التأمين العائلي الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هو البديل الشرعي للتأمين على الحياة المحرم شرعاً

يقول السائل:ما قولكم في التأمين العائلي التكافلي، وهل يقوم مقام التأمين على الحياة المعروف لدى شركات التأمين التجارية،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

عقد التأمين على الحياة التجاري أو التقليدي ، هو عقد معاوضة، يلتزم فيه المؤمن – شركة التأمين التجاري- بأن يدفع للمستأمن أو إلى المستفيد الذي يُعينه المستأمن مبلغاً متفقاً عليه مسبقاً ، عند وقوع الوفاة ، أو عند بلوغ المستأمن سناً معينة ، أو غير ذلك ، وذلك مقابل أقساطٍ دوريةٍ يدفعها المسـتأمن.
والتأمين التجاري التقليدي، عقدُ معاوضةٍ ماليةٍ هدفهُ الربحُ من أقساط التأمين ، وتُطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يُؤثر فيها الغرر.
وحكمُ التأمين التقليدي أنه عقدٌ باطلٌ ومحرمٌ شرعاً بكافة أشكاله، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد، ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة، ولاشتماله على شروطٍ باطلةٍ، وهو محرمٌ شرعاً عند أكثر العلماء المعاصرين، وصدرت قراراتٌ شرعيةٌ بتحريمه عن المجمع الفقهي الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وعن هيئة كبار العلماء السعودية، وعن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وغيرها.والغرر هو المجهول العاقبة أي ما خفيت عاقبته، وطُويت مغبته، وانطوى أمرُهُ، والغررُ منهيٌ عنه شرعاً، لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:

(نهى رسولُ الله صلى عليه وسلم عن بيع الغرر )

رواه مسلم.

قال الباجي المالكي:[ نهيه صلّى اله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فسادَه، ومعنى بيع الغرر – واله أعلم – ما كثرُ فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يُوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه ]

المنتقى5/41.

ولا شك أن البديل عن التأمين التجاري هو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني ، لموافقته لأحكام الشرع ، وهذا ما اتفق عليه علماء العصر ، وأقرته الهيئاتُ العلمية المعتبرة ، والمجامع الفقهية ، وهيئات الرقابة الشرعية في شركات التأمين الإسلامي ، وغيرها، ومن ذلك قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي سنة 1406هـ/1985م وجاء فيه ما يلي:[

(1) إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقدٌ فيه غررٌ كبيرٌ مفسدٌ للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعاً.
(2) إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقدُ التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني.
(3) دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة]

مجلة المجمع عدد2، ج2/731.

وينبغي أن يُعلم أن التأمين على الحياة، هو جزءٌ من التأمين التجاري، وله صورٌ عديدةٌ وفق ما تتعامل به شركات التأمين التجاري،وقد اتفق العلماء والجهات العلمية التي سبق ذكرها على تحريمه ما دام أن الجهات المنظمة له هي شركات التأمين التجاري.

ثانياً:

التأمين الإسلامي هو اتفاق أشخاصٍ يتعرضون لأخطارٍ معينةٍ على تلافي الأضرار الناشئة عن هذه الأخطار، وذلك بدفع اشتراكاتٍ على أساس الالتزام بالتبرع، ويتكون من ذلك صندوقُ تأمينٍ له حكم الشخصية الاعتبارية، وله ذمةٌ ماليةٌ مستقلةٌ، صندوقٌ يتم منه التعويض عن الأضرار التي تلحق أحدَ المشتركين من جراء وقوع الأخطار المؤَمَّن منها، وذلك طبقاً للوائح والوثائق. ويتولى إدارة هذا الصندوق هيئةٌ مختارةٌ من حملة الوثائق، أو تديره شركةٌ مساهمةٌ بأجرٍ تقوم بإدارة أعمال التأمين واستثمار موجودات الصندوق.وأما التأمين التقليدي فهو عقدُ معاوضةٍ ماليةٍ يستهدف الربح من التأمين نفسه، وتطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يؤثر فيها الغرر.

كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436.

ثالثاً:

حكم التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هو الجواز وفقاً للضوابط الشرعية، وقد أفتى بجوازه عددٌ كبيرٌ من علماء العصر ، وعددٌ من المجامع الفقهية ،والهيئاتُ العلميةُ الشرعيةُ، كالمجمع الفقهي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في السعودية، والمؤتمر الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة سنة 1396هـ، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث وغيرها.
[والتكييف الفقهي للتأمين الإسلامي يقوم على أساس الالتزام بالتبرع من المشتركين لمصلحتهم، وحماية مجموعهم، بدفع اشتراكاتٍ يتكون منها صندوق التأمين، الذي تديره هيئة مختارة من حملة الوثائق، أو تديره الشركة المساهمة المرخص لها بممارسة خدمات التأمين، على أساس الوكالة بأجر، وتقوم الهيئة المختارة من حملة الوثائق أو الشركة باستثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة أو الوكالة بالاستثمار. وتختصُ الشركة المساهمة المديرة للتأمين برأس مالها وعوائده، والأجر الذي تأخذه عن الوكالة، ونسبتها المحددة من الربح المحقق عن استثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة، أو الأجر المحدد على أساس الوكالة بالاستثمار، وتتحمل الشركة جميع مصروفاتها الخاصة بأعمالها، ومن تلك المصروفات مصروفات استثمار موجودات التأمين. ويختصُ صندوقُ حملة الوثائق بالاشتراكات وعوائدها، وما يتمُّ تكوينُه من مخصصاتٍ واحتياطاتٍ متعلقةٍ بالتأمين وبالفائض التأميني، ويتحملون جميع المصروفات المباشرة المتعلقة بإدارة عمليات التأمين.
وفي التأمين الإسلامي ثلاثُ علاقاتٍ تعاقدية:

(أ) علاقة المشاركة بين المساهمين التي تتكون بها الشركة من خلال النظام الأساسي وما يتصل به، وهي عقدُ المشاركة إذا كانت تديره الشركة.
(ب) العلاقة بين الشركة وبين صندوق حملة الوثائق، وهي علاقة الوكالة من حيث الإدارة، أما من حيث الاستثمار فهي علاقة مضاربة، أو وكالة بالاستثمار.
(ج) العلاقة بين حملة الوثائق وبين الصندوق عند الاشتراك، هي علاقة التزام بالتبرع ، والعلاقة بين المستفيد وبين الصندوق عند التعويض ، هي علاقة التزام الصندوق بتغطية الضرر حسب الوثائق واللوائح.
ويقوم التأمين الإسلامي على المبادئ والأسس الشرعية الآتية التي يجب أن يُنَص عليها في النظام الأساسي للشركة، أو في اللوائح، أو في الوثائق:

(1) الالتزام بالتبرع: حيث يُنص على أن المشترك يتبرع بالاشتراك وعوائده لحساب التأمين لدفع التعويضات ، وقد يلتزم بتحمل ما قد يقع من عجزٍ حسب اللوائح المعتمدة.
(2) قيامُ الشركة المنظمة للتأمين بإنشاء حسابين منفصلين ، أحدهما خاصٌ بالشركة نفسها: حقوقها والتزاماتها، والآخر خاصٌ بصندوق (حملة الوثائق) حقوقهم والتزاماتهم.
(3)الشركةُ وكيلةٌ في إدارة حساب التأمين، ومضاربةٌ أو وكيلةٌ في استثمار موجودات التأمين.
(4)يختص حساب التأمين بموجودات التأمين وعوائد استثماراتها، كما أنه يتحمل التزاماتها.
(5)يجوز أن تشتمل اللوائح المعتمدة على التصرف في الفائض بما فيه المصلحة حسب اللوائح المعتمدة مثل تكوين الاحتياطيات، أو تخفيض الاشتراكات، أو التبرع به لجهاتٍ خيرية، أو توزيعه أو جزءٍ منه على المشتركين ، على أن لا تستحق الشركة المديرة شيئاً من ذلك الفائض.
(6)صرفُ جميع المخصصات المتعلقة بالتأمين، والفوائض المتراكمة في وجوه الخير عند تصفية الشركة.
(7)أفضلية مشاركة حملة الوثائق في إدارة عمليات التأمين من خلال إيجاد صيغة قانونية مناسبة لممارسة حقهم في الرقابة، وحماية مصالحهم، مثل تمثيلهم في مجلس الإدارة.
(8)التزام الشركة بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في كل أنشطتها واستثماراتها، وبخاصة عدم التأمين على المحرمات، أو على أغراض محرمة شرعاً.
(9)تعيينُ هيئة رقابةٍ شرعيةٍ تكون فتاواها ملزمةً للشركة، ووجود إدارة رقابة وتدقيق شرعي داخلي]

انظر المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436-437.

خامساً:

التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني نوعان:

أولهما: تأمينٌ على الأشياء من المخاطر والأضرار، كالتأمين ضد حوادث السيارات وضد السرقة والحريق وغيرها. وثانيهما:تأمينٌ على الأشخاص، ويُقصد به التأمين ضد الأخطار التي تصيب الفردَ أو الشخصَ أو تهدد حياته أو تهدد أمن أسرته أو عائلته، ومحل عقد التأمين فيه هو الشخص أو العائلة، وهو من العقود طويلة الأجل غالباً، ويهدف إلى مساعدة المشترك على الحصول على عائدٍ كبيرٍ في المستقبل، ويدخل في هذا النوع التأمينات الاجتماعية والتأمين التكافلي العائلي.
والتأمينات الاجتماعية تفرضها الدولةُ غالباً وتشرفُ عليها لصالح العاملين داخل الدولة ضد أخطار معينة: كالموت، والهرم، والعجز عن العمل التي يتعرض لها العاملون، وليس هذا محل بحثه.
وأما التأمين التكافلي العائلي فيقصدُ به تأمينُ الفرد أو العائلة من الأخطار التي تهدد حياته في جميع ما يتعلق بشئون حياته أو سلامة جسمه أو صحته أو شيخوخته ، وهذا النوع من التأمين لا يقوم على التعويض عن الضرر الفعلي كما هو الحال في التأمين على الأشياء ، لأنه يغطي الأضرار المعنوية المتوقعة، وهي غير محددةٍ ، ويحدث بعضُها في المستقبل.

انظر التأمين التكافلي العائلي، د. محمود السرطاوي

ويدخل تحته التأمين العائلي التكافلي،وهو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري ، وهو مشروعٌ حيث إنه يدخل تحت الأدلة العامة التي أجازت أصله ، وهو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، وبيان ذلك فيما يلي:

(1) يقوم التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني على مبدأ التعاون والتكافل، وهو مبدأٌ شرعيٌ أصيلٌ قامت عليه عشراتُ الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى:

{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}

سورة المائدة الآية 2

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:

( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم- في ثوبٍ واحدٍ ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم )

رواه البخاري ومسلم

ومعنى أرملوا ، أي فنيَ طعامُهم أو قارب. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:

( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في عون أخيه كان الله في عونه إلى يوم القيامة، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج اللهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة )

رواه مسلم.

وقال النبي صلّى الله عليه وسلم:

( مَثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم ، كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى) 

رواه مسلم.

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:

( المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضَاً )

رواه مسلم.

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:

( واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )

رواه مسلم.

وغير ذلك من النصوص.

(2) إن التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني من عقود التبرع التي يُقصد بها أصالةً التعاون على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التعاوني تأخذ صفة التبرع، وهو تبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رحمه الله. وعلى هذا يكون العضو ملتزماً بدفع القسط بمجرد توقيعه على العقد، وبالتالي يكون الأعضاء متبرعين بالأقساط التي يدفعونها، وبعوائد استثمار هذه الأقساط، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم. كما يتضمن التوقيعُ على وثيقة التأمين قَبولَ العضو للتبرع من مجموع أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائدها الاستثمارية وفقاً لأحكام وثيقة التأمين والنظام الأساسي للشركة حسب أحكام الشريعة الإسلامية، والعضو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملةً ، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات…ولا مانع أن يُحقق التأمين التعاوني أرباحاً من خلال استثمار الأرصدة المجتمعة لديه استثماراً مشروعاً، والممنوع هو أن تكون الغاية المعاوضة والاسترباح ، لا مجرد تحقيق الأرباح ] التأمين التعاوني الإسلامي، د. صالح بن حميد، عن الإنترنت.
(3) تخلو عقود التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني من الربا بنوعيه:ربا الفضل وربا النسيئة، فعقود المساهمين ليست ربويةً، ولا يُستغلُ ما جُمع من الأقساط في معاملاتٍ ربويةٍ ، بل في معاملاتٍ جائزةٍ شرعاً، بل يجب أن يَنُص نظامُ شركات التأمين التكافلي على عدم التعامل بالربا . التأمين الإسلامي د. علي القرة داغي، ص 210.
(4) التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني يعتمد على أقساط التأمين المحصلة، وعلى استثمارها في أمورٍ مشروعةٍ تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة، ويتم دفع التعويضات من ذلك. كما أن شركة التأمين الإسلامي لا تتملك أقساط التأمين ، وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين وهو حقٌ للمشتركين، وتقوم شركة التأمين الإسلامي بإدارة الحساب نيابة عنهم.
(5) الفائضُ في التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، يعود إلى مجموع المؤمنين ، ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين الإسلامي تأخذ حصةً من الفائض ، إما باعتبارها وكيلةً بأجرٍ أو باعتبارها مضارباً.
(6) تحتفظ شركة التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني بحسابين منفصلين، أحدُهما لاستثمار رأس المال، والآخر لحسابات أموال التأمين.
(7) شركات التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هي شركاتُ خدماتٍ، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابةً عن هيئة المشتركين، وعلاقة الشركة بهيئة المشتركين علاقةُ معاوضةٍ، فهي الأمينة على أموال التأمين، وتقوم بالإدارة نيابة عن هيئة المشتركين، والعوض الذي تأخذه الشركة مبلغٌ مقطوعٌ، أو نسبةٌ من الأقساط التي تجمعها، أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلاً، أو نسبةٌ معلومةٌ من عائد الاستثمار باعتبارها مضارباً، أو هما معاً ] التأمين التعاوني الإسلامي د. صالح بن حميد.
(8) تخضع جميع أعمال شركة التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني للتدقيق من هيئة رقابةٍ شرعيةٍ للنظر في مدى توافقها مع الأحكام الشرعية.

وأما بخصوص التأمين العائلي التكافلي البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري ، فقد ناقشته عدةُ هيئاتٍ علميةٍ شرعيةٍ، وأقرت العملَ به وفق ضوابط شرعية ، ومن ذلك ما صدر عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي سنة 1413هـ 1993م حيث ناقشت حكم التأمين على الحياة وأساس الفكرة ونحوهما وصدرت منها بعض الفتاوى والتوصيات المهمة ومنها:

[ التأمين على الحياة :

إن التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هو من المعاملات الممنوعة شرعاً ، لاشتماله على الغرر الكثير والربا والجهالة . لا مانع شرعاً من التأمين على الحياة إذا أقيم على أساس التأمين التعاوني ( التكافل ) وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساطٍ غير مرتجعة وتنظيم تغطية الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض ، وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين. والمبدأ الذي يقوم عليه لا يتعارض معه نصوص الشريعة وقواعدها العامة.]

ومن ذلك أيضاً ما ورد في المعيار الشرعي رقم (26) المتعلق بالتأمين الإسلامي الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حيث وضع له ضوابط شرعية معينة.انظر كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436.

وللتأمين العائلي التكافلي البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري عدة صورٍ منها :

(1) التأمين العُمْري لصالح الورثة جميعاً،بدفع رواتب شهرية وسنوية لهم ما داموا أحياء بعد موت دافع الأقساط .

(2) التأمين لصالح الورثة جميعاً ، بدفع رواتب لهم لمدة معينة كعشر سنوات – إن عاشوا – بعد موت دافع الأقساط.

(3) التأمين لصالح الورثة جميعاً، بدفع المحدد المتفق عليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط .

(4) التأمين لصالح أحد الورثة – مع مبرر مشروع للتخصيص- بدفع رواتب له ما دام حياً بعد موت دافع الأقساط .

(5) التأمين لصالح أحد الورثة بدفع رواتب له لمدة محددة كعشر سنوات إن عاش بعد موت دافع الأقساط هذه المدة أو بقدرها.

(6) التأمين لصالح أحد الورثة بدفع مبلغ التأمين إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط .

(7) التأمين لصالح الأجنبي بدفع رواتب له مدة حياته بعد موت دافع الأقساط .

(8) التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع رواتب له لمدة عشر سنوات مثلاً إن عاش بعد موت دافع الأقساط .

(9)التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع مبلغ التأمين المتفق عليه إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط مباشرةً إن كان حياً. ]

سادساً:

[ هنالك بعض أوجه الاختلاف بين التأمين التكافلي العائلي والتأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء كالتأمين على السيارات مثلاً وهي:
1- التعويض في التأمين على الأشياء يكون عن الضرر الفعلي، ومن المعلوم أن تعويض الضرر يكون بإيجاب المثل، فإن تعذر المثلُ فيكون تعويضه بالقيمة، وهذا يمكن تطبيقه على التأمين التعاوني على الأشياء، حيث يمكن معرفة الضرر الفعلي الذي وقع على الأشياء محل التأمين ويمكن تعويضه بالمثل أو القيمة، في حين أن الضرر الناتج عن فقد النفس أو تلف العضو أو العجز الكلي أو العجز الجزئي يتعذر تعويضه بالمثل أو بالقيمة.
2- إن الضرر في التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء هو ضررٌ ماديٌ يمكن ملاحظته وتقديره ، وأما الضررُ في التأمين التكافلي العائلي فهو ضررٌ معنوي يتعذر تقديره.
3- إن الضرر في التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء يخضع للإثبات، ويشترط لاستحقاق التعويض فيه إثباته بكافة وسائل الإثبات، وأما الضرر في التأمين التكافلي العائلي – التأمين على الأشخاص – لا يخضع للإثبات، فهو مفترضٌ افتراضاً، ولا يقبل إثبات العكس، فورثة المشترك أو من نُصَّ عليهم في وثيقة التأمين يستحقون مبلغ التأمين دون حاجةٍ إلى إثبات أن ضرراً ما قد أصابهم من جراء موت المشترك بالتأمين.
4- إن مبلغ التأمين في التأمين التكافلي العائلي – التأمين على الأشخاص – يُدفع لهم معونةً وجبراً لمن أصيبوا بموت عائلهم، أو لإغاثة من أصيب بعجزٍ كلي أو عجزٍ جزئي ، وليس على سبيل التعويض عن ضررٍ كما سبق بيان ذلك، ولهذا يسمي بعض العلماء التأمين التكافلي العائلي – عقد المواساة -. فعقد التأمين التكافلي العائلي – المواساة – لا يُقصد منه الكسب أو الاسترباح، وإنما يُقصد به ترميم آثار مصيبة الموت أو عجزٍ على أساسٍ من التعاون والتكافل، فالحياةُ بيد واهبها ، وعليه فإن مستحق التأمين –المستفيد – ليس له طلبُ زيادة المبلغ ، حتى لو أثبت أن الضررَ الذي أصابه أكبرُ من مبلغ التأمين، وهذا يعني أن التأمين في هذا العقد ليس له صفة تعويضية، بخلاف التأمين على الأشياء ، فإن صفته الأساسية هي التعويض وليس الجبر والمواساة.
5- إن الأقساط المحددة في وثيقة التأمين التكافلي العائلي يمكن إسقاطُها أو التنازلُ عنها أو قيامُ هيئة المشتركين بدفعها نيابةً عن المشترك في حالاتٍ خاصةٍ يُنص عليها في نظام التأمين أو وثيقة التأمين، كحالات الموت أو العجز أو المرض وبلوغ سن معينة أو تحمل أعباء غير عادية. أما أقساط التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء فهي مستحقة وفق العقد.
6- إن مما هو مقررٌ ومتفقٌ عليه عند العلماء القائلين بالتأمين التكافلي العائلي أن قسط التأمين هو تبرعٌ محضٌ، وعليه فإنه لا يرجع على المشترك فيه أيُ عائدٍ من الفائض التأميني،بينما يُوزع الفائض التأميني في التأمين التعاوني على الأشياء على المشتركين]

انظر التأمين التكافلي العائلي، د. محمود السرطاوي

سابعاَ:

يظن بعضُ الناس أن فكرة التأمين على الحياة تصادمُ عقيدةَ القضاء والقدر، وتصادمُ عقيدةَ التوكل على الله عز وجل ، وهذا الظنُّ غيرُ صحيحٍ، قال د. علي القره داغي:

[ هل يصطدم التأمين على الحياة مع العقيدة ؟

ونحن هنا نتحدث بإيجازٍ شديدٍ عن أصل فكرة التأمين على الحياة ، وأنه لا يصطدم مع العقيدة أو التوكل على الله ، لأنه من الطبيعي بل من الفطرة السليمة أن يبحث الإنسان بعد التوكل على الله تعالى عن مستقبل أولاده وورثته ويسعى جاهداً في أن يتركهم أغنياء متعففين لا فقراء متسولين ، وفي الأخذ بكل الأسباب التي توفر الحماية لهم من شرور العوز والفاقة والحاجة. وهذا ما أرشد إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه سعد بن أبي وقاص الموافقة على أن يتبرع بجميع أمواله ، فلم يقبل حتى وصل إلى الثلث فقال:

( الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أَن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس ما في أيديهم )

رواه البخاري ومسلم.

وكذلك تفكير الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه في الأجيال اللاحقة وتضمين مستقبلهم من خلال ترتيب موردٍ ماليٍ مستمرٍ، حيث لم يقسم الأراضي المفتوحة في العراق والشام على المجاهدين ، وإنما أبقاها في أيدي أهلها ، ولكنه فرض عليهم خراجاً ليكون مصدراً دائماً لدخل بيت مال المسلمين وقد اعتمد في ذلك على قول الله تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}

سورة الحشر الآية 10

حيث جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:{وَمَا أَفَاء اللَّهُ…}سورة الحشر الآية 6

حيث قسم الله تعالى الفيءَ على المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد قال عمر رضي الله عنه:

( والله لا يُفتح بعدي بلدٌ فيكون فيه كبيرُ نَيلٍ، بل عسى أن يكون كلاًّ على المسلمين فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام ، فما يُسد به الثغور ؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره ) كتاب الخراج لأبي يوسف ص 24-25. إذن تبين لنا أن التفكير في مستقبل الأولاد والسعي لتحقيق رواتب التعاقد لهم ، أو ترتيب شيء من الحماية والضمان من خلال التأمين التكافلي كل ذلك جزءٌ من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله تعالى بها ، وأنه من قدر الله ، كما أن الموت من قدر الله ، وبالتالي فليس فيه ما يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر ، وإنما المهم هو أن تكون تلك العقود والوثائق المنتظمة لهذه العملية مشروعةً، لا تتعارض مع النصوص الشرعية والمبادئ العامة للدين الحنيف الذي جعل الله من أهم دعائمه التعاون على البر والتقوى.]

القرة داغي بتصرف

تاسعاً: [ إن الهدف الأساسي للتأمين التكافلي هو تجنب محظورات التأمين التجاري ، وفي نفس الوقت الوصول إلى صيغٍ تكون فيها خدمة المؤَمّنين مساوية لشركات التأمين التجاري أو أفضل منها من بعض الوجوه، وبخاصة إذا كانت شركة المضاربة لها نشاطٌ تجاريٌ غير التأمين في البلاد التي تسمح قوانينها بذلك. ويتميز التأمين التكافلي أساساً بأن الاشتراكات أو الأقساط التي يدفعها المؤمَّن لهم قد تكون متغيرة حسب نتائج أعمال كل سنة، فللهيئة الحقُ في مطالبة أعضائها بأنصبتهم في العجز في الاشتراكات المحصلة عن التعويضات والمصروفات الفعلية، كما أن للأعضاء الحق في استرداد الفائض إن وجد. وقد يكون ذلك من حيث المبدأ فقط بدفع نسبةٍ مقدرةٍ فقط تمثل الحدَّ الأقصى المقدر للاشتراك، أو أن يتم دفع اشتراكٍ ثابتٍ فعلاً، لتتماشى والطريقة المثلى في الشرع ، إلا أنهم في الواقع وفي الغالب إنما يدفعون قسطاً ثابتاً.]

التأمين التعاوني والتأمين التجاري

وخلاصة الأمر أن التأمين التقليدي عقدٌ باطلٌ ومحرمٌ شرعاً بكافة أشكاله،لاشتماله على الغرر المفسد للعقد،ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة،ولاشتماله على شروطٍ باطلةٍ،وأن التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني جائزٌ وفقاً للضوابط الشرعية،وقد أفتى بجوازه عددٌ كبيرٌ من علماء العصر،وعددٌ من المجامع الفقهية،والهيئاتُ العلميةُ الشرعيةُ وأن التأمين الإسلامي نوعان:تأمينٌ على الأشياء من المخاطر والأضرار وتأمينٌ على الأشخاص وأن التأمين العائلي التكافلي،هو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري،وهو مشروعٌ حيث إنه يدخل تحت الأدلة العامة التي أجازت أصله،وهو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني وأن الظن بأن فكرة التأمين على الحياة تصادمُ عقيدةَ القضاء والقدر،وتصادمُ عقيدةَ التوكل على الله عز وجل، ظنُّ غيرُ صحيحٍ.
والله الهادي إلى سواء السبيل