الضوابطُ الشرعيةُ لنشرِ صُورِ جُثثِ الموتى عبر وسائل الإعلام

يقول السائل:ما قولكم في انتشار ظاهرة نشر صور جثث الموتى وأشلاءهم عبر وسائل الإعلام، أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: أبين أن الراجح من أقوال أهل العلم هو جواز التصوير الفوتوغرافي، كالتصوير بالكاميرا ومثله التصوير بالفيديو والتصوير التلفزيوني ونحوها من الوسائل الحديثة، بشرط أن لا يعرض للتصوير ما يُحَرِّمُه ، كتصوير امرأةٍ سافرةٍ ونحو ذلك.

والتصوير الفوتوغرافي بالشرط المذكور جائزٌ، لأنه لا ينطبق عليه ما ورد من النصوص في تحريم الصور كقول النبي صلى الله عليه وسلم:(أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) رواه البخاري ومسلم،

وكقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكةُ بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ) رواه البخاري ومسلم، وكقوله صلى الله عليه وسلم:(من صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّفَ يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح،وليس بنافخ) رواه البخاري.

ومن احتج بهذه الأحاديث ونحوها على تحريم الصور الفوتوغرافية فاستدلاله غير صحيحٍ، لأن التصوير الفوتوغرافي لم يكن معروفاً في العهد النبوي، كما أن هذه النصوص لا تتناول التصوير الفوتوغرافي في دلالتها اللغوية،

قال الدكتور محمد الحسن الدّدو:[إن الصور الفوتوغرافية لم تكن موجودة في العهد النبوي، ولا في عهد أئمة الاجتهاد، وإنما عُرفت في العصور المتأخرة، ولذلك فالنصوصُ الشرعيةُ الواردة في التصوير لا تتناولها بدلالة الألفاظ قطعاً، لأن اللفظ النبوي في التصوير إنما يتناول ما كان موجوداً إذ ذاك، فالتصويرُ الذي حرَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذَّر منه هو ما كان موجوداً في زمانه، وهو النحت من الحجر أو من الطين أو من الخشب أو الرسم باليد فهذا هو التصوير، وهي كذلك لا يمكن أن تقاس على الصور المحرمة، فهي لا تدخل في دلالة اللفظ قطعاً، ومن فسر الألفاظ الواردة في التصوير بها فهو بمثابة من فسَّر نصوص القرآن بغير معانيها،كالذي يقول في قول الله تعالى:{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ} أن السيارة مثلا (كابرس) أو (لاندروفر) أو نحو هذا، فهذا فسَّر القرآنَ بغير معناه…فلذلك تفسير هذه النصوص بغير دلالاتها اللغوية منافٍ للمقصد الشرعي، وهو من القول على الله بغير علم…وكذلك لا يمكن أن تقاس هذه الصور الفوتوغرافية على الصور الحقيقية التي وردت فيها النصوص، لأن العلة مختلفة، فالعلة التي حرَّم النبي صلى الله عليه وسلم التصوير من أجلها، بينها بأنها مضاهاةُ خلق الله ومحاكاته، ولذلك يُعذَّب المصورُ يوم القيامة (من صوِّر ذا روحٍ عُذِّب حتى ينفخَ فيه الروح، وما هو بنافخ)،ولذلك قال:( المضاهون خلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة)، فلهذا بيَّن علة التحريم، وهذه العلة لا تتحقق في الصور الفوتوغرافية…] www.dedew.net/text-1324.html.

ثانياً:حرمةُ المسلم حرمةٌ عظيمةٌ، حياً كان أو ميتاً، وقد ورد في الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) رواه البخاري ومسلم.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:(كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول:(ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630.

ونظر ابنُ عمر رضي الله عنه يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال:( ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.

ولا شك أن حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً، فلا يجوز الاعتداءُ عليه وهو ميتٌ في قبره، كما لا يجوز الاعتداء عليه حال حياته، لأن حرمة المسلم ليست مقيدة بحال الحياة، بل تعمُّ حال الحياة وحال الممات، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد،وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل 3/214.

وجاء في رواية أخرى عند ابن ماجة:(كسرُ عظم الميت ككسر عظم الحيّ في الإثم) سنن ابن ماجة 1/516.

وروى البخاري بإسناده عن عطاء قال حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف – موضع قريب من التنعيم بضواحي مكة المكرمة – فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا)

قال الحافظ ابن حجر:[قوله (وارفقوا) إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، وفيه حديث (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً) أخرجه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان] فتح الباري 9/142.

وعن عمارة بن حزم قال:(رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً على قبرٍ، فقال: يا صاحب القبر انزل عن القبر، لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك) رواه الطبراني في الكبير، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، فتح الباري3/285، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم 3566.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:(أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته) رواه ابن أبي شيبة في المصنف.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه:( أنه سئل عن الوطء على القبر فقال:كما أكره أذى المؤمن في حياته، فإني أكره أذاه بعد موته).

وقد ورد الوعيد الشديد على المشي على القبور فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لأن أمشي على جمرةٍ أو سيفٍ أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم )رواه ابن ماجة بإسنادٍ صحيحٍ كما في الزوائد. وصححه العلامة الألباني.

وينبغي أن يُعلم أنه لا فرق في التعامل بين جثة المسلم وجثة غير المسلم، فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال:( مرَّت جنازةٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام لها واقفاً، فقيل له:يا رسول الله إنها جنازة يهودي،فقال أليست نفساً) رواه البخاري ومسلم.

وعن جابر رضي الله عنه قال:( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرَّت بنا جنازةٌ، فقام لها، فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازةُ يهودي،فقلنا يا رسول الله:إنما هي جنازةُ يهودي،فقال إن الموت فَزعٌ،فإذا رأيتم جنازة فقوموا)رواه البخاري.

وعن أبي موسى الأشعرى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا مرت بكم جنازةُ رجلٍ مسلمٍ أو يهودي أو نصراني فقوموا لها، فإنا لسنا نقوم لها ولكن نقوم لمن معها من الملائكة)رواه أحمد وصححه الشيخ شعيب الأرنؤوط.

ثالثاً: مع القول بجواز التصوير الفوتوغرافي، بشرط أن لا يعرض للتصوير ما يُحَرِّمُه ، فهنالك ضوابط شرعية خاصة لنشر صور جثث الموتى، وأهمها ما يلي:

(1) الامتناعُ عن نشر صور عورات الأموات، وهذا من باب الستر على المسلم، ولا شك في وجوب ستر عورة الانسان حياً وميتاً،فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه؛ من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته؛ ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً، فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)‏ رواه البخاري ومسلم.

وروي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تبرز فخذك،ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت) رواه أبو داود وابن ماجة.

(2) يُمنع نشر صور أشلاء الموتى، كالرؤوس والأيدي والأرجل المقطوعة، ويمنع نشر صور الأجساد المشوهة، فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه:(أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تَسْعَى ، حَتَّى كَادَتْ تُشْرِفُ عَلَى الْقَتْلَى ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرَاهُمْ ، فَقَالَ : ” الْمَرْأَةَ الْمَرْأَةَ ” . قَالَ الزُّبَيْرُ : فَتَوَهَّمْتُ أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ ، فَخَرَجْتُ أَسْعَى إِلَيْهَا ، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى الْقَتْلَى ، قَالَ : فَكَدَمَتْ فِي صَدْرِي وَكَانَتْ جَلِدَةً ، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لا أُمَّ لَكَ . فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزَمَ عَلَيْكِ…)رواه أحمد والبيهقي، وصححه العلامة الألباني.

وصفية المذكورة في الحديث،هي صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها، وهي أختُ حمزة بن عبد المطلب الذي استشهد في معركة أُحد وقد مثَّل الكفارُ بجثته، فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : مَنْ رَأَى مَقْتَلَ حَمْزَةَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ أَعْزَلُ:أَنَا رَأَيْتُ مَقْتَلَهُ، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَرِنَاهُ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ،فَرَآهُ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ،وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ،فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ وَاللهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ،ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْقَتْلَى، فَقَالَ :أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، لُفُّوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَرِيحٌ يُجْرَحُ إِلَّا جَاءَ وَجُرْحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ)رواه البيهقي والطبراني، وقال الهيثمي: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ .

ويستفاد من حديث الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم منع صفية من رؤية جثة أخيها حمزة رضي الله عنهما،حفاظاً على مشاعرها حتى لا تشاهد جثة أخيها مشوهةً، ولما في ذلك أيضاً من المحافظة على حرمة المسلم.

(3) يمنع نشر صور جثث النساء،لأن المرأة عورة حال الحياة والموت،فلا يجوز أن يظهر منها إلا الوجه والكفان على قول جمهور العلماء،لقوله تعالى:{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}سورة النــور الآية 31.

ولحديث أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها قالت:(دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثيابٌ رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها:يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا، وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) رواه أبو داود والبيهقي وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(المرأةُ عورةٌ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

وخلاصة الأمر:

أن الراجح من أقوال أهل العلم جواز التصوير الفوتوغرافي،بشرط أن لا يعرض للتصوير ما يُحَرِّمُه ،
وأن حرمةَ المسلم حرمةٌ عظيمةٌ حياً كان أو ميتاً.

وأنه لا فرق في التعامل بين جثة المسلم وجثة غير المسلم.

وأنه مع القول بجواز التصوير الفوتوغرافي، بشرط أن لا يعرض للتصوير ما يُحَرِّمُه، فهنالك ضوابط شرعية خاصة لنشر صور جثث الموتى ذكرتها سابقاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل