حكمُ ذبحِ الأضاحي في الخارج

يقول السائل:نظراً لارتفاع أسعار الأضاحي في بلادنا، فما قولكم في إرسال ثمن الأضحية إلى بلادٍ أخرى أسعار الأضاحي فيها أرخص، فتذبح الأضحية هنالك، فهل يجوز ذلك،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:الأضحية من شعائر عيد الأضحى المبارك، وهي سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر عند أكثر العلماء، ومشروعةٌ بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} سورة الكوثر الآية 2.

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُضحي، وكان يتولى ذبحَ أضحيته بنفسه صلى الله عليه وسلم، كما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:(ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، فرأيته واضعاً قدمه على صِفاحِهما يُسمِّي ويُكبر فذبحهما بيده ).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:( أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشرَ سنين يضحي ) رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن.

وعن البراء رضي الله عنه قال:( قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، مَنْ فعله فقد أصاب سنتنا ، ومَنْ ذبح قبلُ فإنما هو لحمٌ قدَّمه لأهله، ليس من النسك في شيء.فقام أبو بردة بن نيار وقد ذبح، فقال: إن عندي جذعةٌ، فقال: إذبحها ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك)رواه البخاري ومسلم.

والأضحيةُ شَعيرةٌ من شعائر الله، وهي واجبةُ التعظيم كما قال جل جلاله:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}سورة الحج الآية 32.

ثانياً: إذا استعرضنا نصوصَ الكتابِ والسنةِ نجدُ أن المقصودَ الأعظمَ من الأضحية هو أن يتقرب المسلم إلى الله عز وجل بالذبح، وإراقة الدم كوسيلة من وسائل الشكر لله تعالى، وتعظيم شعائر الله عز وجل،وكذلك الامتثال لأمر الله عز وجل بإراقة الدم، اقتداءً بإبراهيم عليه الصلاة والسلام،كما قال تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } سورة الحج الآية 37 .

ولو تأملنا قول الله تعالى:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} سورة الحج الآية 34، وقوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}سورة الحج الآيتان 36-37، وقوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} سورة الكوثر الآية 2، وقوله تعالى:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} سورة الأنعام الآيتان 162-163.

ولو تأملنا أيضاً حديث البراء رضي الله عنه قال:(خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة فقال: من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم . فقام أبو بردة بن نيار فقال : يا رسول الله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك شاة لحم . فقال : إن عندي عناقاً جذعةً وهي خيرٌ من شاتي لحم فهل تجزئ عني ؟ قال : نعم ، ولن تجزئ عن أحدٍ بعدك ) رواه البخاري ومسلم .

فإذا أمعنا التأمل في هذه النصوص وغيرها يظهر لنا جلياً أنه ليس المقصود من الأضحية اللحم فقط،وتوزيعه صدقةً أو هديةً،فليس هذا هو المقصد الأعظم من الأضحية، بل هو مقصدٌ تبعيٌ ثانويٌ،ولذا فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الأضحية وبين شاة اللحم، فقال:(من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك،ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم )، وقال للصحابي الذي ذبح قبل الوقت:( شاتك شاة لحم )

ثالثاً: بناءً على ما سبق فالأصلُ في الأضحية أن تُذبح في بلد المضحي، بل في بيته إن استطاع، إحياءً للسنة النبوية ونشراً لهذه الشعيرة بين الناس، وتحقيقاً للسنة النبوية في تولي ذبحها بنفسه إن كان يحسن الذبح ، وإلا شهدَ ذبحها لما في حديث أنس رضي الله عنه:( أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أقرنين أملحين ، وكان يُسمِّي ويُكبر، ولقد رأيته يذبحهما بيده واضعاً رجله على صِفاحِهما )رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام البخاري في صحيحه:[باب مَنْ ذبح الأضاحي بيده ] ثم ذكر في الباب الذي يليه:[وأمرَ أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن .

قال الحافظ ابن حجر:[ وصله الحاكم في المستدرك.ووقع لنا بعلوٍ في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن وسنده صحيح ] فتح الباري 12/114-115.

فإن أناب عنه فيستحب له أن يشهد ذبحها لما ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها :( قومي لأضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يُغفر لك ما سلف من ذنبك ) رواه البيهقي والحاكم.

وروى البيهقي بإسناده عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال:( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك ، فإنه يُغفر لك بأول قطرةٍ من دمها كلُّ ذَنبٍ عملتيه،وقولي:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة.قال:بل للمسلين عامة ) ورواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.وفيه كلامٌ لأهل الحديث.

وكذلك فإن الأكل من الأضحية من السنة عند جمهور أهل العلم،لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(فكلوا وادَّخروا وتصدقوا)رواه البخاري ومسلم.

وعن جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:(كلوا وتزودوا)رواه البخاري ومسلم.وفي رواية أخرى عند مسلم:( كلوا وتزودوا وادَّخروا )

وقد قال بعض أهل العلم بوجوب الأكل منها، لقوله تعالى:{فَكُلُوا منْهَا} سورة الحج الآية 28 .

وكذلك فإن إطعام الفقراء من الأضحية من السنة عند جمهور أهل العلم، لقوله تعالى:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} سورة الحج الآية 28 .

ومن المعلوم أن نسبة الفقر في بلادنا في تصاعدٍ مستمرٍ، ومن الفقراء من لا يقدر على شراء اللحم، فعندما يكثر ذبح الأضاحي في بلادنا ويُطعم الفقراء منها يعمُّ الخير، وهذا نوعٌ من أنواع التكافل الاجتماعي.

وكذلك فإن من السنة الإهداءُ منها للأقارب والجيران، وكثيرٌ من العلماء يرون أن يُهدي ثُلثاً منها،لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ ويُطعم أهل بيته الثلث،ويُطعم فقراء جيرانه الثلث ، ويتصدق على السؤَّال بالثلث ] رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف،وقال: حديث حسن .

رابعاً:إن الذين يضحون في الخارج يقصدون رخص السعر في الدرجة الأولى،فحجتهم ارتفاع أسعار الأضاحي في بلادنا، ولا يتأكدون أنه سيتم تحقيق شروط الأضحية حينئذٍ، ولا يتحققون من كيفية التصرف فيها بعد ذبحها، وفي هذا خللٌ كبيرٌ.

ولا ينبغي أن يُفهم من كلامي عدم جواز التوكيل في ذبح الأضاحي،بل هو جائزٌ ما دام أن الوكيل يُحقق شروطَ الأضحية، ومن المعلوم أنه يتم إرسالُ أموالٍ من المسلمين في الخارج إلى جهاتٍ خيرية في بلادنا لذبح الأضاحي عندنا، وهؤلاء الذين يضحون في بلادنا من أهل البلاد الإسلامية يقصدون الصدقة على الفقراء والمحتاجين، وفي الغالب فهم من الموسرين الذين يضحون في بلادهم، بخلاف ما يفعله من يقصد رخص الأسعار فيضحي في الخارج.

ويضاف إلى ما سبق أن الأفضل في الأضاحي أغلاها ثمناً وأسمنها لحماً ،وقد اتفق أهل العلم على أنه يستحب أن تكون الأضحيةُ سمينةٌ .قال الإمام البخاري:[ باب أضحية النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين،ويُذْكَرُ سمينين].

وقال الحافظ ابن حجر:[ قوله “ويذكر سمينين” أي في صفة الكبشين…عن أبي هريرة:( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوئين فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد ، والآخر عن أمته من شهد له بالتوحيد والبلاغ )] فتح الباري 12/105.

وقال الإمام الشافعي:[ استكثارُ القيمة في الأضحية أفضلُ من استكثار العدد] المجموع 8/396.

خامساً: إن في ذبح الأضاحي في بلادنا تشجيعاً لمربي الأنعام وتحريكاً للسوق المحلي. وعلى التجار أن يتقوا الله فلا يرفعوا الأسعار ولا يستغلوا إقبال الناس على الشراء برفع الأسعار بحججٍ واهيةٍ، وعلى التجار أن يعلموا أن رفع الأسعار بدون موجبٍ، أمرٌ محرمٌ شرعاً، لأن فيه إلحاق الضرر بالناس، ويدخل أيضاً في باب أكل أموال الناس بالباطل، وأن الواجب على التجار أن يتقوا الله في المستهلكين، وأن يقنعوا بالربح القليل.

وخلاصة الأمر أن الأضحية من شعائر عيد الأضحى المبارك، وهي سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر عند أكثر العلماء

وأن المقصود الأعظم من الأضحية هو أن يتقربَ المسلمُ إلى الله عز وجل بالذبح، وإراقة الدم كوسيلة من وسائل الشكر لله تعالى، وتعظيم شعائر الله عز وجل والامتثال لأمر الله عز وجل بإراقة الدم، اقتداءً بإبراهيم عليه الصلاة والسلام

وأنه ليس المقصود من الأضحية اللحم فقط،وتوزيعه صدقةً أو هديةً، بل هو مقصدٌ تبعيٌ ثانويٌ

وأن الأصل في الأضحية أن تُذبح في بلد المضحي، بل في بيته إن استطاع، إحياءً للسنة النبوية ونشراً لهذه الشعيرة بين الناس، وتحقيقاً للسنة النبوية ولما في ذلك من تحقيق مقاصد مشروعيتها.

وأن الأفضل في الأضاحي أغلاها ثمناً وأسمنها لحماً.

والله الهادي إلى سواء السبيل