تعظيمُ شهرِ رمضان المبارك تعظيمٌ لله تبارك وتعالى

يقول السائل:تنتشرُ مع قدومِ شهر رمضان المبارك مظاهرُ كثيرةٌ في انتهاك حرمة الشهر الفضيل،كالمسلسلات التي تبثها الفضائيات، والحفلات الطربية التي تقام في المطاعم والفنادق، والمجاهرة بالفطر، فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة الآية 183.

والصيامُ ركنٌ من أركان الإسلام كما يعلم الخاصةُ والعامةُ، وقد جعل الله تعالى الصيام في هذا الشهر العظيم لحِكَمٍ جليلةٍ،فإن الله عز وجل وهو العليم الخبير قد خصَّ بعضَ الأمكنة وبعض الأزمنة وبعض الأشخاص بخصائص، قال الله تعالى:{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}سورة القصص الآية 68،

وكما قيل” لله خواصٌ في الأزمنة والأمكنة والأشخاص” فهو سبحانه جعل فضائلَ وخصائصَ لبعض الأزمنة كشهر رمضان المبارك،فاختاره لإنزال القرآن الكريم، كما قال تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}سورة البقرة الآية 185،

وجعل فضيلةً لليلة القدر، كما قال تعال:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}سورة الدخان الآية 3، وقال تعالى:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}سورة القدر الآيات 1-3،

وجعل فضيلةً للعشر الأواخر من رمضان، وجعل فيها ليلة القدْر، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر) رواه البخاري.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة بن دعامة من أئمة التابعين قال:[إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذِكْره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظِّموا ما عظَّم اللهُ، فإنما تعظُم الأمورُ لما عظِّمها الله تعالى به عند أهل الفهم والعقل]تفسير الدر المنثور 4/187.

وقَالَ الْعِزُّ بن عبد السَّلام:[فصلٌ في تفاوت الأعمال مع تساويها باختلاف الأماكن والأزمان. اعلم أن الأماكن والأزمان كلها متساوية ، ويفضلان بما يقع فيهما لا بصفاتٍ قائمةٍ بهما، ويرجع تفضيلهما إلى ما يُنيل اللهُ العبادَ فيهما من فضله وكرمه…وتفضيلُ الأماكن والأزمان ضربان:أحدهما:دنيوي كتفضيل الربيع على غيره من الأزمان…الضرب الثاني:تفضيلٌ دينيٌ راجع إلى أن الله يجود على عباده فيهما بتفضيل أجر العاملين، كتفضيل صوم رمضان على صوم سائر الشهور، وكذلك يوم عاشوراء وعشر ذي الحجة ، ويوم الاثنين والخميس وشعبان وستة أيام من شوال ، فضلها راجعٌ إلى جود الله وإحسانه إلى عباده فيها،وكذلك فضلُ الثلث الأخير من كل ليلة راجعٌ إلى أن الله يعطي فيه من إجابة الدعوات والمغفرة، وإعطاء السؤال ونيل المأمول ما لا يعطيه في الثلثين الأولين ] قواعد الأحكام 1/38.

ثانياً:من القواعد المقررة شرعاً وجوبُ تعظيم شعائر الله،يقول الله تعالى:{ذلك وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}سورة الحج الآية 32.ويقول تعالى:{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}سورة الحج الآية30،قال الإمام القرطبي:[{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ}الشعائر جمع شعيرة،وهو كل شيءٍ لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم…فشعائر الله أعلام دينه] تفسير القرطبي12/56.

فالواجب على المسلم أن يُعظِّم ما عظَّم اللهُ عز وجل، فيعظِّمَ شعائرَ الله وشرائعَه ، ويعظِّمَ حُرماتِ الله، ويعظِّمَ حُرمة شهر رمضان، فقد ورد عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من صام رمضان وعرف حُدودَه، وتحفظَّ مما كان ينبغي أن يتحفظ منه، كفَّر ما قبله) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي بسند جيد،وحسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط.

ولا بدَّ أن توقن أخي المسلم،أن تعظيمَ شهر رمضان، إنما هو تعظيمٌ لركنٍ من أركان الدِّين،بل هو خُمسُ الإسلام، لأن صومَ شهر رمضان أحدُ الأركان الخمسة التي بُني عليها الإسلام، وإن انتهاك حرمة رمضان طريقٌ موصلٌ بالتأكيد إلى نار جهنم والعياذ بالله عز وجل.

ثالثاً: انتشرت بين المسلمين مع الأسف الشديد صورٌ كثيرةٌ من الاستخفاف بشهر رمضان التي تنطوي على عدم تعظيم هذا الشهر المبارك ،بل إن كثيراً من الفساق يتعمدون إفساد صيامنا وعبادتنا في رمضان،وعلى رأس هؤلاء القنوات الفضائحية،التي تنشر العري والفواحش والفساد الأخلاقي بمسلسلاتٍ تافهةٍ ساقطةٍ، تُعلي من شأن العاهرات والقوادين والحشاشين والتافهين وأمثالهم.

إن الواجب الشرعي يقتضي مقاطعة فضائيات المسخرة التي تستغل شهر الرحمة والمغفرة مقاطعةً تامةً، لأن هؤلاء هم اللصوص والسُّراق الذين يسرقون رمضان من المسلمين، ويفسدون علينا عبادتنا، هؤلاء الذين ينطبق عليهم قول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} سورة النور الآية 19.

وكذلك هنالك أصناف من الناس يستغلون الشهر الكريم استغلالاً بشعاً، كبعض التجار الذين يرفعون الأسعار في رمضان بدون موجب، ومنهم من يستغل إقبال الناس على الشراء في رمضان، فيسوقون البضائع الفاسدة ومنتهية الصلاحية.

ولا شك أن هذا محرمٌ شرعاً، لأن فيه إلحاق الضرر بالناس، ويدخل في باب أكل أموال الناس بالباطل، وأن الواجب على التجار أن يتقوا الله في المستهلكين، وأن يقنعوا بالربح القليل، وواجب المستهلكين أن يضبطوا استهلاكهم بالضوابط الشرعية.

وممن يستغلون الشهر الكريم استغلاً بشعاً البنوك الربوية التي تُعلن عن الجوائز الكبيرة لجذب الناس إلى معاملاتها المحرمة شرعاً.

وكذلك بعض المطاعم والفنادق التي تعلن عن تقديم وجبات الإفطار على أنغام الموسيقى وحفلات الغناء والرقص والطرب وغير ذلك من المنكرات والانتهاكات لحرمة شهر رمضان.

أقول لهؤلاء المفسدين جميعاً ارفعوا أيدكم عن شهر رمضان، ارفعوا ايديكم عن شهر العبادة والقرآن، هذا الشهر ليس لكم، وإنما هو لعباد الله الصادقين، الذين يصومون نهاره، ويقومون ليله ويتلون كتاب ربهم.

رابعاً: من أشد المنكرات التي يقع فيها بعض الناس في شهر رمضان المجاهرةُ بالفطر مع تبجحٍ وافتخارٍ بالمعصية،وقلة حياء،فالمجاهرةُ بالفطر في رمضان وقاحةٌ وسوءُ أدبٍ مع الله عز وجل، ومع عباد الله الصائمين، وهذا المجاهر بفطره وقع في كبيرةٍ من كبائر الذنوب، ومجاهرته بالفطر من أفعال أهل الفسق المجون، نسأل الله العفو والعافية.ولو أن هذا المفطر في نهار رمضان بلا عذرٍ قد ستر على نفسه لكان ذنبه أهون، وإن كان هو عظيماً في ذاته،

قال العلامة ابن القيم:[ والمستخفي بما يرتكبه أقل إثماً من المجاهر المستعلن، والكاتم له أقل إثماً من المخبر المحدث للناس به، فهذا بعيدٌ من عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(كل أمتي مُعافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه ثم يصبح يكشف ستر الله عنه يقول:يا فلان فعلتُ البارحة كذا وكذا، فيبيتُ ربُّهُ يستره، ويصبحُ يكشفُ سترَ الله عن نفسه) أو كما قال، وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي من هذه القاذورات بشيءٍ فليستتر بستر الله، فإنه من يُبد لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله)وفي الحديث الآخر:(إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أُعلنت فلم تُنكر ضرت العامة]إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 2/147-148.

خامساً: إن انتهاك حرمة رمضان بأي شكلٍ من الأشكال من المحرمات،وفيه تعدٍ على أحكام الشرع،وعصيانٍ لأوامر الله،قال سبحانه وتعالى:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}سورة النساء الآية 14.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق عن عقوبة من ينتهك حرمة رمضان،فقد ورد في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(بينا أنا نائمٌ إذ أتاني رجلان،فأخذا بضَبعيَّ – أي بعضُديَّ – فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا:اصعد فقلت:إني لا أطيقه فقالا:إنا سنسهله لك،فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عُواء أهل النار،ثم انطلق بي،فإذا أنا بقومٍ معلقين بعراقيبهم مشققةً أشداقُهم، تسيل أشداقُهم دماً،قال قلت:من هؤلاء؟ قال:هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومهم…) رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والحاكم وقال:صحيح على شرط مسلم،ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني.

إن من تعمدَ الفطرَ في نهار رمضان يذهب بسهمٍ من أسهم المرء في دين الإسلام الثلاثة،فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(ثلاثٌ أحلف عليهن:لا يجعل اللهُ مَنْ له سهمٌ في الإسلام كمَنْ لا سهمَ له، وسهامُ الإسلام: الصوم، والصلاة، والصدقة) رواه أحمد والحاكم وصححه العلامة الألباني.

وخلاصة الأمر:

أن الله قد خصَّ شهر رمضان بفضائل عظيمة.

وأن الواجب على المسلم أن يُعظِّم ما عظَّم اللهُ عز وجل، فيعظِّمَ شعائرَ الله وشرائعَه ،ويعظِّمَ حُرماتِ الله،ويعظِّمَ حُرمة شهر رمضان.

وأن مظاهرَ كثيرةٌ قد انتشرت في زماننا في انتهاك حرمة الشهر الفضيل كالمسلسلات الساقطة التي تبثها الفضائيات، وكرفع الأسعار بدون موجب، وإقامة وجبات الإفطار على أنغام الموسيقى وحفلات الغناء والطرب وكالمجاهرة بالفطر مع تبجحٍ وافتخارٍ بالمعصية.

وأن انتهاك حرمة رمضان بأي شكلٍ من الأشكال من المحرمات. وأن تعمدَ الفطرَ في نهار رمضان يُذهب بسهمٍ من أسهم المرء في دين الإسلام.

والله الهادي إلى سواء السبيل