اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي

يقول السائل:مع اشتداد الهجمةِ على المسلمين السنُّة في أماكن عديدة كما يحدث في سوريا، يتداولُ الخطباءُ والوعاظُ عبارةَ ” اشتدي أزمةُ تنفرجي”، فهل هذه العبارةُ حديثٌ نبويٌ،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:المحنُ والشدائدُ التي نزلت بالمسلمين السنَّة في أماكن عديدة من عالمنا الإسلامي، وما تزال تتوالى، يبدو فيها بوضوحٍ تكالبُ الأمم من الشرق ومن الغرب،وجمعت دولاً نصرانيةً ويهوديةً ورافضةً ومسلمةً من أذناب دول الكفر، وساندها مخلفاتُ الأحزاب المنحرفة من بعثيين وشيوعيين ويساريين وليبراليين، وغيرهم من الأذناب،ويظهرُ هذا التكالبُ بجلاءٍ فيما يجري في الشام، ولاشك أن هذا مصداقُ الحديث النبوي:(يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلة إِلَى قَصْعَتِهَا،فقال قائل:ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟!قال:بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ،وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ،وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ،وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ.فقال قائل:يا رسول الله!وما الوَهَن؟ قال:حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ)رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لثوبان:( كَيفَ أَنتَ يَا ثَوبَانُ!إِذْ تَدَاعَتْ عَلَيكُمُ الأُمَمُ كَتَدَاعِيكُم عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ يُصِيبُونَ مِنهُ؟قال ثوبان:بأبي وأمِّي يا رسول الله! أَمِنْ قلَّةٍ بنا؟ قال: لاَ؛ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِن يُلْقَى فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنُ.قالوا:وما الوهَن يا رسول الله؟قال:حُبُّكُمُ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ القِتَالَ)رواه أحمد وقال الهيتمي:إسناده جيّد،وهو حديثٌ صحيحٌ بمجموع طرقه وشواهده.

إن المتابع لهذه المحن والشدائد، يرى أن الأكلة قد جاؤوا إلى الشام من الشرق ومن الغرب، وجاء الرافضة من إيران ومن العراق ومن لبنان، وهؤلاء يرفعون شعاراتٍ كاذبةٍ،كالدفاع عن آل البيت،وعن المقام المزعوم للسيدة زينب،وغير ذلك من الأكاذيب.

إن اجتماع كل أولئك في هذه الحرب، ليدل بوضوحٍ على ما قرره ربُّ العالمين في قوله:{وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ}سورة البقرة الآية 216.وهذا خبرُ صدقٍ من ربنا عز وجل عن شدةِ عداوة الكفرة للمسلمين،واستمرارِ قتالهم لصرفهم عن دين الإسلام إن استطاعوا، ولن يستطيعوا بإذن الواحد الأحد.

وفي قوله عز وجل:{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}سورة البقرة الآية 120.وهذا خبرُ صدقٍ ثانٍ من ربنا عز وجل،يبين استحالة رضا أهل الكفر عن الإسلام والمسلمين.

وعداءُ هؤلاء للمسلمين عداءٌ ديني من جهةٍ،ومن الجهة الأخرى طمعاً في السيطرة على خيرات الأمة،وإن غلَّفوه بأغلفةٍ برَّاقةٍ خدَّاعةٍ كمحاربة الإرهاب،قال تعالى:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}سورة المائدة الآية 51.

وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} سورة آل عمران الآية 100.
وينبغي التوضيحُ أن مشاركة الأكلةِ من الرافضة في هذا التكالب،إنما جاء من منطلق عقائدهم الفاسدة،ومن تحريفهم وتزويرهم وتزييفهم للحقائق، وتاريخُهم ينضحُ بهذه المواقف، فالرافضةُ على مرِّ التاريخ ما نصروا الإسلام في موقفٍ، بل خذلوه أيما خذلان، وطعنوا أمةَ الإسلام في الظهر مراتٍ ومراتٍ،

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وَالرَّافِضَةُ هُمْ مُعَاوِنُونَ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ كَانُوا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي دُخُولِ التَّتَارِ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ إلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ بِخُرَاسَانَ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ…وَكَذَلِكَ فِي الْحُرُوبِ الَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ النَّصَارَى بِسَوَاحِلِ الشَّامِ، قَدْ عَرَفَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّ الرَّافِضَةَ تَكُونُ مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُمْ عَاوَنُوهُمْ عَلَى أَخْذِ الْبِلَادِ لَمَّا جَاءَ التَّتَارُ، وَعَزَّ عَلَى الرَّافِضَةِ فَتْحُ عَكَّا وَغَيْرِهَا مِنْ السَّوَاحِلِ،وَإِذَا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ كَانَ ذَلِكَ غُصَّةً عِنْدَ الرَّافِضَةِ، وَإِذَا غَلَبَ الْمُشْرِكُونَ وَالنَّصَارَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ عِيدًا، وَمَسَرَّةً عِنْدَ الرَّافِضَةِ]مجموع فتاوى شيخ الإسلام 28/528.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً:[وكذلك إذا صار لليهودِ دَوْلَةً بِالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ، تَكُونُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَعْظَمِ أعوانهم، فهم دائماً يوالون الكفارَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُعَاوِنُونَهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَمُعَادَاتِهِمْ] منهاج السنة النبوية 3/378.

ثانياً: على الرَّغمِ من المحنِ والشدائدِ التي نزلت بالمسلمين السنَّة،فإن يقيننا قويٌ بفَرَجِ الله سبحانه تعالى، ونحن نوقن بأن مع العسرِ يُسراً، كما قال تعالى:{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}سورة الشرح الآيتان 5-6.

وأننا إذا رجعنا إلى ديننا فإن الفَرَجَ آتٍ بلا ريبٍ، وأن النصرَ مع الصبر،قال تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} سورة يوسف الآية 110،
وقال تعالى:{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}سورة التوبة الآية 32.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:(لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِم لاَ يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُم عَلَى ذَلِكَ) رواه مسلم.

ثالثاً:أخبرنا الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم أن السبيلَ لصدِّ تكالبِ الأكلة على أمة الإسلام، هو الرجوعُ إلى ديننا ومواجهةِ المعتدين،قال صلى الله عليه وسلم:(إذا تبايعتُم بالعِينَةِ،وأخذتم أذنابَ البقرِ،ورضيتُم بالزَّرْع، وتركتُم الجهادَ، سَلَّطَ اللهُ عليكم ذُلاًّ لا ينزِعُه حتى تَرجِعُوا إلى دينكم)رواه أحمد وأبو داود،وصححه ابن القطان،وقال الحافظ العسقلاني:رجاله ثقات،وصححه العلامةُ الألباني أيضاً.

[(حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) أي:يستمر هذا الذلُّ عليكم ،حتى تعودوا إلى إقامة الدِّين كما أراد اللهُ عز وجل،فتطيعوا اللهَ في أوامره ،وتجتنبوا ما نهاكم اللهُ عنه ، وتُقدموا الآخرة على الدنيا ، وتجاهدوا في سبيل الله .والحديثُ يدل على الزجرِ الشديدِ، والنهي الأكيد عن فعل هذه المذكورات في الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك بمنزلة الردَّةِ، والخروجِ عن الإسلام،فقال:(حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ).
وفيه أيضاً:الحثُّ الأكيدُ على الجهاد في سبيل الله، وأن تركه من أسباب ذلِّ هذه الأمة أمام غيرها من الأمم ، وهذا هو واقع الأمة اليوم ، للأسف الشديد ، نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا وعلى المسلمين جميعاً بالرجوع إلى هذا الدِّين، وهدايتنا وتوفيقنا إلى العمل به ، على الوجه الذي يُرضي اللهَ عز وجل ] https://islamqa.info/ar/67799

رابعاً: إذا تقرر هذا فإن عبارة ” اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي ” ليست حديثاً نبوياً، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبٌ عليه، قال العلامة الألباني بأنه موضوعٌ كما في السلسلة الضعيفة والموضوعة 5/412.

وعبارةُ ” اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي “ هي مطلع قصيدةٍ مشهورةٍ في الفَرَجِ، وتسمَّى “القصيدة المنفرجة” للشاعر الأندلسي أبي الفضل يوسف بن محمد المعروف بابن النحوي المتوفى سنة 513 هـ. وورد فيها:

اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي *** قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
وَظَلامُ اللَّيلِ لَهُ سُرُجٌ *** حَتّى يَغشَاهُ أبُو السُرُجِ
وَسَحَابُ الخَيرِ لَهَا مَطَرٌ *** فَإِذَا جَاءَ الإِبّانُ تَجي
وَفَوائِدُ مَولانا جُمَلٌ *** لِسُرُوحِ الأَنفُسِ والمُهَجِ
وَلَها أَرَجٌ مُحي أَبَدا *** فَاقصُد مَحيَا ذاكَ الأَرجِ
فَلَرُبَّمَا فاضَ المحيَا *** بِبِحُورِ المَوجِ مِنَ اللُّجَجِ
وَالخَلقُ جَميعاً في يَدِهِ *** فَذَوُو سِعَةٍ وَذَوُو حَرَج
وَنزُولهُمُ وَطُلُوعُهُمُ *** فَعَلى دَرَكٍ وَعَلَى دَرَجِ
وَمَعائِشُهُم وَعَواقِبُهُم *** لَيسَت في المَشيِ عَلى عِوَجِ
وَرِضاً بِقَضَاءِ اللَهِ حَجىً *** فَعَلَى مَركُوزَتِهِ فَعُجِ
وَإِذا انفَتَحَت أَبوَابُ هُدى *** فاعجِل لِخَزائِنِهَا وَلِجِ
وَمَعاصِي اللَهِ سَماجَتُها *** تَزدَانُ لِذِي الخُلُقِ السَمِجِ
وَلِطَاعَتِهِ وَصَباحَتِها *** أنوَارُ صَبَاحٍ مُنبَلِجِ
واتلُ القُرآنَ بِقَلبٍ ذِي *** حَزَنٍ وَبِصَوتٍ فيهِ شَجِي
وَصَلاةُ اللَّيلِ مَسافَتُها *** فاذهَب فِيهَا بِالفَهمِ وَجِي
وَتَأَمَّلها وَمَعانِيهَا *** تأتِ الفَردَوسَ وَتَنفَرجِ
وَكِتَابُ اللَهِ رِياضَتُهُ *** لِيقُود الخلقِ بِمُندَرِجِ
وَخِيارُ الخَلقِ هُداتُهُمُ *** وَسِوَاهُم مِن هَمَجِ الهَمَجِ
واذا كُنتَ المِقدَامُ فَلا *** تجزَع في الحَربِ مِنَ الرَّهَج
وقد شرح القصيدة عددٌ من الشرَّاح.

وخلاصة الأمر:

أن المحنَ والشدائدَ التي نزلت بالمسلمين السنَّة وما تزال تتوالى يبدو فيها بوضوحٍ تكالبُ الأمم من الشرق ومن الغرب.

وأنه على الرغم من المحن والشدائد التي نزلت بالمسلمين السنَّة،فإن يقيننا قويٌ بفَرَجِ اللهِ سبحانه تعالى،

ونوقنُ بأن مع العسرِ يُسراً إن مع العسرِ يُسراً

وأننا إذا رجعنا إلى ديننا فإن الفَرَجَ آتٍ بلا ريبٍ وأن النصرَ مع الصبرِ.

وأن الصادقَ المصدوقَ قد أخبرنا أن السبيل لصدِّ تكالبِ الأَكَلةِ على أمة الإسلام هو الرجوعُ إلى ديننا .

وأن عبارةَ ” اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي” ليست حديثاً نبوياً،ولا تصحُّ نسبتهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وأن هذه العبارة هي مطلعُ قصيدةٍ مشهورةٍ في الفَرَجِ، للشاعر الأندلسي المعروف بابن النحوي.

والله الهادي إلى سواء السبيل