الآدابُ المرعيةُ في المحادثاتِ الهاتفية

يقول السائل:جرى نقاشٌ حول أيُّهما يبدأُ بالسلام المتصلُ بالتلفون أم المتصَلُ عليه،وما صحة قولِ المتُصَلِ عليه ” نعم ” عند إجابة المُتصل،أفيدونا؟

الجواب:لا يخفى انتشارُ استعمال التلفونات والجولات بين الناس في زماننا هذا بشكلٍ لافتٍ للأنظار، والواجب على المسلم أن يُحسن استعمالَ هذه الأجهزة، فمن المعلوم أن الحكم الشرعي المتعلق بها يتجه إلى كيفية الاستعمال، تماماً كالسكين التي تستعمل في الخير وفي الشر. ومن المعلوم أيضاً أن الشريعة الإسلامية تبين أحكام كل المستجدات والنوازل المعاصرة، ومن ذلك ما يتعلق باستخدام الجوالات وما في حكمها من أجهزة اتصال.

وهنالك أحكامٌ شرعيةٌ تتعلق باستخدام الجوالات وما في حكمها من أجهزة اتصال،وهذه الأحكام مؤصلةٌ شرعاً على أحكام الزيارة والاستئذان والكلام بين الناس،ومستندةٌ لأدلة الشرع،وأذكر طائفة منها:

أولاً:ما ورد في السؤال،فأقول:إن الذي يبدأ بالسلام هو المُتصل،لأن المتصل هو الذي ينادي الطرفَ الآخر من خلال هاتفه أو جواله،تماماً مثل مَنْ يطرقُ بابَ الدار ،وهذا أمرٌ مقررٌ في آداب الاستئذان الشرعية،فعن ربعي رضي اللَّه عنه قال:أخبرنا رجلٌ من بني عامر أنه استأذنَ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيتٍ، فقال:أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه:اخرج إلى هذا فعلِّمهُ الاستئذان،فقل له:قل: السلام عليكم،أأدخل؟ فسمعه الرجل،فقال:السلام عليكم،أأدخل؟فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل)رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني.

وكذلك فإن المُتصلَ كما بدأ اتصالَه بالسلام يختمهُ بالسلام،فعن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال:أن رجلاً مرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسٍ،فقال سلامٌ عليكم،فقال عشرُ حسناتٍ،ثم مرَّ آخرُ فقال سلامٌ عليكم ورحمة الله،فقال عشرون حسنة،ثم مرَّ آخرُ فقال سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته،فقال ثلاثون حسنة، فقام رجلٌ من المجلس ولم يُسَلِّم،فقال النبي صلى الله عليه وسلم:ما أوشك ما نسي صاحبُكم،إذا جاء أحدُكم إلى المجلس فليسلم،فإن بدا له أن يجلس فليجلس،وإن قام فليسلم،فليست الأولى بأحق من الآخرة)رواه ابن حبان في صحيحه،وشطره الأخير عند أبي داود والترمذي،وصححه العلامة الألباني.

قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد:[السلامُ من المتصِل بدايةً ونهايةً،المتصِلُ هو القادم،فإذا رُفِعَت سماعة الهاتف فبادر بالتحية الإسلامية:السلام عليكم فهي شعارُ الإسلام، ومفتاحُ الأمان والسلام،وهي شرفٌ لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم،ويجبُ الجواب على سامعه…ومما يُنهى عنه هنا:سكوتُ المتصِل إذا رُفِعَت السماعة حتى يتكلم المتصَل به، وهذا فيه إخلالٌ بالأدب من عدة جهات لا تخفى:منها: مخالفةُ السُّنةِ في بدء المسْتَأْذِن، والقادم، بالسلام.

ومنها: أن المتصِلَ هو الطالبُ، فعليه المبادرةُ بالسلام، فالكلامُ، طلباً أو استقبالاً.]أدب الهاتف ص 12-13.

ثانياً:قولِ المتُصَلِ عليه ” نعم ” عند إجابة المُتصلِ، لا حرج فيه،لأن المتصلَ يناديه، فإذا قال “نعم” فلا بأس بذلك.
[ نقل الشيخ صالح بن طه أبو إسلام في كتابه “العقيدة أولاً لو كانوا يعلمون”1/16-17 عن الشيخ العلَّامة الألباني حيث قال:اتصل بي الشيخُ الألباني يوماً بالهاتف ولم أكن موجوداً،فردَّت ابنتي الصغيرة عليه قائلةً عند رفع سمَّاعة الهاتف:السلام عليكم ورحمة الله,فسأل الشيخ عني,ثم قال لها:أخبري أباك أن محمد ناصر الدين الألباني اتصل… فلما عُدتُ إلى البيت أخبرتني ابنتي أنه اتصل بك رجلٌ اسمه:محمد ناصر الدين الألباني,فاتصلت به على الفور،وبعد أن طلب مني ما كان يريده،قال لي:يا أبا إسلام,عندما اتصلتُ بك ردَّت عليَّ ابنتك الصغيرة وقالت:السلام عليكم ورحمة الله,فهل هذا التصرفُ عن علمٍ ؟ أم هو تصرُّفٌ شخصيٌّ من الصغيرة ؟ نريد أن نستفيد يا أبا إسلام،فقلت له:إن هذا تصرفٌ من الصغيرة وللمرة الأولى,والذي نعلمه في هذا الأمر أن يرفع الإنسان سمَّاعة الهاتف قائلاً:نعم,فيُسلِّمُ عليه من يطلبه,فيردَّ هو السلام عليه،لا أن يبدأه بالسلام,فقال رحمه الله:هذا هو الصحيح الذي نعلمه؟لأن الطالبَ على الهاتف كالطارق على الباب لا فرق بينهما]نقلاً عن موقع القريوتي بتصرف. http://alqaryooti.com/?p=658
كما أن قولِ المتُصَلِ عليه ” نعم ” عند إجابة المُتصل،أولى وأفضل من قول كلمة “ألو” الانجليزية الأصل،التي اعتادها أكثر الناس.

ثالثاً:إذا اتصلتَ فأقلَّ الكلامَ وأوجز، وادخلْ في صلب الموضوع مباشرةً بعد السلام،ولا تُكثر في المقدمات,ولا تُطل الحديث، فإن للناس أشغالهم ، وحافظ على وقتك وأوقاتهم,وأقول هذا الكلام خاصةً لمن يتصلون مستفتين.

رابعاً:من أشنع الأخطاء التي يقع فيها مستعملو الجولات وأمثالها من أجهزة الاتصال تسجيل المكالمات بدون علم الطرف الآخر،وهذا عملٌ دنيءٌ فيه خيانةٌ للأمانة،قال العلامة الدكتور بكر أبو زيد:[ لا يجوز لمسلمٍ يرعى الأمانةَ ويُبغضُ الخيانة أن يُسجلَ كلام المتكلم دون إذنه وعلمه مهما يكن نوع الكلام:دينياً،أو دنيوياً كفتوى،أو مباحثةٍ علميةٍ،أو ماليةٍ، وما جرى مجرى ذلك…فإذا سجَّلتَ مكالمته دون إذنه وعِلْمِه،فهذا مَكرٌ وخديعةٌ، وخيانةٌ للأمانة.وإذا نَشرتَ هذه المكالمة للآخرين فهي زيادةٌ في التَّخون، وهتكُ الأمانة.وإن فعلتَ فَعْلتك الثالثة:التصرُّف في نص المكالمة بتقطيعٍ،وتقديمٍ،وتأخيرٍ، ونحو ذلك إدخالاً أو إخراجاً -دَبْلَجَةً- فالآن ترتدي الخيانةَ مضاعفةً، وتسقط على أم رأسك في:(أم الخبائث) غير مأسوفٍ على خائنٍ…والخلاصة أن تسجيل المكالمة،هاتفية أو غير هاتفية دون علم المتكلم وإذنه فجورٌ، وخيانةٌ، وجُرْحَةٌ في العدالة، ولا يفعلها إلا الضَّامِرُون في الدِّين،والخلق، والأدب- قليلو الدين والخلق والأدب- لاسيما إن تضاعفت -كما ذُكر – فاتقوا الله عباد الله ولا تخونوا أماناتكم، ولا تغدروا بإخوانكم ]أدب الهاتف ص 29-30.

خامساً: تصويرُ الناسِ ِخلسةً باستعمال الجوال، وخاصةً النساء، وتداول تلك الصور بالتقنيات الحديثة المعروفة اليوم، محرمٌ شرعاً، لأنه مشتملٌ على مفاسد عديدة منها:الاضطلاع على العورات وكشفها، وهو أمرٌ محرمٌ شرعاً، فقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لو اطلع في بيتك أحدٌ ولم تأذن له، حذفته –أي رميته- بحصاةٍ ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح) رواه البخاري.

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: إن رجلاً اطلع في جُحرٍ في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِدْرَى – ما يُعمَل منْ حديدٍ أَو خشب على شكل سِنٍّ من أسنان المُشْط ،وأَطول منه، يُسَرَّح به الشعرُ المتلبِّد – يحكُ به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إنما جُعل الإذن من أجل البصر) رواه البخاري ومسلم.
ومنها: إيذاء الناس وإلحاق الضرر بهم، وقد قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}سورة الأحزاب الآية58.

ولا شكَّ أن تصوير الفتيات وتداول صورهن فيه أذىً وضررٌ كبيرٌ، وتتبع لعوراتهن،ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:(صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوتٍ رفيعٍ،فقال:يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه!لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم،فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته،ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله-وفي رواية أخرى (في بيته) – ونظر ابن عمر إلى الكعبة فقال:ما أعظمك وما أعظمَ حرمتك، والمؤمنُ أعظمُ حرمةً عند الله منك) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال فيه (يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم)والحديث حسن صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/588. وصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:(لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي والحاكم، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 3/408.وهنالك مفاسد أخرى تترتب على هذا الأمر المنكر.

سادساً:من منكرات الجولات جعلُ الأذان والآيات القرآنية بدلاً من النغمات والرنات الموسيقية،فلا يجوز شرعاً أن تُجعل آياتُ القرآن الكريم ولا ألفاظُ الأذان بدل رنات الهاتف المحمول،لأن في ذلك إخلالاً بتعظيم شعائر الله عز وجل،والواجب الشرعي هو تعظيمها، كما قال تعالى:{ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}سورة الحج الآية 32.قال الإمام القرطبي:[الشعائر جمع شعيرة،وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم…فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك] تفسير القرطبي 12/56.

ولا شكَّ أن آيات القرآن الكريم والأذان من أعظم شعائر الله، فيجب صيانتُها أن تكون بدل رنةٍ للهاتف المحمول، بل إن في ذلك امتهاناً لكلام رب العالمين، وخاصةً أن صاحب الجوال لا يتحكم في زمان ومكان تلقي المكالمة الهاتفية.

سابعاً:إغلاقُ الهاتف المحمول عند دخول المساجد، وبالذات أثناء الصلوات، فرنينُ الهواتف المحمولة يقطع خُشوعَ المصلين ويُشوش عليهم، فينبغي على مَنْ يحمل الهاتف المحمول أن يوقفه عن العمل عند دخوله المسجد، سواء أكان ذلك في صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات.لأن احتمال أن يتصلَ به أحدٌ قائمٌ، وفي الرنين الصادر من الهاتف إزعاجٌ وتشويشٌ على المصلين، والمساجدُ لها حرمتها، ولا ينبغي لأحدٍ أن يُشوش على مَنْ في المسجد، سواء كانوا في صلاة أو ذِكْرٍ أو قراءة قرآن أو سماعِ درس علم بأي نوع من أنواع التشويش والإزعاج.فقد ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:(اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذي بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة أو قال: في الصلاة) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما قال الإمام النووي وصححه العلامة الألباني، فإذا نسي الشخصُ جواله مفتوحاً فرنَّ أثناء الصلاة، فيجوز أن يوقفه عن العمل أثناء الصلاة، وإن اقتضى ذلك أن يتحرك المصلي في صلاته، فإن هذه الحركة مباحة على أقل تقديرٍ، إن لم تكن مستحبةً نظراً للحاجة، حيث إنه يترتب عليها منع ما يشوش على المصلين. وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم:(أمَّ الناس في المسجد فكان إذا قام حمل أمامة بنت زينب وإذا سجد وضعها) رواه البخاري ومسلم. كما وأنه يجوز قتل الحية والعقرب في الصلاة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. رواه أصحاب السنن وقال الإمام الترمذي حديث حسن.فيؤخذ من هذين الحديثين أن الحركة في الصلاة إن كانت لحاجةٍ جائزةٌ، ولا تُبطل الصلاة .

أقول هذا مع التأكيد على إغلاق الهاتف عند الدخول إلى المسجد، فإن نسيه مفتوحاً ورنَّ أثناء الصلاة فليغلقه ولا شيء عليه.وهنالك أحكام أخرى كثيرة تتعلق بالهاتف المحمول لا يتسع المقام لذكرها.

وخلاصة الأمر أن هنالك أحكاماً شرعيةً تتعلق باستخدام الجوالات وما في حكمها من أجهزة اتصال،وهذه الأحكام مؤصلةٌ شرعاً على أحكام الزيارة والاستئذان والكلام بين الناس،ومستندةٌ لأدلةِ الشرع، وأن الواجب الشرعي يقتضي أن نحسن استعمالها بما يتفق مع ذلك.

والله الهادي إلى سواء السبيل