تعويضُ المجني عليه عن مدة انقطاعه عن العمل وعن تكاليف العلاج

يقول السائل:ما قولكم في تضمين الجاني مصاريفَ علاج المجني عليه وتعويضه عن مدة انقطاعه عن العمل،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:قرر الفقهاء أن الجناية إذا كانت على النفس عمداً،ففيها القصاص،لأن القتل العمد موجبٌ للقصاص، لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}سورة البقرة الآية 178.

وإذا سقط القصاصُ بعفوٍ أو تعذَّرَ تنفيذهُ كما هو الحال في بلادنا،وجبت الدِّيةُ مغلَّظةً،ولا يجب شيءٌ آخر للورثة مع الدِّية.وكذلك إذا كان القتل خطأً فتجب الدِّيةُ أيضاً،وليس للورثة سواها.

ثانياً:إذا كانت الجناية على ما دون النفس،فأصيب المجني عليه بجراحةٍ في بدنه،فالجراحات في البدن على نوعين:

(1)ما يوجب ديةً مقدرةً،كما في دِية الأطراف المذكورة في حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه،فقد ورد فيه:(…وفي الأنف إذا أُوعب جدعهُ الدِّية،وفي اللسان الدِّية،وفي الشفتين الدِّية،وفي البيضتين الدِّية،وفي الذَّكر الدِّية،وفي الصُّلب الدِّية،وفي العينين الدِّية،وفي الرِجْل الواحدة نصفُ الدِّية،وفي المأمومة ثُلثُ الدِّية،وفي الجائفة ثُلثُ الدِّية،وفي المُنَقِّلة خمس عشرة من الإبل،وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشرٌ من الإبل،وفي السنِّ خمسٌ من الإبل،وفي الموضحة خمسٌ من الإبل)رواه النسائي والدارمي وغيرهما وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي.

ففي هذا النوع الدِّية فقط،وإذا دُفعت أية مصاريف،فتكون من حساب الدِّية.ولا يستحق المجني عليه في هذه الحالة أيَّ تعويضٍ عن مدة انقطاعه عن العمل،ولا عن تكاليف العلاج، وهذا[مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية،والمالكية في قولٍ،والشافعية والحنابلة حيث قالوا:الواجب فيها المقدَّرة فقط،برأت على شَينٍ أم لا؛لأن الشارع أوجب فيها الدِّية ولم يقيدها بحالٍ دون حالٍ،فوجبت له بكل حالٍ.ولا يذكرون مع وجوب الدِّية شيئاً آخر؛لأن الشارع لما قدَّرها لم يذكر معها شيئاً آخر زائداً عليها.

قال الشيخ ابن عابدين الابن:[وفي الفتاوى النعمية لشيخ مشايخنا السائحاني:إذا ضرب يد غيره فكسرها، وعجز عن الكسب،فعلى الضاربِ المداواة والنفقة إلى أن يبرأ،وإذا برئ وتعطلت يدهُ وشُلَّت وجبت دِيتُها،والظاهر أنه يُحسب المصروف من الدِّية] تكملة حاشية رد المحتار 1/130.

وبهذا أفتى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية سابقاً،حيث قال:[وأما أجرة مدة تعطله بالمعالجة شهرين ونفقة تلك المدة وأجرة الطبيب،فلا أعرف استحقاقه الرجوع به على من دعمه-أي صدمه بالسيارة -] وبه قال العلامة الشيخ محمد العثيمين:[لم أجد للأصحاب كلاماً في تضمين الجاني منفعة المجني عليه مدة احتباسه بالجناية،والذي تقتضيه القواعد أن يقال…وأما إن كانت الجناية عمداً،فهذه إن أوجبت قصاصاً أو ديةً مقدرةً أو حكومةً،فليس فيها سوى ما توجبه الجناية،ولا يضمن الجاني سوى ذلك؛لأن الشارع أوجب ذلك في مقابلة ما فات من عضوٍ أو منفعةٍ] المنتقى من فرائد الفوائد ص162.وانظر بحث” هل يضمن الجاني منفعة المجني عليه مدة احتباسه”للشيخ إبراهيم الزغيبي.

وهذا الذي ذكرته يكون في حال أُخذت ديةُ الأعضاء كما قررته الشريعة،وأما إذا تصالح المجني عليه مع الجاني على أكثر من الدِّية،فيجوز تضمن ذلك التعويض عن مدة انقطاعه عن العمل،وعن تكاليف العلاج،لأن الصلح على أكثر من الدِّية جائزٌ،وهو الراجح من قولي العلماء في المسألة،وبه قال جمهور الفقهاء، قال‏ الشيخ ابن قدامة المقدسي:[إن مَنْ له القصاص له أن يُصالح عنه بأكثر من الدِّية وبقدَرِها وأقل منها،لا أعلم فيه خلافاً]المغني 8/363. ويدل على ذلك قوله تعالى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}سورة البقرة الآية 178.

وورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهمٍ بن حذيفة مصَّدقاً-يجمع أموال الزكاة- فلاجَّهُ رجلٌ في صدقته،فضربه أبو جهم،فشجَّه فأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم،فقالوا‏:‏القَوَد يا رسول اللّه،فقال‏:‏لكم كذا وكذا،فلم يرضوا،فقال‏:‏لكم كذا وكذا،فرضوا،فقال‏:‏إني خاطبٌ على الناس ومخبرهم برضاكم،قالوا‏:‏نعم،فخطب فقال:إن هؤلاء الذين أتوني يريدون القَوَدَ،فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا،أفرضيتم قالوا‏:‏لا،فهمَّ المهاجرون بهم،فأمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يكفُّوا عنهم،فكفوا ثم دعاهم فزادهم،فقال‏:‏أفرضيتم،قالوا‏:‏نعم قال‏:‏إني خاطبٌ على الناس ومخبرهم برضاكم،قالوا‏:‏نعم،فخطب فقال‏:‏أرضيتم فقالوا‏:‏نعم‏)‏‏‏رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن النسائي3/990.

(2):الجراحات التي ليس فيها أرشٌ- دية الأعضاء- مُقدرٌ،وهذه يجب فيها حكومةُ عدلٍ،[ومعنى حكومة العدل في أرش الجراحات التي ليس فيها ديةٌ معلومةٌ،أن يُجرح الإنسانُ في بدنه مما يبقى شينُهُ،ولا يبطل العضو،فيُقدرُ الحاكمُ أرشه] الموسوعة الفقهية الكويتية18/68،بتصرف.

وفي هذا النوع يلزم الجاني تعويضَ المجني عليه عن مدة انقطاعه عن العمل،وعن تكاليف العلاج،ويكون ذلك داخلاً في حكومة العدل،وهذا أرجح أقوال العلماء في المسألة،ذكر الفقيه المالكي سحنون:[أن السبعة– فقهاء المدينة السبعة- مع مشيخةٍ سواهم من نظرائهم،أهلُ فقهٍ وفضلٍ،منهم سعيد بن المسيب،وعروة بن الزبير،والقاسم بن محمد،وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام،وخارجة بن زيد ثابت،وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود،وسليمان بن يسار،كانوا يقولون في الجرح فيما دون الموضحة إذا برئ وعاد لهيئته،إنما فيه أجرُ المداوي] المدونة3/398.

وقال الشيخ أحمد زروق المالكي:[الفقهاء السبعة على وجوب أجر الطبيب فيما دون الموضحة من جراح الخطأ،وأخذه بعضهم من قول مالك مرةً بوجوب رفو الثوب وهو أحرى؛لأن الدماء أكبر من الأموال] شرح زروق على الرسالة 2/238.

وعن محمد بن سيرين قال:[إن شريحاً قضى في الكسر إذا انجبر قال:لا يزيده ذلك إلا شدةً،يُعطى أجرَ الطبيب وقدرَ ما شُغل عن صنعته] المحلى10/457.

وقال الحصكفي الحنفي:[وفي جواهر الفتاوى:رجلٌ جرح رجلاً،فعجز المجروح عن الكسب،يجب على الجارح النفقة والمداواة.]الدر المختار شرح تنوير الأبصار 7/129. ويؤيد ذلك[قياسُ المجني عليه الذي حبسته الجنايةُ عن العمل على المحبوس،فكما أنه يلزم الحابسَ ما فات المحبوسَ من منفعةٍ،فكذلك يلزم الجاني ما فات المجني عليه من منفعةٍ بالجناية التي حبسته عن العمل،ويدل عليه أيضاً قاعدة “الضرر يزال”.وأن إلزام الجاني بأجرة المجني عليه مدة احتباسه بالجناية من التعزير بالمال،والتعزير بالمال مشروعٌ.وأن مقتضى العدل،وإحقاق الحق يقتضي المماثلة بين التعويض والضرر،ومقتضى المماثلة التعويض عن جميع الأضرار،ومن ذلك الأجر الذي فات المجني عليه] بحث”هل يضمن الجاني منفعة المجني عليه مدة احتباسه”للشيخ إبراهيم الزغيبي.

وقال د.مصطفى الزرقا:[لا شك في وجوب تحمل الجاني تكاليفَ العلاج الطبي،إذ لولا هذا العلاج ربما حصلت سِرايةٌ في الجراحات قد تتلف النفس] الفعلُ الضارُّ ص 137.

وقال الشيخ د.عبد الله المطلق:[ولعل القول بتحمل نفقات العلاج هو الراجح لما يلي: أولا:أنه ليس مع من منعه نصٌ يجب الوقوف عنده،بل إلى جانب ما تقدم من أنه قول الفقهاء السبعة،فقد قال به أيضاً بعض الصحابة وآخرون من التابعين…وأما الجنايات التي ليس فيها شيءٌ مقدرٌ،فلا أرى هناك ما يمنع من الأخذ بما استحسنه بعض المالكية من لزوم تحمل نفقات العلاج فيها مطلقاً،عملاً بالقاعدة الشرعية:الضرر يزال.حيث إن العلاج وسيلةُ إزالة ضرر الجراحة،وقد ألحق الجاني ضررَ الجراحة بالمجني عليه،فلزمه إزالته بالعلاج؛لا سيما وأنها في الغالب ليست خطيرةً كخطورة ما فيها شيءٌ مقدرٌ.ومن ثَمَّ فإذا برئت الجناية على شينٍ أخذ زيادةً على ذلك الحكومة…وعلى الصحيح عند الحنابلة وأحد الوجهين عند الشافعية يمكن القول بجواز تحمل الجاني لتعطل المجني عليه عن الكسب مدةَ انتظار البرء والحكم بالأرش أو الحكومة] بحث”مسؤولية الجاني عن علاج المجني عليه وضمان تعطله عن العمل”منشور على موقع مجلة البحوث الإسلامية.

ثالثاً:ينبغي أن يُعلم أن تعويضَ المجني عليه عن مدة انقطاعه عن العمل،يكون بحسب نفقته،لا بحسب كسبه وراتبه،ومرجع تقدير النفقة إلى حكومة العدل، قال د.هاني الجبير:[وقال بعض الفقهاء بتضمين الجاني عن تعطُّل المجني عليه عن العمل؛فقد قضى شريحٌ في الكسر إذا انجبر أنه يُعطى أجرة الطبيب،وقدرَ ما شُغل عن صنعته.واختلفوا هل يقدر ذلك بنفقته التي يحتاجها،أو بما فاته من كسبٍ بسبب تعطُّله.وهذا القولُ وجيهٌ،لأنّه قاعدة الشرع أنّ الضرر يزال،ويبقى النظر للقاضي في تقدير ما يجب أن يتحمله الجاني.قال ابن تيمية:[وقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عُمل فيه بالاجتهاد،كما يفعل في قدر قيمته بالاجتهاد،إذ الخرص والتقويم واحد،فإنّ الخرص هو الاجتهاد في معرفة مقدار الشيء،والتقويم هو الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه،وكلاهما يجوز مع الحاجة]الاختيارات الفقهية ص 166.نقلاً عن بحث الجبير”الخطأ الطبي”

وخلاصة الأمر:

أن أن الجناية إذا كانت على النفس عمداً ففيها القصاص، وأنه إذا سقط القصاصُ بعفوٍ أو تعذر تنفيذه كما هو الحال في بلادنا،وجبت الدِّية مغلظةً،ولا يجب شيءٌ آخر للورثة مع الدِّية.

وأن القتل إذا كان خطأً فتجب الدِّية فقط وليس للورثة سواها.

وإذا كانت الجناية على ما دون النفس،فأوجبت ديةً مقدرةً،وجبت الدِّية فقط،وإذا دُفعت أية مصاريف،فتكون من حساب الدِّية.

ولا يستحق المجني عليه في هذه الحالة أي تعويضٍ عن مدة انقطاعه عن العمل ولا عن تكاليف العلاج،إلا إذا تصالح المجني عليه مع الجاني على أكثر من الدِّية،فيجوز تضمن ذلك التعويض عن مدة انقطاعه عن العمل وعن تكاليف العلاج. وأما إذا كانت الجراح ليس فيها أرشٌ مقدرٌ،فيجب فيها حكومة عدلٍ،ويلزم الجاني تعويضَ المجني عليه عن مدة انقطاعه عن العمل،وعن تكاليف العلاج،ويكون ذلك داخلاً في حكومة العدل،على الراجح من أقوال العلماء.

وأن تعويضَ المجني عليه عن مدة انقطاعه عن العمل،يكون بحسب نفقته،لا بحسب كسبه وراتبه،ومرجع تقدير النفقة إلى حكومة العدل.

والله الهادي إلى سواء السبيل