استعمالُ حُقن “البوتكس” في عملياتِ التجميل وإزالةِ تجاعيد الوجه

تقول السائلة:إنها إمرأةٌ متزوجةٌ وفي أوائل الخمسينات من عمرها،وبدأت التجاعيدُ بالظهور في وجهها،ونُصحت بأن تستعمل حقن البوتكس لإزالة التجاعيد،ولكن قيل لها إن ذلك من تغيير خلق الله،فما الحكم الشرعي في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: “البوتكس BOTOX” هو عبارةٌ عن مادةٍ بروتينية طبيعية تُستخرج من أحد أنواع البكتريا- كلوستريديوم بوتيولينوم- (Clostridium botulinum) وهي مادةٌ سامةٌ، لكنها بعد التنقية والتحضير بطريقةٍ معينةٍ تصبح لها فعالية في إماتة نهايات الأعصاب.ويتمُّ حقن البوتوكس في صورة سائل بكمياتٍ صغيرةٍ تحت الجلد فى مناطق التجاعيد باستعمال إبرٍ رفيعةٍ جداً،وبطريقةٍ خاصةٍ من قبل الطبيب المختص.

وللبوتكس فوائد عديدة في مجالاتٍ طبيةٍ وتجميليه،فيستخدم البوتكس في إزالة التجاعيد بالوجه والجبهة وحول العينين.وتقول المعلومات الطبية إن البوتكس يقوم بشلِّ عضلات الوجه.وللبوتكس مخاطرُ أخرى قد تحدث،ومنها:ظهورُ كدماتٍ على الوجه،عدم الإحساس بالوجه “خدر”،تورم مكان الحقن،الشعور بوخز في العضلات،الإصابة بالصداع.تهدل الحواجب, وتهدل الجفن. وغير ذلك من الأضرار المحتملة التي ذكرتها بعض المواقع الطبية على الشبكة العنكبوتية.

ثانياً: بما أن البوتكس يستخدم في عمليات التجميل فلا بد من معرفة الضوابط الشرعية لإجراء عمليات جراحة التجميل حسب قرار مجمع الفقه الإسلامي:

[أولاً:تعريفُ جراحة التجميل:جراحةُ التجميــــــل هي تلك الجراحة التي تُعنى بتحسين(تعديل) (شكل) جزء أو أجزاء من الجسم البشري الظاهرة،أو إعادة وظيفته إذا طرأ عليه خللٌ مؤثرٌ.

ثانياً:الضوابطُ والشروطُ العامة لإجراء عمليات جراحة التجميل:

(1) أن تحقق الجراحةُ مصلحةً معتبرةً شرعاً، كإعادة الوظيفة،وإصلاح العيب،وإعادة الخلقة إلى أصلها.

(2) أن لا يترتب على الجراحة ضررٌ يربو على المصلحة المرتجاة من الجراحة،ويقرر هذا الأمر أهلُ الاختصاص الثقات.

(3) أن يقوم بالعمل طبيبٌ (طبيبةٌ) مختصٌ مؤهلٌ؛ وإلا ترتبت مسؤوليته.

(4) أن يكون العملُ الجراحي بإذن المريض(طالب الجراحة).

(5) أن يلتزم الطبيبُ (المختص) بالتبصير الواعي (لمن سيجري العملية) بالأخطار والمضاعفات المتوقعة والمحتملة من جراء تلك العملية.

(6) أن لا يكون هناك طريقٌ آخر للعلاج أقلُّ تأثيراً ومساساً بالجسم من الجراحة .

(7) أن لا يترتب عليها مخالفةٌ للنصوص الشرعية، وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود(لَعَن الْلَّهُ الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْنَّامِصَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْن الْمُغَيِّرَات خَلْق الْلَّه)رواه البخاري، وحديث ابن عباس ( لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ ) رواه أبو داود، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء. وكذلك نصوص النهي عن التشبه بالأقوام الأخرى أو أهل الفجور والمعاصي.

(8) أن تُراعى فيها قواعدُ التداوي من حيث الالتزام بعدم الخلوة وأحكام كشف العورات وغيرها إلا لضرورةٍ أو حاجةٍ داعية.

ثالثاً: الأحكام الشرعية:
(1) يجوز شرعاً إجراءُ الجراحة التجميلية الضرورية والحاجية التي يقصد منها:

(أ) إعادةُ شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خلق الإنسان عليها لقوله سبحانه:{لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}

(ب) إعادةُ الوظيفة المعهودة لأعضاء الجسم .

(ج) إصلاحُ العيوب الخلقية مثل:الشفة المشقوقة (الأرنبية)،واعوجاج الأنف الشديد والوحمات، والزائد من الأصابع والأسنان،والتصاق الأصابع، إذا أدَّى وجودُها إلى أذىً ماديٍ أو معنويٍ مؤثرٍ.

(د)إصلاحُ العيوب الطارئة (المكتسبة) من آثار الحروق والحوادث والأمراض وغيرها مثل:زراعة الجلد وترقيعه،وإعادة تشكيل الثدي كلياً حالة استئصاله،أو جزئياً إذا كان حجمه من الكبر أو الصغر بحيث يؤدي إلى حالة مرضية،وزراعة الشعر حالة سقوطه خاصة للمرأة.

(هـ) إزالةُ دمامةٍ تسبب للشخص أذىً نفسياً أو عضوياً.

(2) لا يجوز إجراءُ جراحة التجميل التحسينية التي لا تدخل في العلاج الطبي،ويُقصد منها تغييرُ خِلقة الإنسان السوية، تبعاً للهوى والرغبات بالتقليد للآخرين،مثل عمليات تغيير شكل الوجه للظهور بمظهرٍ معينٍ،أو بقصد التدليس وتضليل العدالة، وتغيير شكل الأنف، وتكبير أو تصغير الشفاه، وتغيير شكل العينين، وتكبير الوجنات.

(3) يجوز تقليلُ الوزن (التنحيف) بالوسائل العلمية المعتمدة، ومنها الجراحة (شفط الدهون) إذا كان الوزنُ يشكلُ حالةً مرضيةً، ولم تكن هناك وسيلةٌ غير الجراحة بشرط أمن الضرر.

(4) لا يجوز إزالةُ التجاعيد بالجراحة أو الحقن ما لم تكن حالة مرضية شريطة أمن الضرر .

(5) يجوز رتقُ غشاء البكارة الذي تمزق بسبب حادثٍ أو اغتصابٍ أو إكراه ، ولا يجوز شرعاً رتقُ الغشاء المتمزق بسبب ارتكاب الفاحشة، سداً لذريعة الفساد والتدليس، والأولى أن يتولى ذلك الطبيبات.

(6) على الطبيب المختص أن يلتزم بالقواعد الشرعية في أعماله الطبية، وأن ينصح لطالبي جراحة التجميل(فالدين النصيحة)].

ثالثاً:إذا تقرر هذا فإن الحكم الشرعي لاستعمال البوتكس في عمليات التجميل ينبني على أمرين:

الأول:حكمُ التداوي بالسموم.

الثاني:الغرضُ من الحقن.

كما أصَّل ذلك الدكتور صالح بن محمد الفوزان في رسالته للدكتوراة “الجراحة التجميلية عرض طبي ودراسة فقهية مفصلة” حيث قال:[ البوتوكس عبارةٌ عن مادة سمّية طبيعية تُسْتخرج من بكتيريا توجد بكثرة في التربة ـ تُدعى كلوستريديوم بوتيلينيوم ـ ويتركّز تأثيره في منع الإشارات العصبية من المرور في النهايات الطرفية للأعصاب الموصلة للعضلات، أي أنه يساعد في شلل العضلات وارتخائها. ورغم أنه من أشدِّ المواد سميِّةً إلا أن إعطاءه بكمياتٍ قليلةٍ مدروسةٍ، يمكن أن يكون له عدةُ آثارٍ صحيةٍ إيجابيةٍ…أما التداوي بالسموم فقد أجازه كثيرٌ من الفقهاء إذا كان السمُّ قليلاً لا يُخشى منه الهلاكُ، وكان الغالبُ على الدواء السلامة ورُجِي نفعه؛ لأن تناول السمِّ وإن كان فيه مفسدةُ الإقدام على ما فيه ضررٌ، إلا أن في تناوله دفعاً لمفسدةٍ أعظم وضررٍ أشد،وأما ما فيه من ضررٍ يُخشى منه، فغالب الأدوية يُخشى من أثره الجانبي، وإنما العبرةُ في زيادة المنفعة على المضرة.والبوتوكس وإن كان أصله مادةً سمِّيةً إلا أنه يُستعمل في مجال الجراحة التجميلية على هيئة حقنٍ لا تحوي إلا مقداراً يسيراً جداً ليس فيه ضررٌ؛ وبناءً على ما سبق يظهر جواز استعماله في الأصل، وليس له أضرارٌ دائمة،بل هو إجراءٌ مؤقَّتٌ.
أما الغرض من استعماله فيجب أن يقتصر على إزالة العيوب، وتصحيح التشوّهات التي تصيب الوجه والجسم،أما استعماله للتدليس أو العبث وتغيير خلق الله تعالى فهو محرَّمٌ، وذلك كاستخدامه من قبل كبار السن لإزالة تجاعيد الوجه المعتادة وإيهام الآخرين بصغر السن]. الجراحة التجميلية ص 346- 353

وينبغي الانتباه لأمرين وردا في قرار المجمع الفقهي المذكور سابقاً وهما:

[يجوز إزالة دمامة تسبب للشخص أذى نفسياً أو عضوياً]وعليه فلا حرج في استعمال البوتكس لإزالة تجاعيد الوجه لأنها تسبب أذىً نفسياً للنساء.

والأمر الثاني[لا يجوز إزالة التجاعيد بالجراحة أو الحقن ما لم تكن حالة مرضية شريطة أمن الضرر] فيجب أن يقتصر استعمال البوتكس على إزالة العيوب،وتصحيح التشوّهات التي تصيب الوجه والجسم،أما استعماله للتدليس،أو العبث، وتغيير خلق الله تعالى، فهو محرّم،وذلك كاستخدامه من قبل كبار السن لإزالة تجاعيد الوجه المعتادة،وإيهام الآخرين بصغر السن.انظر المصدر السابق.

وكذلك فإن استعمال البوتكس لغير المتزوجات لا يجوز،لأنه قد يكون وسيلةً للغش والتدليس وخداع الخُطَّاب.

رابعاً:قرر الفقهاء المعاصرون أن من أهم ضوابط عمليات التجميل هو عدم تغيير خلق الله عز وجل، فإن الله جل جلاله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم،قال تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}سورة التين الآية 4، قال القرطبي في تفسيره للآية الكريمة:[{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}وهو اعتداله واستواء شبابه، كذا قال عامة المفسرين.وهو أحسن ما يكون، لأنه خلق كل شيءٍ منكباً على وجهه، وخلقه هو مستوياً، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها.

وقال أبو بكر بن طاهر:مزيناً بالعقل، مؤدياً للأمر، مهدياً بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده] تفسير القرطبي 20/114.
وقال ابن كثير:[وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورةٍ وشكلٍ، منتصب القامة، سوي الأعضاء، حسنُها] تفسير ابن كثير 8/435.

وما دام أن الله عز وجل قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، فلا يجوز للإنسان أن يغير خِلقة الله التي خلقه عليها، لأن ذلك من عمل الشيطان، كما قال تعالى:{إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً}سورة النساء الآيات 117-119.

ولا يدخل في تغيير خلق الله إعادة شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خُلق الإنسان عليها، لقوله تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}سورة التين الآية 4،
ومما يدل على أن إعادة شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خُلق الإنسان عليها ليس من تغيير خلق الله، ما ورد في الحديث عن عرفجة بن أسعد أنه أصيب أنفه يوم الكُلاب في الجاهلية، فاتخذ أنفاً من وَرِق-فضة-فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب)رواه الترمذي وحسَّنه،ورواه أبو داود والنسائي،وحسَّنه العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي.
ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:(لَعَن الْلَّه الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْنَّامِصَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْن الْمُغَيِّرَات خَلْق الْلَّه) فكان هناك امرأةٌ من بني أسد يُقال لها: أم يعقوب،عندما سمعت هذا الكلام،وكانت قارئةً لكتاب الله عز وجل،ذهبت إلى المصحف وقرأته من أوله لآخره لكي ترى:لعن الله، فلم تجد.فجاءت إلى ابن مسعود،فقالت له:يا ابن مسعود أنت تقول كذا وكذا وأعادت عليه الكلام،فقال لها:وَمَالِي لَا أَلْعَن مَن لَعَن الْلَّه وَهُو فِي كِتَاب الْلَّه،فَقَالَت لَه:لَقَد قَرَأْت الْقُرْآن مَا بَيْن دَفَّتَيْه،ولم أجد هذا الذي تقول، فقال لها: لَئِن كُنْتِي قَرَأْتِيْه لَقَد وَجَدْتِيه،قَالَت: قَد قَرَأْتَه مَا بَيْن دَفَّتَيْه وَمَا وَجَدْتُه. قَال:أَمَّا قِرْأَتِي قَوْل الْلَّه عز وجل{وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}فقالت المرأة:فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن.قال:اذهبي فانظري.قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئاً.فجاءت إليه فقالت:ما رأيت شيئاً.فقال:أما لوكان ذلك لم نجامعها)رواه مسلم.

وفي رواية لأبي داود:[ قالت:إني أرى بعض هذا على امرأتك.قال:فادخلي فانظري.فدخلت ثم خرجت فقالت:ما رأيت.فقال:لو كان ذلك ما كانت معنا ] عون المعبود 11/151 .

قال الإمام الطبري:[ في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغييرُ شيءٍ من خلقها الذي خلقها الله عليه ، بزيادةٍ أو نقصانٍ،التماس الحُسنِ لزوجٍ أو غيره]تفسير القرطبي

5/393
وبناءً على ما سبق قرر الفقهاء أنه [لا تجوز جراحة التجميل التحسينية كما لا يجوز الوشم والوشر والنمص بجامع تغيير الخلقة في كلٍ طلباً للحسن والجمال] أحكام الجراحة الطبية 195.

وخلاصة الأمر:

أن “البوتكس BOTOX” مادةٍ بروتينية طبيعية تُستخرج من أحد أنواع البكتريا.ويستخدم في إزالة التجاعيد وله عدة مخاطر وأضرار.

وأن استعمال البوتكس في عمليات التجميل خاضعٌ للضوابط والشروط العامة لإجراء عمليات جراحة التجميل.

وأن من أهم ضوابط عمليات التجميل هو عدم تغيير خلق الله عز وجل

وأن استعمال البوتكس يجب أن يقتصر على إزالة العيوب، وتصحيح التشوّهات,.

وأن استعماله للتدليس أو العبث وتغيير خلق الله تعالى محرَّمٌ،كاستعماله من غير المتزوجات كوسيلةٍ للغش والتدليس وخداعِ الخُطَّاب.

والله الهادي إلى سواء السبيل