حكمُ الجمعٍ بين الصلاتين بدون إذن الإمام الراتب

يقول السائل:بعد انتهاء صلاة المغرب في المسجد،طلب بعضُ المصلين من الإمام أن يجمع بين الصلاتين بحجة أن الجو باردٌ،فقال إمامُ المسجد لا يوجد عذرٌ يجيزُ الجمع، فقام أحدُ المصلين بإقامة الصلاة، وتقدم وأمَّ بالمصلين صلاة العشاء بدون إذن الإمام الراتب،فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

كثيرٌ من المصلين لا يدركون مكانةَ إمام المسجد ومسؤوليته،فإمامُ المسجد هو الذي يقود المصلين في المسجد، والمأمومون تابعون له،وليس هو تابعاً لهم،قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)

رواه البخاري ومسلم.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[قوله:(إنما جعل الإمام ليؤتم به) قال البيضاوي وغيره: الائتمام الإقتداء والإتباع أي جعل الإمام إماماً ليقتدى به ويتبع, ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه, بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله, ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال]

فتح الباري 2/231.

لذا فإن إمامة الصلاة تعتبر من خيرة الأعمال التي ينبغي أن يتولاها خيرةُ الناس، ذوو الصفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة، قال الإمام أحمد:[ومن الحقِّ الواجب على المسلمين:أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم،أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه]

رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص14.

وقال الإمام السرخسي:[والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم،فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة،فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا أمر أبا بكر رضي الله عنه أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم:إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس]

المبسوط 1/40.

وقال الإمام الماوردي:[ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها،وهي خمسة:القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ،والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها]

الحاوي الكبير 2/352

والأصل في الأحق بالإمامة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة،فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)

رواه مسلم.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)

رواه مسلم.

قال العلماء:الأقرأ هو الأحسن تلاوة وقراءة أو الأكثر قراءة وحفظاً. ومن العلماء من قال الأقرأ هو الأفقه كما روى ابن أبي شيبة عن عطاء قال:”يؤم القوم أفقههم

انظر شرح النووي على صحيح مسلم 2/301 .

ثانياً:

الأصل المقرر عند أهل العلم أنه لا تجوز إقامة صلاة جماعةٍ في المسجد الذي له إمام راتب إلا بإذنه،والإمام الراتب[هو الذي رتَّبه السلطانُ،أو نائبه،أو الواقف،أو جماعة من المسلمين،والإمام الراتب يُقدَّم في إمامة الصلاة على غيره من الحاضرين،وإن اختصَّ غيرهُ بفضيلةٍ،كأن يكون أعلم منه أو أقرأ منه]

الموسوعة الفقهية الكويتية 22/4.

ولا يجوز لأحدٍ أن يفتات على الإمام الراتب .والافتيات هو الاستبداد بالرأي،والسبق بفعلٍ شيء دون استئذان من يجب استئذانه،أو من هو أحقُ منه بالأمر فيه،والتعدي على حق من هو أولى منه.

الموسوعة الفقهية الكويتية 5/280.

والمقصود بالافتيات هنا التعدي على حق الإمام الراتب بأن تقام صلاة جماعةٍ وجمعٍ بين الصلاتين،بدون إذن الإمام الراتب،لأن ذلك يعتبر تعدياً على حق الإمام الراتب،ومخالفةً لنظام المسجد،وباباً من أبواب الفوضى،وتفريقاً لأهل المسجد واختلافهم،
وقد ورد في الحديث عن أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(ولا يؤُمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه،ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَته إلا بإذنه)

رواه مسلم.

والتَكْرِمَتةُ هي الفراش الخاص بصاحب المنزل.

قال الإمام النووي:[قوله صلى الله عليه وسلم:(ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه)، معناه:ما ذكره أصحابنا وغيرهم:أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحقُ من غيره،وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه،وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم،وإن شاء قدَّم من يريده،وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين;لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء]

شرح النووي على صحيح مسلم 2/302.

وقال الطيبي:[أي لا يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه ومحل ولايته أو فيما يملكه أو في محلٍ يكون في حكمه…وتحريره أن الجماعة شُرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم،فإذا أمَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة،وكذلك إذا أمَّه في أهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماع، فلا يتقدم الرجلُ على ذي السلطنة لاسيما في الأعياد والجمعات،على إمام الحي ورب البيت إلا بالإذن]

مشكاة المصابيح 4/95.

وقد أخذ أهل العلم من هذا الحديث أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يفتات على إمام المسجد الراتب،فيقيم جماعةً بدون إذن الإمام الراتب،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وإمام المسجد الراتب أولى من غيره،لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان،وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضاً له‏،وعندها مسجد يُصلي فيه مولىً لابن عمر،فصلى معهم،فسألوه أن يصلي بهم‏،‏فأبى وقال‏:‏صاحب المسجد أحق.ولأنه داخل في قوله‏:‏‏صلى الله عليه وسلم:(‏من زار قوماً فلا يؤمهم)]

المغني 2/151.

ثالثاً:

إذا افتات أحدٌ على الإمام الراتب،وأُقيمت جماعةٌ بدون إذنه،فمن أقامها يدور عمله بين التحريم وبين الكراهة، على الخلاف بين الفقهاء،فقال الحنابلة بتحريم ذلك،وقال الحنفية والشافعية والمالكية بكراهته.ومن أهل العلم من قال ببطلان تلك الصلاة،ومنهم من قال بإجزائها مع الإثم،وهو الذي أميل إليه وأختاره،بشرط أن يكون سبب الجمع بين الصلاتين موجوداً حقيقةً.وأما إن لم يكن عذرُ الجمع موجوداً فعلاً،فتكون الصلاة الثانية- العشاء – باطلةً،لأنه جمعٌ بدون سببٍ.

قال ابن مفلح المقدسي الحنبلي:[تحرم الإمامةُ بمسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذنه،قال أحمد:ليس لهم ذلك. وقال في الخلاف:فقد كره ذلك،قال في الكافي:إلا مع غَيْبَةٍ،والأشهر لا،إلا مع تأخره وضيق الوقت.ويراسل إن تأخر عن وقته المعتاد مع قربه وعدم المشقة.أو لم يظن حضوره،أو ظن ولا يكره ذلك.وإن بعد صلوا،وحيث حرم فظاهره لا تصح. وفي الرعاية لا يؤم،فإن فعل صح ويكره،ويحتمل البطلان للنهي]

الفروع1/581.

وقال الشيخ العلامة محمد العثيمين في شرح قول صاحب زاد المستقنع [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب]أي:إذا كان المسجد له إمامٌ راتب،أي:مُولًّى مِن قِبَلِ المسؤولين،أو مُولًّى مِن قِبَلِ أهلِ الحَيِّ جيران المسجد،فإنَّه أحقُّ الناس بإمامتِهِ،لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم:

(لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه)

ومعلومٌ أنَّ إمامَ المسجدِ سلطانُه،والنهيُ هنا للتحريمِ،فلا يجوزُ للإنسان أن يؤمَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذن الإمام أو عُذره.وكما أن هذا مقتضى الحديث،فهو مقتضى القواعد الشرعية؛لأنه لو ساغ له أن يؤمَّ في مسجد له إمام راتب بدون إذنه أو عذره؛لأدَّى ذلك إلى الفوضى والنزاع.قوله:(إلا بإذنه)أي:إلَّا إذا وَكَّلَهُ توكيلاً خاصاً أو توكيلاً عاماً،فالتوكيل الخاص:أن يقول:يا فلان صَلِّ بالناس،والتوكيل العام أن يقول للجماعة:إذا تأخَّرتُ عن موعدِ الإقامةِ المعتادِ كذا وكذا فصلُّوا.قوله:«أو عذره»العذر مثل:لو عَلِمنا أنَّ إمامَ المسجدِ أصابَه مرضٌ لا يحتمل أن يحضر معه إلى المسجد،فلنا أن نُصلِّيَ،وإنْ لم يأذن.

مسألة:لو أنَّ أهلَ المسجدِ قدَّموا شخصاً يصلِّي بهم بدون إذن الإمامِ ولا عذره وصَلَّى بهم فهل تصحُّ الصلاةُ أو لا تصحُّ؟

فالجواب:في هذا لأهلِ العِلمِ قولان:

القول الأول:أنَّ الصَّلاة تصحُّ مع الإثم.

القول الثاني:أنهم آثمون،ولا تصحُّ صلاتُهم،ويجبُ عليهم أن يُعيدُوها.

والرَّاجح القول الأول،لأنَّ تحريمَ الصَّلاةِ بدون إذن الإمام أو عُذره ظاهرٌ من الحديثِ والتعليل،وأما صِحةُ الصلاةِ؛فالأصلُ الصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على الفسادِ،وتحريمُ الإمامةِ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ بلا إذنِهِ أو عذرِهِ لا يستلزمُ عدمَ صحةِ الصلاةِ؛لأنَّ هذا التحريمَ يعودُ إلى معنًى خارجٍ عن الصلاة وهو الافتيات على الإمام،والتقدُّم على حَقِّهِ،فلا ينبغي أن تُبطل به الصلاةُ.]

الشرح الممتع4/216- 218.

وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي تحت عنوان الافتئات على الإمام الراتب:[يوجد في كثير من الجوامع الكبيرة أناس يفتاتون على الإمام الراتب أي يتقدمون بالصلاة جماعة عليه قبل أن تقام له فيختزلون من الجامع ناحية يؤمون بها أناساً على شاكلتهم رغبة في العجلة أو حباً في الانفراد للشهرة. وقد اتفقت الحنابلة والمالكية على تحريم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب. قالت الحنابلة إلا بإذنه وإلا فلا تصح صلاته كما في الإقناع وشرحه. وقالت المالكية كره إقامتها قبل الراتب وحرم معه ووجب الخروج عند إقامتها للراتب كما في أقرب المسالك، وكره ذلك الشافعية وأفتى ابن حجر بمنعه بتاتاً، وصرح الإمام الماوردي من الشافعية بتحريم ذلك في مسجد له راتب وكره ذلك الحنفية. ولا يخفى أن ما ينشأ عن هذا الإفتئات من المفاسد يقضي بتحريمه لأنه يؤدي إلى التباغض والتشاجر وتفريق كلمة المسلمين والتشيع والتحزب في العبادة، ولمخالفة أمر السلطان أو نائبه لأنه أذن للراتب فقط. ولاتباع الهوى ومضادة حكمة مشروعية الجماعة من الاتحاد للتآلف والتعارف والتعاون على البر والتقوى فإن في تقسيمها تناكر النفوس وتبديل الأنس وحشة، إلى مفاسد أخرى تنتهي إلى قريب الأربعين مفسدة، وقد جمعت في حظر ذلك رسالة سميتها (إقامة الحجة على المصلي جماعة قبل الإمام الراتب من الكتاب والسنة وأقوال سائر أئمة المذاهب) فليحذر من هذه البدعة الشنيعة هدى الله المفتاتين للإقلاع عنها]

إصلاح المساجد عن البدع والعوائد ص 78-79.

رابعاً:

يكثر في مساجدنا التساهلُ في الجمع بين الصلوات بشكلٍ لافتٍ للنظر،حتى سمعنا عن بعض أئمة المساجد من يجمع للمطر المتوقع حسب نشرة الأحوال الجوية!!ومنهم من يجمع بدون عذرٍ لتأليفِ القلوب كما زعموا،ومنهم من يدَّعي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بدون عذرٍ!وهذا محضُ افتراءٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومنهم من يجمع بين الصلاتين مع عدم وجود المطر،أو مع وجود مطر خفيف أو رذاذ أو ريح خفيفة،ومن المصلين من يجمع في بيته منفرداً؟!
والواجب على وزارة الأوقاف أن يكون لها دورٌ لوقف هذا التلاعب في فريضة الصلاة،وأن ترشد أئمة المساجد وتبين لها حالات الجمع الصحيحة وتلزمهم بها،حتى تتوقف هذه الفوضى الموجودة في كثير من مساجدنا.
ولا بد من التنبيه إلى أن الجمع بين الصلاتين يكون من أجل المحافظة على صلاة الجماعة في المساجد،وليس في البيوت، أو في محل العمل.وأن الجمع يكون لرفع الحرج ودفع المشقة عن المصلين في بيوت الله عز وجل،قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[الأحاديث كلها تدل على أنه-صلى الله عليه وسلم-جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته،فيباح الجمع إذا كان في تركه حرجٌ قد رفعه الله عن الأمة‏]

مجموع الفتاوى24/85.

ويجب أن يُعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذرٍ شرعي،فجمعهُ باطلٌ،أي أن صلاته الثانية باطلةٌ،لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً،فدخولُ الوقت شرطٌ من شروط صحة الصلاة،والأصل في الصلوات الخمس أن تُصلَّى كل منها في وقتها الشرعي،قال الله تعالى:

{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}

سورة النساء الآية103

.وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذرٍ شرعي،فقد ارتكب حراماً،بل كبيرةً من كبائر الذنوب،كما نص على ذلك ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر1/288-289.

وخلاصة الأمر أن لإمام المسجد مكانة عظيمة،فإمامُ المسجد هو الذي يقود المصلين،والمأمومون تابعون له،وليس هو تابعاً لهم،وأن الأصل المقرر عند العلماء أنه لا تجوز إقامة صلاة جمعٍ في المسجد الذي له إمامٌ راتبٌ إلا بإذنه،وأنه إذا افتات أحدٌ على الإمام الراتب،وأُقيمت صلاة جمعٍ بدون إذنه،فمن أقامها يدور عمله بين التحريم وبين الكراهة،ومن العلماء من قال ببطلان تلك الصلاة،ومنهم من قال بإجزائها مع الإثم،وهو الذي أميل إليه وأختاره،بشرط أن يكون سبب الجمع بين الصلاتين موجوداً حقيقةً.وأما إن لم يكن عذرُ الجمع موجوداً فعلاً،فتكون الصلاة الثانية باطلةً،لأنه جمعٌ بدون سببٍ.

والله الهادي إلى سواء السبيل