ضوابطُ إخراجِ زكاةِ الأموالِ موادَ عينيةً كالطعامِ والملابس

يقول السائل: أُخرجُ زكاةَ مالي أطعمةً وملابس أوزعها على الفقراء، فما حكم ذلك ،أفيدونا؟

الجواب:أولاً: الأصلُ المقررُ عند أهل العلم أن تُخرَجَ الزكاةُ من جنس المال المزكَّى، فزكاة الأنعام تُخرج منها، وزكاة الزروع والثمار تُخرج منها، وزكاة النقود تُخرج نقوداً،إلا في زكاة عروض التجارة فتقوَّم بالنقود، وتُخرج زكاتُها نقداً.

ثانياً: قال جماعةٌ من أهل العلم بجواز إخراج القيمة في الزكاة للحاجةِ أو للمصلحةِ،وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الحنفية والشافعية في وجهٍ، والإمام أحمد في روايةٍ عنه في غير زكاة الفطر، ونُقل عن جماعةٍ من الصحابة، وقال به من أهل العلم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري،وبه قال جماعةٌ من العلماء المعاصرين، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وقد روى عن أحمد مثلُ قولهم فيما عدا الفطرة. وقال أبو داود‏:‏ سُئل أحمد‏ عن رجلٍ باع ثمرةَ نخله، قال‏:‏ عُشرهُ على الذي باعه، قيل له‏:‏ فيخرج ثمراً أو ثمنَه‏؟‏ قال‏:‏ إن شاء أخرج ثمراً، وإن شاء أخرج من الثمن،وهذا دليلٌ على جواز إخراج القِيَم، ووجههُ قولُ معاذ لأهل اليمن‏:‏ ائتوني بخميصٍ أو لَبيسٍ- نوعان من الثياب- آخذهُ منكم‏،‏ فإنه أيسرُ عليكم وأنفعُ للمهاجرين بالمدينة، وقال سعيد‏:‏ حدثنا سفيان عن عمرو وعن طاوس‏،‏ قال لما قدم معاذٌ اليمن قال‏:‏ ائتوني بعَرَض- المتاع وكل شيء فهو عَرَض سوى الدراهم والدنانير – ثيابٍ آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهونُ عليكم وخيرٌ للمهاجرين‏ بالمدينة، قال‏:‏ وحدثنا جرير عن ليث عن عطاء‏،‏ قال كان عمرُ بن الخطاب يأخذُ العَروض في الصدقة من الدراهم، ولأن المقصودَ دفعُ الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر المالية باختلاف صور الأموال]. المغني 3/87.وهذا القول يُحقق مصلحةَ الفقير، وخاصةً في هذا الزمان، وهذا هو القول الراجح إن شاء الله لما يلي :

أولاً : إن الأصل في الصدقة المال لقوله تعالى : {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}سورة التوبة الآية 103. والمال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، وأُطلق على ما يُقتنى من الأعيان مجازاً،وبيانُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المنصوص عليه إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لتقييد الواجب وحصر المقصود .

ثانياً :إن أخذ القيمة في الزكاة ثابتٌ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن جماعةٍ من الصحابة، فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ باليمن:ائتوني بعَرَض ثيابٍ آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهونُ عليكم وخيرٌ للمهاجرين بالمدينة.رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج .

وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال :[باب العرض في الزكاة ، وذكر الأثر عن معاذ ونصه: وقال طاووس : قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة، أهونُ عليكم وخيرٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ] واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 4/54.

ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن رشيد – أحد شرَّاح صحيح البخاري- قال : وافق البخاريُ في هذه المسألة الحنفيةَ مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليلُ. وفعلُ معاذٍ مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القولَ بإخراج القيمة لمصلحةٍ راجحةٍ حيث قال:[وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به] مجموع الفتاوى 25/82-83.[ وسُئل شيخ الإســلام ابن تيمية عمَّن أخرج القيمة في الزكاة، فإنه كثيراً ما يكون أنفع للفقير,هل هو جائز أم لا ؟

فأجاب: وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز،وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النصَّ، ومنهم من جعلها على روايتين، والأظهرُ في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجةٍ ولا مصلحةٍ راجحةٍ ممنوعٌ منه، ولهذا قدَّر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهم، ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جُوِزَ إخراجُ القيمة مطلقاً ، فقد يعدل المالكُ إلى أنواعٍ رديئةٍ، وقد يقع في التقويم ضررٌ، ولأن الزكاة مبناها على المواساة ، وهذا معتبرٌ في قدر المال وجنسه, وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدلِ، فلا بأس به مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يُكلَّف أن يشتري ثمراً أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نصَّ أحمدُ على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاةٌ في خمسٍ من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاةً، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يُكلف السفرَ إلى مدينة أخرى ليشتري شاةً، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء، كما نُقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن :ائتوني بخميصٍ أو لبيسٍ، أسهلُ عليكم، وخيرٌ لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة، وقيل في الجزية] مجموع الفتاوى 25/82-83

وقال شيخ الإســلام ابن تيميةأيضاً:[ويجوز إخراج زكاة العروض عرضاً، ويَقوى على قولِ من يقولُ تجب الزكاة في عين المال ]الاختيارات الفقهية ص132. وقال شيخ الإسلام عن هذا القول:[إنه أعدلُ الأقوال] المصدر السابق 25/79.

و صحح الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب القول بجواز إخراج القيمة، ولم يشترط الحاجة ولا المصلحة ومال ابنه الشيخ عبدالله إلى جواز إخراج القيمة عند الحاجة كما في الدرر السنية 5/232-236.

وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي:[والصحيحُ جوازُ زكاة العروض من العروض، لأن الزكاة مواساة، فلا يكلفها من غير ماله، كما أن الصحيح جوازُ إخراج القيمة في الزكاة، إذا كان في ذلك مصلحةٌ للجهة المخرَج عليها].المختارات الجلية من المسائل الفقهيّة 4/132.

ثالثاً: إذا تقرر أن الراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز إخراجُ القيمة في الزكاة، فإن القول بجواز إخراج الزكاة مواد عينيةً،مخرجٌ على هذا القول،ويجب التأكيد على أن النقودَ أنفعُ للفقير، فبها يقضي مصالحه، وهو أدرى بها من غيره،ومع ذلك فيجوز إخراج المواد العينية في الزكاة،ولكن ليس على الإطلاق، وإنما بضوابط شرعية فيما يظهر لي، وهي:(1) أن يكون هنالك مصلحةٌ راجحةٌ بالنسبة للمستحقين للزكاة،كأن يكون ربُّ الأسرة الفقيرة معتوهاً أو مجنوناً لا يُحسن التصرفَ بالمال النقدي، أو ينفقهُ في المحرمات كالقمار أو الدخان أو بخيلاً ممسكاً للمال عن عياله.

قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز:[ويجوز أن يُخرج عن النقود عروضاً من الأقمشة والأطعمة وغيرها، إذا رأى المصلحة لأهل الزكاة في ذلك مع اعتبار القيمة ، مثل أن يكون الفقير مجنوناً ، أو ضعيفَ العقل ، أو سفيهاً ، أو قاصراً ، فيُخشى أن يتلاعب بالنقود ، وتكون المصلحة له في إعطائه طعاماً ، أو لباساً ينتفع به من زكاة النقود بقدر القيمة الواجبة ، وهذا كله في أصح أقوال أهل العلم] الفتاوى 14/253.

وسُئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز عن شراء مواد غذائية منوعة وعينية كالبطانيات والملابس وصرفها للجهات الإسلامية الفقيرة من الزكاة،خاصة في الحالات التي لا تتوفر فيها المواد الغذائية بأسعار معقولة في تلك البلدان فأجاب:[ لا مانع من ذلك بعد التأكد من صرفها في المسلمين] المصدر السابق14/246.

(2) يجب أن تكون المواد العينية من الأشياء الضرورية وليس من الكماليات،فيعطى الفقير طعاماً يسدُّ الجوع كالأرز والطحين والسكر والزيت ونحوها، أو يُعطى لباساً يحتاجه الفقير حاجةً ماسةً، أو يُعطى دواءً لا يستطيع شراءه.

(3) لا يجوز أن تكون المواد العينية من الأشياء الكمالية التحسينية ليست لازمة للفقير كالبسكويت والشوكولاتة ونحوها.

(4) ينبغي التنبيه على أن هنالك مواداً عينيةً لا يصلح إخراج أعيانها في الزكاة لعدم حاجة الفقير إليها كمواد البناء والأدوات الصحية ونحوها.

(5) إذا أُخرجت الزكاة ملابس، فلا يجوز أن تكون مستهلكةً وباليةً، أو لا يُمكن للفقير أن ينتفع بها. ولا يعطى الفقير ملابس لا تشتد حاجتهُ لها .

وخلاصة الأمر:

أن الأصل المقرر عند أهل العلم أن تُخرَجَ الزكاةُ من جنس المال المزكَّى،إلا في زكاة عروض التجارة فتقوَّم بالنقود،وأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز إخراج القيمة في الزكاة للحاجة أو للمصلحة.وقد قامن الأدلة الصحيحة على ذلك.
وأنه يجوز إخراج المواد العينية في الزكاة،ولكن ليس على الإطلاق، وإنما بضوابط شرعية بينتها.

والله الهادي إلى سواء السبيل