كيفيةُ توزيع أموال التعويض والراتب التقاعدي بعد موت الانسان

يقول السائل:كيف توزع أموال التعويضات والراتب التقاعدي بعد موت الإنسان؟وهل يجري عليها التقسيم الشرعي للميراث،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: لا بد أن نعرف ما هو مفهوم التركة أو الميراث في الشرع،حتى نعرف ما يدخل في التركة وما لا يدخل.
وقد ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن التركة:هي كل ما يُخلِّفه الميتُ من الأموال والحقوق الثابتة مطلقاً، فتشمل التركةُ عندهم جميع ما تركه المتوفى من أموالٍ وحقوقٍ،
وقد استدلوا على ذلك بما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من مات وترك مالاً،فماله لموالي العصبة،ومن ترك كَلَّاً أو ضَيَاعاً فأنا وليه)رواه البخاري.

والمراد بموالي العصبة بنو العم،والكَلُّ العيال،والضياع العيال أيضاً.انظر فتح الباري 9/516،فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المال والحق،وجعلهما تركةً لورثة الميت،وهذه الحقوق أنواعٌ مختلفةٌ،ولكل منها حكمهُ من ناحية إرثه،أو عدم إرثه،وذلك تبعاً لطبيعته.وذهب الحنفية إلى أن التركة هي المال فقط، ولا تدخل الحقوق في التركة عندهم.انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 11/206.

ثانياً:تدخل الدِّيةُ في التركة،وتشمل الدِّيةُ،دِّيةَ النفس ودِّيةَ أعضاء الانسان وجراحه،ويدخل فيها الدِّيةُ الواجبةُ بالقتل الخطأ،أو بالصلح عن عمدٍ،أو بانقلاب القصاص بعفو بعض الأولياء،فتعتبر كسائر أمواله،حتى تُقضى منها ديونُه وتُخرجُ وصاياه،ويرث الباقي ورثته.المصدر السابق.وتوزع دِّية المقتول على ورثته،فالدِّيةُ موروثةٌ كسائر الأموال التي كان يملكها القتيل حال حياته،يرثه فيها ورثتهُ حسب نصيبهم الشرعي،
فقد ورد عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه كان يقول:(الدِّيةُ على العاقلة، ولا ترثُ المرأةُ من دِّيةِ زوجها شيئاً، حتى أخبره الضحاكُ بن سفيان الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن ورِّث امرأة أشيم الضبابي من دِّيةِ زوجها)رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة،وقال الإمام الترمذي:[هذا حديث حسنٌ صحيحٌ،والعمل على هذا عند أهل العلم]وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/61.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم:(قضى أن العَقْلَ – الدِّية – ميراثٌ بين ورثة القتيل على فرائضهم) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة،وهو حديثٌ حـسـنٌ كمـا قـال الـعلامة الألـبـاني في صحـيح سـنـن ابن ماجة 2/98.

وعن جابر رضي الله عنه قال:(جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الدِّيةَ على عاقلة القاتلة، فقالت عاقلةُ المقتولة:يا رسول الله ميراثها لنا.قال:لا.ميراثها لزوجها وولدها)رواه ابن ماجة،وهو حديـثٌ صحيحٌ كمـا قـال العلامة الألبـاني في صـحـيـح سنن ابن ماجـة 2/99.

فهذه الأحاديث تدل على أن الدِّيةَ موروثةٌ كسائر الأموال.

قال الإمام البغوي بعد أن ذكر حديث توريث امرأة أشيم الضبابي من دِّيته:[وفيه دليلٌ على أن الدِّية تجب للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته كسائر أملاكه،وهذا قولُ أكثر أهل العلم]شرح السنة 8/372.

وروى الدارمي عدة آثارٍ عن السلف في أن الدِّية تجري مجرى الميراث،فروى عن إبراهيم النخعي قوله:[الدِّية على فرائض الله].
وعن أبي قلابة قال:[الدِّية سبيلُها سبيلُ الميراث].

وعن الزهري قال:[العَقْلُ– الدِّية– ميراثٌ بين ورثة القتيل على كتاب الله وفرائضه]سنن الدارمي مع شرحه فتح المنان 10/197 فما بعدها.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ودِّيةُ المقتول موروثةٌ عنه كسائر أمواله]المغني 6/388.

ثالثاً:ينبغي أن يُعلم أنه لا يدخلُ في التركة ما يعطيه الشخصُ وهو حيٌ، وفي كامل قواه العقلية،كالهبة والعطية والصدقة والهدِّية،بشرط أن يكون الموهوب له والمعطَى له والمتصدَق عليه والمهدَى له،قد قبض الهبةَ والعطيةَ والصدقةَ والهدِّيةَ حالَ حياةِ الواهبِ والمعطي والمتصدقِ والمهدي،أي أن يحوزها الحيازةَ الشرعية،بحيث يصيرُ مالكاً لها وحرَّ التصرفِ فيها،لأن من شروط صحة الهبة والعطية والصدقة والهدِّية عند جمهور الفقهاء القبضُ،
ويدل على ذلك ما ورد عن عائشة رضي الله عنها:(أن أبا بكر رضي الله عنه نَحَلَها جذاذَ عشرين وسقاً من ماله بالعالية،فلما مرض قال:يا بنية:كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً،ولو كنت جذذته أو قبضته كان ذلك،فإنما هو اليوم مالُ وارثٍ،فاقتسموه على كتاب الله تعالى)رواه مالك في الموطأ والبيهقي،وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 6/61.

رابعاً:التعويض عند الفقهاء هو:دفعُ ما وجبَ من بدلٍ ماليٍ بسبب إلحاق ضررٍٍ بالغير.الموسوعة الفقهية الكويتية13/34.

وللتعويض المالي صورٌ عديدة منها:

(1)إذا صُرف التعويض المالي من شركات التأمين في حالات القتل، فهذا المال بمنزلة الدِّية،فيقسم قسمةَ الميراث الشرعي.ويجب أن يُعلم أنه في حال دفعت شركةُ التأمين تعويضاً في حالات القتل أو حكمت المحاكم النظامية به،ووزعته على أساس المساواة بين الذكر والأنثى أو كان مخالفاً للميراث الشرعي،فيجب إعادةُ قسمة المال على وفق أحكام الشريعة الإسلامية،ومن لم يفعلْ ذلك مع علمه بالحكم الشرعي، فهو آثمٌ شرعاً.

(2)مكافأةُ نهاية الخدمة وهي:[مبلغٌ ماليٌ مقطوعٌ يستحقه العامل على ربِّ العمل في نهاية خدمته بمقتضى القوانين والأنظمة إذا توافرت الشروط المحددة فيها]زكاة مكافأة نهاية الخدمة ص2،وإذا توفي الموظفُ وهو على رأس عمله، فيجري على مكافأة نهاية الخدمة تقسيمُ الميراث الشرعي.

(3)مالُ التوفير أو الادِّخار في حالة وفاة الموظف، تجري عليه قسمةُ الميراث الشرعي، لأنه مالٌ مستحقٌ للموظف حال حياته، ولكنه لا يستطيع أن يقبضه إلا بعد انتهاء خدمته، فإذا مات فالمال مالهُ،لذا يجري عليه تقسيم الميراث الشرعي.

(4)أموالُ الضمان الاجتماعي تُصرف حسب نظام الجهة التي تصرفها، قال الدكتور نوح سلمان:[الضمان الاجتماعي يوزع حسب القانون الخاص به من قبل الدولة،وليس كما يوزع الميراث؛وذلك لأن الضمان الاجتماعي منحةٌ من الدولة، إذ لم يتملكها المتوفى قبل وفاته، فتوزع حسب القانون الخاص بها.]موقع دار الإفتاء الأردنية.

خامساً: الراتب التقاعدي هو:[مبلغٌ ماليٌ،يستحقه شهرياً،الموظف أو العامل على الدولة أو المؤسسة المختصة بعد انتهاء خدمته بمقتضى القوانين والأنظمة،إذا توافرت الشروط المحددة فيها]زكاة مكافأة نهاية الخدمة ص2،ويُصرف بعد وفاة الموظف للمستحقين الذين تحددهم الجهة التي تصرفه.والراجح من أقوال أهل العلم المعاصرين أن الراتب التقاعدي ليس إرثاً،وإنما يُصرفُ حسب نظام الجهة التي تصرفه.

ورد في المادة(32)من القانون الفلسطيني للتقاعد رقم (7)لسنة 2005م:[الورثة المستحقون هم:
(1)أرملة أو أرامل المشترك.
(2)الأولاد والأخوة أقل من (21) سنة والذين كانوا يعالون من المشترك قبل وفاته.
(3) الأولاد والأخوة ما فوق(21) سنة ودون(26) سنة الذين كانون يعالون من المشترك قبل وفاته،والذين ما زالوا يكملون تعليمهم الجامعي.
(4)الأولاد والأخوة الذين كانوا يعالون من قبل المشترك قبل وفاته والعاجزين عن تحصيل دَخلٍ لأسبابٍ صحية…
(5)البنات والأخوات غير المتزوجات،مطلقات أو أرامل.
(6)والدا المشترك.
(7)زوج المشتركة،إذا كان عند وفاتها غير قادرٍ على كسب الدخل من الناحية الصحية،أو غير قادرٍ على إعالة نفسه،وفقاً لتقرير اللجنة الطبية المشكلة من قبل الهيئة].

وورد في المادة (33)أنه يتوقف صرف الراتب التقاعدي للأرملة عند زواجها،ويعود إليها حقها في الراتب التقاعدي إذا طلقت أو ترملت لأول مرة خلال عشر سنوات من تاريخ زواجها،وإذا كان نصيب الأرملة قد رُدَّ إلى أولاد صاحب المعاش أو الوالدين،فلا يعود إليها من معاشها إلا الجزء الباقي دون ردٍّ].

وواضحٌ أن الاستحقاق في هذا القانون ليس هو الاستحقاق حسب الميراث الشرعي[فالمعاش- الراتب التقاعدي- لا يصرف للورثة وإنما يصرف للمستحقين الذين تتوافر في شأنهم شروط الاستحقاق,فالمستحق في المعاش قد لا يكون وارثاً،كحالة استحقاق الأخوة والأخوات المعالين في المعاش مع الوالدين,كما أن الوارث قد لا يكون بالضرورة مستحقاً في المعاش كالبنت المتزوجة أو الابن البالغ غير العاجز عن الكسب.كما أن توزيع المعاش على المستحقين يتمُّ بنسبٍ تختلف عن نسبِ توزيع المواريث في الشريعة الاسلامية,فنصيبُ الابن في الميراث ضعفُ نصيب البنت,بينما هما متساويان في أنصبتهما في المعاش باعتباره مقابل نفقةٍ,ويسري ذلك في شأن الأخوة والأخوات بصرف النظر عن كونهم أشقاء أو غير أشقاء،كما أن الأخوة والأخوات يشاركون الأبوين في المعاش،ولا يحرمون بوجود الأب كما في الميراث] www.startimes.com/f.aspx?t=23797553

سادساً:مبدأُ التعويض عن الضرر مشروعٌ في الفقه الإسلامي،ولا صحةَ لما يتناقله بعض الناس من أن أَخذَ العِوضِ حرامٌ، فهذا كلامٌ باطلٌ شرعاً،وقد فصَّل العلماء الأسباب الشرعية الموجبة للتعويض المالي،ولا يتسع المقام لتفصيلها،وقد قامت أدلةٌ كثيرةٌ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على أَخذِ التعويض المالي،ووردت آثارٌ عن الصحابة والتابعين،وعمل بهذا المبدأ فقهاءُ الأمة،فمن ذلك قوله تعالى:{وَدِّية مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ}سورة النساء الآية 92.فقد قرر الله جل جلاله مبدأَ التعويض المالي عن قتل النفس المعصومة خطأً،وألحق الفقهاء بذلك الدِّيةَ في القتل العمد وشبه العمد،لما ثبت عندهم من الأدلة في ذلك.

ومن النصوص الدالة على جواز أخذ التعويض المالي قوله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}سورة البقرة الآية 194.وقوله تعالى:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}سورة النحل الآية 126.

ومما يدل على مشروعية التعويض بالمال قصةُ داود وسليمان عليهما السلام في الغنم التي نفشت في الحرث،قال تعالى:{وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}سورة الأنبياء الآيات 78-79.

قال الشوكاني:[فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدِّية والملة الإسلامية؟قلت قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل،وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار،وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمونٌ على أهلها،وهذا الضمانُ هو مقدارُ الذاهب عيناً أو قيمةً،وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث]تفسير فتح القدير 3/ 418.

وأخذُ التعويض ثابتٌ بالسنة النبوية أيضاً،فمن ذلك:(كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن،وقد بين فيه الفرائض والسنن والديات)رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وابن القطان.

وكذلك ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ،فقتلتها وما في بطنها،فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دِّية جنينها عبدٌ أو وليدةٌ،وقضى بدِّية المرأة على عاقلتها)رواه البخاري ومسلم.

وكذلك ثبت التعويض المالي في الاعتداء على الإنسان فيما دون النفس،وهو الاعتداء على الأعضاء كقطع اليد أو الرِجْل،ويسمَّى الأرش عند الفقهاء،وقد ثبت ذلك في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن.

وعن حرام بن محيصة(أن ناقةً للبراء دخلت حائطاً-بستاناً- فأفسدت فيه،فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظَها بالنهار،وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامنٌ على أهلها)رواه أحمد وأبو داود ومالك وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة 1/423.

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادمٍ بقصعةٍ فيها طعامٌ، فضربت بيدها فكسرت القصعة،فضمها وجعل فيها الطعام وقال:كلوا وحبس الرسول صلى الله عليه وسلم القصعةَ حتى فرغوا،فدفع القصعةَ الصحيحة وحبس المكسورة)رواه البخاري.وغير ذلك من الأدلة.

وخلاصة الأمر:

أن التركةَ هي كلُّ ما يُخلِّفه الميتُ من الأموال والحقوق الثابتة مطلقاً،

وأن الدِّيةَ تدخل في التركة،وتشمل الدِّيةُ دِّيةَ النفسِ ودِّيةَ أعضاء الانسان وجراحهِ،

وأنه لا يدخلُ في التركة ما يعطيه الشخصُ وهو حيٌ،وفي كامل قواه العقلية كالهبة والعطية والصدقة والهدِّية،بشرط أن يلحقها القبض،

وأن التعويض المالي من شركات التأمين عن حالات القتل،بمنزلة الدِّية،فيقسم قسمةَ الميراث الشرعي،

وأن مكافأة نهاية الخدمة إذا توفي الموظف وهو على رأس عمله يجري عليها تقسيمُ الميراث الشرعي.

وأن مال التوفير أو الادِّخار في حالة وفاة الموظف،تجري عليه قسمةُ الميراث الشرعي.

وأن الراجح من أقوال أهل العلم المعاصرين أن الراتب التقاعدي ليس إرثاً،وإنما يُصرف حسب نظام الجهة التي تصرفه.

وأن مبدأَ التعويض عن الضرر مشروعٌ في الفقه الإسلامي،ولا صحةَ لما يتناقله بعض الناس من أن أَخذَ العِوضِ حرامٌ،فهذا كلامٌ باطلٌ شرعاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل