حكم ُالضمانِ في سقوطِ الأشياء

يقول السائل:صاحبُ محلٍ تجاريٍ علَّق لافتةً كبيرةً فوق باب محله في الشارع العام، فهبت رياحٌ قويةٌ فسقطت اللافتةُ على سيارةٍ فحطَّمت زجاجَها وأصابتها بأضرار، فهل يضمنُ صاحبُ المحل ما نتج عن أضرارٍ في السيارة،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:الأصلُ المقررُ في شرعنا حرمةُ مال المسلم،فلا يجوز التعدي عليه قصداً أو خطأً، والشريعة الإسلامية جاءت بحفظ أموال الناس وصيانتها عن التضييع والتعدي،وقد قامت الأدلة الكثيرة على ذلك، منها قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً . وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} سورة النساء الآية 29.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه)رواه مسلم.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)رواه البخاري ومسلم.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفس)رواه الحاكم وابن حبان وصححاه، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(لا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس)رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل.

وجاء في رواية أخرى عن أبي حميدٍ الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه وذلك لشدة ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال المسلم على المسلم)رواه أحمد وغيره وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني.

وورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغير حق إلا لقي الله تعالى يحملُه يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من اقتطع مال امرئٍ مسلمٍ بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان)رواه أحمد وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏(حرمة مال المسلم كحرمة دمه‏) رواه البزار وأبو يعلى، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع.وغير ذلك من النصوص.

ثانياً:قرر الفقهاء أن الأسباب الموجبة للضمان بشكلٍ عامٍ أربعةٌ وهي:العقدُ ووضعُ اليدِ والإتلافُ والحيلولةُ– حبسُ المالك عن ماله حتى تلف المال -،قال السيوطي:[ أسباب الضمان أربعة…أحدها:العقدُ كالمبيع والثمن المعين قبل القبض والسلم والإجارة.
الثاني:اليدُ مؤتمنة كانت كالوديعة والشركة والوكالة والمقارضة إذا حصل التعدي …

الثالث:الإتلاف: نفساً أو مالاً] الأشباه والنظائر 1/578. وهنالك تفصيلات كثيرة للفقهاء في هذه الأسباب.

والذي يهمنا هو الإتلاف كسببٍ من أسباب الضمان، والإتلافُ يكون بالمباشرة وبالتسبب،والمقصودُ بالمباشرة كما قال الغزالي:[إيجاد علة التلف كالقتل والأكل والإحراق.وحدُّ السبب إيجاد ما يحصلُ الهلاكُ عنده لكن بعلةٍ أخرى، إذا كان السبب مما يقصد لتوقع تلك العلة فيجبُ الضمان على المكره على إتلاف المال، وعلى حفر بئر في محل عدوان فتردت فيه بهيمةُ إنسان] الوجيز 11/242.

وقال العز بن عبد السلام:[ وأما المباشرة فهي إيجاد علة الهلاك…وأما التسبب فإيجاد علة المباشرة] قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/271.

وهذا ما قررته مجلة الأحكام العدلية حيث ورد في المادة (887):[الإتلاف مباشرةً هو إتلاف الشيء بالذات ويقال لمن فعله فاعل مباشر].

وورد في المادة (888):[الإتلاف تسبباً هو التسبب لتلف شيءٍ،يعني إحداث أمر في شيء يفضي إلى تلف شيء آخر على جري العادة، ويقال لفاعله متسبب فعليه إن قطع حبل قنديلٍ معلقٍ،هو سببٌ مفضٍ لسقوطه على الأرض وانكساره، فالذي قطع الحبل يكون أتلف الحبل مباشرةً وكسر القنديل تسبباً].

ثالثاً: قرر الفقهاء أن استعمال الطريق أو إحداث شيءٍ فيها مشروط بالسلامة،قال د.الزحيلي:[ وللانتفاع فيما يمس حقوق الناس في الطرقات يشترط شرطان:

أولاً: السلامة للناس،الانتفاع بالمرافق العامة كالطرقات مشياً أو ركوباً بشرط السلامة، وعدم الإضرار بالآخرين بما يمكن التحرز عنه،دون ما لا يمكن التحرز عنه،حتى يتيسر للناس سبيل الانتفاع، ويتهيأ لهم ممارسة حقوقهم وحرياتهم على أساس العدل والأمن والاستقرار.

ثانياً:الحصول على إذن ولي الأمر في الجلوس ووضع الأشياء وإحداثها ونحو ذلك،فإن خالف الشخصُ أحد هذين الشرطين كان ضامناً أثر فعله الذي تسبب به كما هو مفهوم من المادتين 926،967 من المجلة]نظرية الضمان ص 71.

وقال علي حيدر شارح المجلة في شرحه للمادة(926):[لكل أحدٍ حقُّ المرور في الطريق العام لكن بشرط السلامة.يعني: أنه مقيدٌ بشرط أن لا يضر غيره بالحالات التي يمكن التحرز منها، فلو سقط عن ظهر الحمَّال حملٌ أتلف مال أحدٍ يكون الحمَّالُ ضامناً، وكذا إذا أحرقت شرارةٌ ثياب أحدٍ كان ماراً في الطريق، وكانت الشرارة التي طارت من دكان الحداد حين ضَرْبِهِ الحديد يضمن الحدادُ ثياب المار…لكن حق هذا المرور مقيدٌ بشرط السلامة، يعني:أنه مُقَيَّدٌ بشرط أن لا يَضُرَّ أحداً غيره في الحالات التي يمكن التحرز منها واجتنابها؛لأن الطريق العام ملك مشترك لعموم الناس وعليه فَيُعَدُّ الْمَارُّ في الطريق العام كصاحب حِصَّةٍ فيه، وهو من وجه يتصرف في ملكه ومن وجه آخر يتصرف في ملك الغير فَيَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ حق الطرفين والمساواة بينهما لذلك أُعْطِيَ حَقُّ المرور لكل أحدٍ بشرط السلامة]درر الحكام شرح مجلة الأحكام 6/497-498.

وورد في المادة 927 من المجلة:[ليس لأحد الجلوس في الطريق العام للبيع والشراء ووضع شيء فيه وإحداثه بلا إذن ولي الأمر وإذا فعل يضمن الضرر والخسارة اللذين يتولدان من ذلك الفعل]

رابعاً:بناءً على ما سبق فإن تعليق يافطة- لافتة للدعاية والإعلان- في الطريق العام،مشروطٌ بسلامة مستخدمي الطريق وسياراتهم ومعداتهم، ومشروطٌ أيضاً بأخذ إذن في تعليق اليافطة من البلدية أو من يقوم مقامها.

خامساً: قول السائل إن ريحاً قويةً أسقطت اليافطة،لا يعفي من تحمل المسؤولية المدنية،لأن استعمال الطريق المأذون فيه مقيدٌ بشرط السلامة، ولم يتحقق، وهذا يشير إلى نوع تفريط أو تقصير ، وكون الريح اقتلعت هذه اليافطة دون غيرها يؤكد التفريط والتقصير، ويشير إلى أن صاحب المحل التجاري لم يأخذ الاحتياطات اللازمة عند تعليق اليافطة.

قال د. الزحيلي:[ القاعدة الخامسة:استعمال الحق مع الإهمال أو الخطأ:إذا استعمل الإنسانُ حقه على وجهٍ ليس فيه احتياطٌ واحتراسٌ وتثبتٌ،فأضرَّ بالغير، وهذا ما يُعرف بالخطأ، كان متعسفاً أو مسؤولاً مسؤوليةً تقصيريةً، سواء أكان خطأً في القصد، كما إذا رأى الصيادُ شبحاً من بعيدٍ، فظنَّه صيداً، فأطلق عليه النار، فإذا هو إنسان.أو كان خطأً في الفعل، كما إذا سدد الصائدُ الرمية على صيدٍ، فانحرفت وأصابت إنساناً، أو تجاوزت الصيدَ إلى إنسانٍ فقتلته. فذلك كله إساءةٌ في استعمال الحق، يترتبُ عليه تعويضُ الضرر الذي أصاب الغير؛ لأنه كان يجب عليه التثبتُ والانتباهُ أو الاحتراسُ في كلٍ من القصد والفعل،فإذا قصَّرَ في ذلك تحمَّل نتيجة فعله صوناً لدماء الناس وأموالهم.والدليل أن الله تعالى أوجب تعويض الضرر في القتل الخطأ بالدية، ومنع النبي من الضرر في الحديث المتقدم:(لا ضرر ولا ضرار) ولا سبيل إلى رفع الضرر بعد وقوعه إلا بإيجاب الضمان أو التعويض.
ومجالُ هذه القاعدة هو الضررُ الناشئُ عن الخطأ في استعمال الحق، سواء أكان هذا الحقُّ ثابتاً بإذن الشارع،أم بالعقد أم بغيرهما من مصادر الحق؛ لأن استعمال الحقوق مقيدٌ بشرط السلامة كما يقرر الفقهاء،ولأن أموال الناس ودماءهم معصومة لا تُهدر بحالٍ،فيجب ضمانُها وتعويضُ الضرر الواقع عليها.وأساسُ هذه القاعدة حصولُ الضرر، سواء أكان قليلاً أم كثيراً.ولا تطبق هذه القاعدة في حالتين:
الأولى ـ إذا كان استعمالُ الحقِّ لا يمكن فيه الاحترازُ أو التثبتُ عادةً، كالطبيب الذي يُجري عمليةً جراحيةً على النحو المعتاد، فأفضى ذلك إلى تلفِ عضوٍ أو نَفْسٍ، لا يكون ضامناً.
الثانية ـ إذا اتخذ الشخصُ الاحتياطات، ومع ذلك وقع الضررُ، فلا يضمنه، كما إذا قام إنسانٌ بالتدرب على إطلاق النار في ملكه، ووضع لافتاتٍ على أرضه بعدم الدخول، فلا ضمانَ عليه إذا أصاب أحداً دخل أرضه. كما لاضمان على من سلك طريقاً مخوفاً أو فيه سباع فوجد مقتولاً، لا تجب ديته] الفقه الإسلامي وأدلته 4/2872.

وأخيراً فإن الذي يظهر لي لزومُ الضمانِ على صاحب المحل التجاري لأنه لم يأخذ الاحتياطات اللازمة عند تعليق اليافطة، مما أدى إلى سقوطها وإلحاقها الضرر بالسيارة ، فيضمنُ إصلاح السيارة. والأخذُ بالاحتياط في مثل هذه الأمور مطلوبٌ شرعاً ، فقد ورد في الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا،أَوْ فِي سُوقِنَا،وَمَعَهُ نَبْلٌ،فَلْيُمْسِكْ أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ)رواه البخاري ومسلم. ووجه الدلالة من الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بالاحتياط فى حملِ النَبْلِ في المسجد وفي السوق ، وأكَّد على ذلك ثلاثاً كما في رواية أخرى،والعلة في ذلك خشية إلحاق الضرر والأذى منها.

وخلاصة الأمر أن الأصل المقرر في شرعنا حرمةُ مال المسلم،فلا يجوز التعدي عليها قصداً أو خطأً، والشريعة الإسلامية جاءت بحفظ أموال الناس وصيانتها عن التضييع والتعدي.

وأن الأسباب الموجبة للضمان بشكلٍ عامٍ أربعةٌ وهي: العقدُ ووضعُ اليد والإتلافُ والحيلولة.

وأن استعمال الطريق أو إحداث شيءٍ فيها مشروطٌ بالسلامة، فتعليقُ يافطةٍ في الطريق العام،مشروطٌ بسلامة مستخدمي الطريق وسياراتهم ومعداتهم،ومشروطٌ أيضاً بأخذ إذن من البلدية أو من يقوم مقامها.

وأن كون الريح القوية أسقطت اليافطة، لا يعفي من تحمل المسؤولية المدنية،لأن شرط السلامة لم يتحقق وهذا يشيرُ إلى نوع تفريطٍ أو تقصيرٍ ،ويشيرُ إلى أن صاحب المحل التجاري لم يأخذ الاحتياطات اللازمة عند تعليق اليافطة.

وأن الذي يظهرُ لي لزوم الضمان على صاحب المحل التجاري فيضمنُ إصلاح السيارة.

والله الهادي إلى سواء السبيل