التوضيحُ والبيانُ في الردِّ على افتراءات يوسف زيدان

يقول السائل:

زعم الكاتبُ المصري يوسف زيدان أن المسجد الأقصى الموجود في مدينة القدس المحتلة، ليس هو المسجد الأقصى ذو القدسية الدينية الذي ذُكر في القرآن الكريم، والذي أسرى الرسولُ صلى الله عليه وسلم إليه، وأن ذلك مجرد خرافات ,والمسجد الأقصى في الجعرانة على طريق مدينة الطائف في السعودية، فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

قرأتُ وسمعتُ ما قاله يوسف زيدان وتتبعتُ أقواله المنشورة على عددٍ كبيرٍ من المواقع الألكترونية،حول قضية الإسراء والمعراج ومدينة القدس ومكان المسجد الأقصى وتاريخ بناءه، ولا يتسع المقام للردِّ عليه في كل ما قال، وسأكتفي بإبطال مزاعمه حول مكان المسجد الأقصى،فأقول:

أولاً: كلُّ ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى، ما هو إلا تكرارٌ لما قاله المستشرقون اليهود وغيرهم، فهو لم يأتِ بجديدٍ، وليس صحيحاً ما زعمه بعض المدافعين عن يوسف زيدان بأن [ما حاوله الرجل ولا يزال، طرح فكرة خرجت بعد الكثير الكثير من الدراسة. فنحن لا نتكلم هنا عن رجلٍ هاوٍ ولا عن رجلٍ يقلب بين صفحات قصة هنا وراوية هناك. نحن نتكلم عن رجل قدًّم للأدب العربي الحديث ما لم يقدمه أحد في هذه العقود الأخيرة. رجوعه التاريخي وتنقيبه بالمخطوطات والوثائق لا يستهان به ولا يوجد من ينافسه أو يقترب من فيه] 

فهذا الكلام أُكذوبةٌ كبرى تدل على جهل قائلها بالعلم وبالبحث التحقيق وبالتاريخ ، فكلام يوسف زيدان في هذه القضية مجرد اجترار لما قاله من سبقه من المشككين في مكان المسجد الأقصى، لا عن بحثٍ ولا عن كثير دراسةٍ ولا قليلها ولا يحزنون؟!

ثانياً: زعم يوسف زيدان أن المسجد الأقصى الحقيقي الذي ذُكر في القرآن يوجد بالجعرانة على طريق “الطائف”، وهذا الزعم سبقه إليه عددٌ من المستشرقين اليهود والأجانب وأفراخ المستشرقين، وكذا بعض المخدوعين بكلامهم من أدعياء العلم الباحثين عن الشهرة، ولو بنشر الأباطيل،حتى قال بعضهم إن المسجد الأقصى موجود في طور سيناء ؟! وغير ذلك من الترهات .

فالمستشرقون والباحثون اليهود شكَّكوا في مكانة وموقع المسجد الأقصى المبارك، فزعموا والزعمُ مطية الكذب، أن المسجد الأقصى يقع في مكانٍ يسمى الجعرانة قرب مكة المكرمة، وهذا ما زعمه الباحث اليهودي أهارون بن شيمش في تحريفه لمعاني القرآن الكريم، وكذا زعمه مردخاي كيدار مدير معهد دراسات الشرق الأوسط والإسلام في جامعة بار ايلان الإسرائيلية.

وكذلك الكاتب “يهودا ليطاني” في مقالٍ له في صحيفة “يديعوت أحرونوت” بعنوان “معركة ذهنية حول المسجد الأقصى” زعم أن المسجد الأقصى يقع بالقرب من المدينة المنورة، وشكَّك في مقاله ” أن يكون المسجد الأقصى محل إجماع عند المسلمين أنه المسجد في القدس، وأضاف: والحق أن هناك تفسيرات إسلامية لعبارة المسجد الأقصى تجعله في مناطق أخرى من جملتها بقرب المدينة المنورة!!

وزعم بعض الباحثين اليهود أن المسجد الأقصى مسجدٌ في السماء، وليس هو الموجود في بيت المقدس، [جاء في “الموسوعة الإسلامية “ncyclopacdia of Islam ” والتي كتبها اليهودي” بوهل” تحت كلمة: AL-Kuds ما يأتي: ربما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظن أن المسجد الأقصى مكان في السماء “!!

ورجَّح بعد ذلك: “أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ربما فهم منذ البداية أن المسجد المذكور في الآية الكريمة إنما هو مكان في السماء، وليس المسجد الذي بُني فيما بعد في مدينة بيت المقدس”

ويقول إسحق حسون الباحث اليهودي، وعضو معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في الجامعة العبرية “إن علماء المسلمين لم يتفقوا جميعاً على أن المسجد الأقصى هو مسجد القدس،إذ رأى بعضهم أنه مسجد في السماء يقع مباشرة فوق القدس أو مكة”!!

وكتبت الباحثةُ اليهودية “حوا لاتسروس يافه” بحثاً أكدت فيه أن المسجد المذكور في آية الإسراء قد فُهم منذ البداية أنه مسجدٌ بعيدٌ قصيٌ سماوي! ولم يُقصد منه ذلك المسجد الذي لم يُقَم في القدس إلا زمن الأمويين.

ودعمت لاتسروس فكرتها بمقال كتبه “جوزيف هوروفيتش” حول الموضوع نفسه أكَّد فيه أن المسجد الذي عنته آية الإسراء، إنما هو مصلىً سماوي يقع في القدس السماوية العليا، وقال:”ينبغي أن نفهم أقوال مفسري القرآن الأقدمين على هذا النحو، حيث يُجمعون عادةً على أن المسجد الأقصى معناه بيت المقدس، وحسب رأيها فإنهم يقصدون القدس العليا، غير أن المصطلحات اختلطت على مرِّ الأجيال، وفُهم المسجد الأقصى الذي في القدس العليا على أنه موجود في القدس الحاضرة”.

وكذلك شكَّك باحثون يهود آخرون في مكانة المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين.انظر كتاب”الشيعة والمسجد الأقصى”ص 36 فما بعدها.

ثالثاً: إن ما قاله يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس، ما هو إلا تردادٌ لما قاله المستشرقون من قبله،أمثال المســتشرق المجري اليهودي”جولــد تســيهر” والمستشرق اليهودي ” غويتاين “وغيرهما من المستشرقين، فجميع أبحاث المستشرقين في دراساتهم المتعلقة بالمسجد الأقصى والقدس تؤكد أنه لم تكن هناك أي قداسةٍ لبيت المقدس في الإسلام، قبل حكم الخلافة الأموية لبيت المقدس، وأن الخليفة عبد الملك بن مروان قد بنى قبة الصخرة المشرفة ليصرف أنظار المسلمين عن الكعبة، وذلك بسبب ثورة ابن الزبير، وأن بناءه لقبة الصخرة المشرفة جاء ليكون مبنىً يحجُ إليه المسلمون، يُنافس الكعبةَ في مكة المكرمة، التي كانت آنذاك تحت سيطرة عبد الله بن الزبير، ولأن عبد الملك لم يُرِدْ أن يحجَّ رعاياهُ إلى منطقة التمرد، وأن عبد الملك قد منع الأمويين من أداء الحج في مكة .

وهذه الفرية من افتراءات المستشرق اليهودي “جولد تسيهر”: [ لقد مال الباحثون إلى الاعتقاد وبينهم “جولد تسيهر” أن عبد الملك قصد من إقامته المبنى – قبة الصخرة – إعداد مبنىً يحج إليه المسلمون ينافس الكعبة في مكة المكرمة التي كانت آنذاك تحت سيطرة خطرٍ هو عبد الله بن الزبير. إما لأن عبد الملك لم يُرد أن يحج رعاياه إلى منطقة التمرد، وإما لأن عبد الملك قد منع الأمويين من أداء شعائر الحج في مكة،وتفيد الروايات أن عبد الملك لم يكتفِ بإقامة (معبد) قبة الصخرة الضخم، بل وجنَّد من أجل هدفه هذا محدثين يروون الأحاديث عن النبي التي تُشيد بالصلاة في القدس، وفي الحرم، وقبة الصخرة على وجه الخصوص.إن أشهر تلك الأحاديث المنسوب إلى أبي هريرة الصحابي الذي يضعفه الكثيرون!؟ والمنسوب لآخرين كذلك، وهذا نصه:(لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) لقد انتشر هذا الحديث، وأحاديث أخرى متشابهة في المرويات الإسلامية،ولذلك يطلق على القدس والحرم، ثالث الحرمين. وهناك من يروي أن عبد الملك كان قد حاول في تلك الأيام أن يطور شعائر عبادة في الحرم، تُشبه تلك التي تقام في الكعبة، كالطواف غير أن طواف الصخرة من اليمين إلى اليسار ، على عكس الطواف في الكعبة، وعادات أخرى غدت بدعاً ]أدب فضائل المدن في دراسات المستشرقين اليهود ص 16.

ويعتقد المستشرق “غويتاين” أن الأسباب التي دفعت عبد الملك إلى إقامة قبة الصخرة ليست في الواقع سياسية، وإنما دينية.

ويزعم المستشرقون أن الأحاديث التي رويت في فضائل المسجد الأقصى وبيت المقدس وُجدت في فترةٍ متأخرةٍ، وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان،وأن جُلَّ الأحاديث هذه،هي من اختلاق محمد بن شهاب الزهري.وغير ذلك من الأكاذيب والمفتريات والمغالطات.

رابعاً: إن المشككين في مكانة ومكان المسجد الأقصى المبارك من الباحثين والمستشرقين اليهود والأجانب وأتباعهم كيوسف زيدان قد اعتمدوا على مراجع غير موثوقة،كما في زعمهم أن المسجد الأقصى في السماء،فقد اعتمدوا على مصادر شيعيةٍ غير موثوقةٍ بحالٍ من الأحوال، ولا تعتمد صحة الأسانيد، وإنما مجرد سردٍ للأخبار من غير تدقيقٍ ولا تحقيقٍ كحاطبِ ليلٍ، ومن المعلوم أن مصادرَ الشيعة محشوةٌ بالأكاذيب والخرافات من غير زمامٍ ولا خطام.

وقد ألَّف أحدُ مراجع الشيعة، وهو جعفر مرتضى العاملي، كتاباً بعنوان (المسجد الاقصى أين؟) جاء فيه:[ لقد تبين لنا عدة حقائق بخصوص المسجد الأقصى، والذي يحسم الأمرَ أنه ليس الذي بفلسطين ] ونصَّ فيه على أن المسجد الأقصى مسجدٌ في السماء. وكذا ورد في تفسير الصافي للكاشاني عند تفسيره لآية الإسراء أن المسجد الأقصى في السماء.

وجاء في كتاب منتهى الآمال لعباس القمي ص70:[والمشهور على أن المسجد الأقصى هو بيت المقدس، ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أن المرادَ منه هو البيتُ المعمورُ الذي يقع في السماء الرابعة، وهو أبعد المساجد].

وورد نفس الكلام في تفسير العياشي وفي البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني وفي بحار الأنوار للمجلسي وفي الكافي للكليني، وغيرها من مراجع الشيعة.

كما اعتمد الذين زعموا أن المسجد الأقصى في الجعرانة على رواياتٍ ذكرها المؤرخون كالواقدي في كتابه المغازي والأزرقي في تاريخ مكة المكرمة وغيرهما، وقد أساؤوا فهمها إما عمداً أو جهلاً بلغة العرب وبالأمكنة التاريخية، فقد روى الأزرقي بسنده عن [زياد بن محمد بن طارق أخبره أنه اعتمر مع مجاهد من الجعرانة، فأحرم من وراء الوادي حيث الحجارة المنصوبة قال: ومن ههنا أحرم النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأعرف أول من اتخذ المسجد على الأكمة، بناه رجل من قريش سمَّاه، واشترى بمالٍ عنده نخلاً، فبنى هذا المسجد. قال ابن جريج: فلقيت أبا محمد بن طارق فسألته فقال: اتفقتُ أنا ومجاهد بالجعرانة، فأخبرني أن المسجد الأقصى الذي من وراء الوادي بالعدوة القصوى مصلى النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بالجعرانة، قال: وأما هذا فإنما بناه رجلٌ من قريش. وذكر الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة، وكان مصلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالجعرانة، فأما الأدنى فبناه رجل من قريش].

وقال أبو الطيب المكي الحسني الفاسي:[ ونقل ابن خليل عن ابن جريج أن الرجل الذي بنى المسجد الأُديني هو عبد الله بن خالد الخزاعي.] شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام1/384.

وقال د. حسين الشافعي:[ورد ذكر مسجدين في الجعرانة ، أحدهما بالعدوة القصوى من الوادي في موضع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم،والثاني بالعدوة الدنيا من الوادي، بناه عبد الله بن خالد الخزاعي] المساجد الأثرية في مكة وما حولها ص 41.

ومن المعلوم في السيرة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة عندما اعتمر، وفيها المسجد الذي صلّى فيه، وأحرم منه عند مرجعه من الطائف بعد فتح مكة، ويقع هذا المسجد وراء الوادي بالعدوة القصوى، ويُعرف بالمسجد الأقصى، لوجود مسجدٍ آخر بُني من قبل أحد المحسنين يعرف بالمسجد الأدنى.

والمراد بالعدوة ضفة الوادي وشاطئه، والوادي له عدوتان قصوى ودنيا، كما قال الله تعالى في قصة غزوة بدر:

{إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى}

سورة الأنفال الآية 42

[قال عكرمة:العدوة الدنيا:شفير الوادي الأدنى،والعدوة القصوى: شفير الوادي الأقصى] الدر المنثور 4/73.

وبهذا يظهر لنا جلياً أن المسجد الأقصى بالجعرانة إنما سُمِّي كذلك من باب ما يقابله وهو المسجد الأدنى، ولا علاقة لذلك بالمسجد الأقصى المبارك بالقدس، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ.وإن حمل النصوص الواردة في المسجد الأقصى المبارك، على مسجد الجعرانة هو تماماً كما أوَّلَ الشيعةُ قول الله تعالى تأويلاً باطلاً:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}قال الشيعة البقرة هي عائشة؟؟!!

وخلاصة الأمر أن ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى ما هو إلا تكرارٌ لما قاله المستشرقون اليهود وغيرهم، فهو لم يأت بجديدٍ وإنما هو تقليدٌ أعمى لمقولات المستشرقين.

وأن أباطيل المستشرقين وأفراخهم حول مكان وجود المسجد الأقصى كقولهم إنه في الجعرانة أو في طور سيناء أو بالقرب من المدينة المنورة أو في السماء، كلها تُرهاتٍ لا تثبت عند أي نقاشٍ علميٍ.

وأن مقولة يوسف زيدان حول تاريخ بناء المسجد الأقصى المبارك الموجود في مدينة القدس،ما هو إلا اجترارٌ لما قاله المستشرقون من قبله، وعمدتُهم في ذلك أكاذيبٌ ومفترياتٍ ومغالطاتٍ.

وأن كل المشككين في مكان المسجد الأقصى المبارك من الباحثين والمستشرقين اليهود والأجانب وأتباعهم كيوسف زيدان قد اعتمدوا على مراجع غير موثوقة،واعتمدوا على مصادرَ شيعيةٍ غير موثوقةٍ بحالٍ من الأحوال، ولا تعتمد صحة الأسانيد، وإنما مجرد سردٍ للأخبار من غير تدقيقٍ ولا تحقيقٍ كحاطبِ ليلٍ، وأن مصادرَ الشيعة محشوةٌ بالأكاذيب والخرافات من غير زمامٍ ولا خطام.

والله الهادي إلى سواء السبيل