السوء هؤلاء أن يدركوا خطورة الكلمة، وأن من خان أمانة الكلمة، فمصيره إلى النار كما ورد في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ) ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ:بَلَى يَارَسُولَ اللَّهِ؛ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ:” كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ” فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ:” ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ قَالَ : عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )رواه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة،والطبراني في الكبير والحاكم وصححه على شرطيهما ووافقه الذهبي وصححه العلامة الألباني.

وخلاصة الأمر:

أن العلمَ الشرعي أمانةٌ ورعايةٌ، وصيانةٌ وخشيةٌ وورعٌ، ومسؤوليةٌ عظيمةٌ، وأن أهل العلم عامة، وأهل الفُتيا خاصة، مطالبون بحفظ الأمانة وأدائها على الوجه الصحيح.

وأن الواجب على المشايخ والخطباء والوعاظ والمدرسين أن يتثبتوا من الأحاديث النبوية قبل روايتها وذكرها للناس، لأن معظم الناس من العوام الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف من الأحاديث.

وأن الحديث الذي استدل به المفتي السابق وهو:(مَنْ عشق فعفَّ وكتمَ مات شهيداً ) هذا الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثٌ باطلٌ مكذوبٌ كما قرر ذلك علماء الحديث.

وأن كثيراً من علماء الحديث وأئمته قد حكموا على من روى حديثاً موضوعاً من غير تنبيهٍ إلى وضعه وتحذيرِ الناس منه، بالتعزير والتأديب.

وأن الأمة الإسلامية أمةٌ مستقلةٌ في شخصيتها وأعيادها، وأمة الإسلام لها عيدان معروفان عيد الفطر وعيد الأضحى، وليس لها أعيادٌ سواهما.

وأن من الضلال أن يقول أحد المشايخ إنه لا مانع من تهنئة الناس بعضهم بعيد الحب.

وأن يقول للناس بكل أريحية: “Happy Valentine Day”.

وأنه يحرم شرعاً على المسلمين الاحتفال بعيد الحب لأنه من الشعائر الوثنية، ولأنه مرتبط بالقديس”فالانتين ” وهو مرتبط بخرافات وأساطير باطلة.

وأن علماءَ السوء صاروا كثرةً في زماننا وقد فُتحت لهم الأبواق الإعلامية، وخاصة القنوات الفضائية، في حين مُنع عُدول العلماء وأوصدت في وجوههم الأبواب.

وأن العلمَ الشرعي دينٌ يحمله العلماء العاملون،حملةُ الدِّين المخلصون،الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:( يحملُ هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عُدولهُ، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين،وتأويلَ الجاهلين).

والله الهادي إلى سواء السبيل