مختصرٌ لأهم أحكام التعامل بالشيكات

يقول السائل:كثُرَ التعاملُ بالشيكات في أيامنا هذه،وأريد ملخصاً لأهم أحكام التعامل بها،يُبين المعاملة المباحة من المحرمة،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً: الشيك هو ورقةٌ مستكملةٌ للشروط القانونية تتضمن أمراً من الساحب للمسحوب عليه بدفع مبلغٍ من المال لحاملها بمجرد الاطلاع.
والتعامل بأصل فكرة الشيك كان معروفاً عند المسلمين من خلال رِقاع الصيارفة والسفتجة والصكوك.ولكن طرأ تطورٌ كبيرٌ على المعاملة بالشيكات،فصارت أنواعاً مختلفةً،وصارت الشيكاتُ قابلةً للتداول بالطرق التجارية،وقامت مقام النقود الورقية في البيع والشراء والديون ونحوها.ويعتبر الشيك في التعامل المعاصر أداةً للوفاء بالحقوق وسداد الالتزامات المالية،فيعتبر الشيك نوعاً من أنواع التوثيق المشروع للدَّين بالكتابة،كما ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي الذي اعتبر الشيكات من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة.وتُخَرَّجُ أحكامُ الشيك في الفقه الإسلامي على أحكام الوكالة والحوالة والصرف وغيرها.وهنالك تعليماتٌ قانونيةٌ ملزمةٌ صادرة عن سلطة النقد الفلسطينية تنظم التعامل بالشيكات.

ثانياً:الأصل في التعامل بالشيكات الجواز،وفق الضوابط الشرعية التي قررتها المجامع الفقهية والفقهاء المعاصرون،ويجب على من يتعامل بالشيكات أن يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بها،وهذا العلم فرضُ عينٍ حيث تتوقف عليه صحة المعاملة، ولا يُعْذرُ المتعاملُ بالشيكات بجهله.ومن أهم أحكام التعامل بالشيكات ما يلي:

(1) لا يجوز شرعاً إصدارُ شيك بدون رصيدٍ مع عدم تغطية المبلغ المرقوم في الشيك قبل تاريخ استحقاقه،لأن ذلك مشتمل على عدة محرماتٍ،كإخلاف الوعد وأكل أموال الناس بالباطل.والأصل في المسلم أن يفي بوعده،وخاصة أن مصدر الشيك إذا كان تاجراً فإنه يكون قد استلم البضاعة، وصاحب البضاعة ما سلَّمها له إلا ثقةً به على أن يستلم ثمن البضاعة حين يأتي تاريخ الشيك المتأخر.وقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالوعد في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}سورة المائدة الآية 1.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب،وإذا أؤتمن خان،وإذا وعد أخلف)رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم:(آية المنافق ثلاث…وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم).كما أن إصدار شيك بدون رصيد مع عدم تغطيته في موعده يُعَدُّ من باب أكل أموال الناس بالباطل،ولا شك في تحريمه،يقول الله تعالى:{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} سورة البقرة الآية 188.
وعن صهيب رضي الله عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أيما رجلٍ يدين ديناً وهو مُجمعٌ على أن لا يوفيه إياه،لقي الله سارقاً)رواه ابن ماجة والبيهقي وصححه العلامة الألباني.
كما أن بعض المتعاملين مع البنوك الربوية يتفقون معها عند إصدارهم شيكات بدون رصيد،على أن يقوم البنك بتغطية قيمة هذه الشيكات التي لا رصيدَ لها واحتساب فوائد ربوية على مبلغ الشيكات،وهذا رباً واضح وهو محرمٌ شرعاً بالنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه.

(2) يجوز التعامل بالشيكات كضمانٍ في الحقوق والالتزامات كما سبق في قرار المجمع الفقهي،بشرط وجود رصيدٍ لها أو تغطية المبلغ المرقوم فيها عند استحقاقه.

(3) يجوز بيع وشراء السلع والعقارات وغيرها بالشيكات الحالَّة والآجلة،ولو زاد ثمن السلعة في الشيك الآجل،وهذه الزيادة ليست من الربا.

(4) يستثنى من البيع والشراء بالشيكات الآجلة الذهب والفضة، فلا يجوز التعامل بهما بالشيكات الآجلة، لأن العملية تكون حيئنذ عقد صرفٍ، ويشترط فيه التقابض باتفاق أهل العلم.

(5) استلام الشيك الحالّ والمصدق بمثابة قبض النقود،وعليه يجوز بيع الذهب والفضة بالشيكات الحالَّة دون الآجلة،لأن استلام الشيك الحالِّ والمصدق بمثابة قبض المبلغ المدون فيه،فقبض الشيك في هذه الحالة يقوم مقام قبض بدل الصرف ذاته.كما في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي:[يقوم استلام الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف].
وكما في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي:[من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً…تسلم الشيك إذا كان له رصيدٌ قابلٌ للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه،وحَجَزَه المصرف]
وورد في المعيار الشرعي رقم (16)المتعلق بالأوراق التجارية:[(6/1)يعتبر تسلم الشيك الحالّ الدفع قبضاً حكمياً لمحتواه إذا كان شيكاً مصرفياً(Banker’s Cheque) أو كان مصدقاً (Certified Cheque) أو في حكم المصدق،وذلك بأن تسحب الشيكات بين المصارف أو بينها وبين فروعها،وبناءً على ذلك يجوز التعامل بالشيك فيما يشترط فيه القبض كصرف العملات،وشراء الذهب أوالفضة به،وجعل الشيك رأس مالٍ للسَّلم.]

(6) لا يجوز بيع الشيك الآجل بأقل من المبلغ المرقوم فيه،لأن ذلك رباً محرمٌ،فإذا كان مبلغ الشيك ألفاً وباعه بتسعمئة وخمسين،فهو بيع دينٍ بنقدٍ مع التفاضل،وعدم التقابض في المجلس،وهو محرمٌ باتفاق العلماء،لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:(قال النبي صلى الله عليه وسلم:الذهب بالذهب والفضة بالفضة،والبّر بالبُر،والشعير بالشعير،والتمر بالتمر والملح بالملح،مثلاً بمثلٍ،يداً بيدٍ،فمن زاد أو استزاد فقد أربى،الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه البخاري ومسلم.

(7) إذا كان الشيك حالاً فلا مانع من أخذ العمولة عليه،كما جرت عادة البنوك والصرَّافين من خصم 1% مثلاً على الشيك، فهذه الصورة تُخَرَّج على أنها وكالة،والوكالة تجوز بأجرٍ،فيجوز ذلك،لأن العمولة التي يأخذها البنك أو الصرَّاف هي أجرة له على التحصيل،فهو وكيلٌ مفوَّضٌ من قبل صاحب الشيك.

(8) يحرم بيع الشيكات التي قد مضى تاريخُ استحقاقها،ولم يستطع الشخصُ تحصيلها فيبيعها بأقل من المبلغ المرقوم فيها،وهو بابٌ من أبواب الربا لما سبق من وجوب التقابض في مجلس العقد.وتحرم المعاملة السابقة أيضاً لما فيها من الغرر نظراً للجهالة في تحصيل قيمتها من مصدرها،فالمشتري لهذه الشيكات المؤجلة قد يُحصِّلها ممن أصدرها،وقد لا يُحصِّلها.
ويمكن الاستعاضة عن بيع هذه الشيكات بأقل من قيمتها بالاتفاق مع من يحصل الشيكات المؤجلة على دفع مبلغٍ متفقٍ عليه بعد أن يقوم بتحصيلها،وهذا ما يسمَّى الجُعالة عند الفقهاء،وهي تسمية مالٍ معلومٍ لمن يعمل للجاعل عملاً مباحاً. وقد قال جمهور أهل العلم بصحة عقد الجُعالة،ويدل على جوازها قوله تعالى:{وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}سورة يوسف الآية 72،
ويدل على جوازها أيضاً ما ورد في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة رُقية أحد المشركين وأخذه جُعلاً على الرقية.وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك،كما رواه البخاري ومسلم.الموسوعة الفقهية الكويتية 15/208.

(9) لا يجوز شرعاً بيع الشيكات المؤجلة بأقل من قيمتها مع اختلاف العملات أيضاً،فمثلاً شيك مؤجل بالدولار يُمنع صرفه بالشيكل سواء كان ذلك بقيمة الدولار أو بأقل من قيمته،لأن بيع الشيك بعملة أخرى هو من باب الصرف ويشترط فيه التقابض في المجلس كما سبق.

(10) قبضُ الشيك الحالّ والمصدق وإيداعه في الحساب بمثابة قبضِ النقود،ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن القبض ما يلي:من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً:

1. القيد المصرفي لمبلغٍ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
أ. إذا أُودعَ في حساب العميل مبلغٌ من المال مباشرةً أو بحوالةٍ مصرفية.
ب. إذا عقد العميل عقْدَ صرفٍ ناجزٍ بينه وبين المصرف في حال شراء عملةٍ بعملةٍ أخرى لحساب العميل.
ج. إذا اقتطع المصرفُ – بأمر العميل – مبلغاً من حسابٍ له إلى حسابٍ آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية. ويُغتفر تأخيرُ القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي،للمُدَد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثرُ القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي.

2. تسلم الشيك إذا كان له رصيدٌ قابلٌ للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحَجَزَه المصرفُ]. مجلة المجمع الفقهي 6/1/453.ومثله ورد في المعيار الشرعي رقم (1)المتعلق بالمتاجرة في العملات.

(11) يجوز رهنُ الشيكات لتوثيق الديون،فإن وفَّى المدين بالحق الذي عليه في موعده أُعيدت له الشيكات،وإن تخلَّف كان من حق المرتهن التصرف بالشيكات واستيفاء حقه منها.انظر أحكام الشيك ص 81.

وخلاصة الأمر أن أصل فكرة الشيك كان معروفاً عند المسلمين من خلال رقاع الصيارفة والسفتجة والصكوك.
ولكن طرأ تطورٌ كبير على المعاملة بالشيكات،
وأن الأصل في التعامل بالشيكات الجواز وفق الضوابط الشرعية التي قررتها المجامع الفقهية والفقهاء المعاصرون،
ويجب على من يتعامل بالشيكات أن يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بها،وهذا العلم فرض عين حيث تتوقف عليه صحة المعاملة ولا يُعذرُ المتعامل بالشيكات بجهله.
وأحكامُ الشيكات كثيرةٌ من أهمها أنه لا يجوز شرعاً إصدارُ شيك بدون رصيدٍ مع عدم تغطية المبلغ المرقوم في الشيك قبل تاريخ استحقاقه،لأن ذلك مشتمل على عدة محرماتٍ.

والله الهادي إلى سواء السبيل