حكم توكيل البنك الإسلامي للمشتري في المرابحة بشراء السلعة

يقول السائل:إنه تقدم بطلبٍ لشراء بضاعةٍ مرابحةً من البنك الإسلامي الفلسطيني،ومصدر البيع داخل الخط الأخضر،ونظراً لصعوبة وصول موظف البنك للبائع،أعطاه البنكُ توكيلاً بشراء البضاعة للبنك،فما حكم هذه الوكالة،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

الوكالة من العقود جائزة شرعاً على الراجح من أقوال أهل العلم،والتوكيل أن يفوض الشخصُ التصرفَ إلى غيره،وسمي الوكيل وكيلاً لأن موكله قد فوض إليه القيام بأمره،فهو موكول إليه الأمر،وعرف الحنفية الوكالة بأنها إقامة الغير مقام نفسه في تصرفٍ جائزٍ معلومٍ.

حاشية ابن عابدين4/400

وجاء في مجلة الأحكام العدلية المادة رقم (1449):الوكالة هي تفويض أحدٍ في شغلٍ لآخر وإقامته مقامه في ذلك الشغل،ويقال لذلك الشخص موكل،ولمن أقامه وكيل،ولذلك الأمر موكلٌ به.وقد اتفق الفقهاء على أن الوكالة جائزة ومشروعة،واستدلوا على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى:

{فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً}

سورة الكهف الآية 19.

وبقوله تعالى:

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}

سورة النساء الآية 35.

وعن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشتري له به شاةً،فاشترى له به شاتين،فباع إحداهما بدينار،فجاء بدينارٍ وشاةٍ،فدعا له بالبركة في بيعه،وكان لو اشترى التراب لربح فيه

رواه البخاري.

وعن جابر رضي الله عنهما قال:

(أردت الخروج إلى خيبر،فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمتُ عليه،وقلت له:إني أردت الخروج إلى خيبر،فقال:إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً،فإن ابتغى منك آيةً فضع يدك على ترقوته)

رواه أبو داود والدارقطني،وحسَّنَ إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير3/51.

وعن أبي رافع رضي الله عنه قال:

(تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة رضي الله عنها وهو حلال،وبنى بها وهو حلال،وكنت أنا الرسول بينهما)

رواه الترمذي وحسنه.

وقد أجمع الفقهاء على جواز الوكالة ومشروعيتها منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا،ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين.انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 45/5-8.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة،ولأن الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك،فإنه لا يمكن كل واحدٍ فعل ما يحتاج إليه‏,‏ فدعت الحاجة إليها‏‏]المغني5/201.

ثانياً:

المصارف الإسلامية هي البديل الشرعي للبنوك الربوية،والمصارف الإسلامية تحرز تقدماً مطرداً في نموها وفي إقبال الناس عليها،وإزاء ذلك مطلوبٌ من المصارف الإسلامية أن تُنَوع معاملاتها،ولا تقتصر على المرابحات،والمصرفية الإسلامية غنيةٌ في صور التمويل والاستثمار،كالمضاربة والمشاركة والسلم والاستصناع وغيرها.
وقد أوصى بذلك مجمع الفقه الإسلامي في مؤتمره الثامن:[التقليل ما أمكن من استخدام أسلوب المرابحة للآمر بالشراء وقصرها على التطبيقات التي تقع تحت رقابة المصرف ويؤمن فيها وقوع المخالفة للقواعد الشرعية التي تحكمها.والتوسع في مختلف الصيغ الاستثمارية الأخرى من المضاربة والمشاركات والتأجير،مع الاهتمام بالمتابعة والتقويم الدوري،وينبغي الاستفادة من مختلف الحالات المقبولة في المضاربة مما يتيح ضبط عمل المضاربة ودقة المحاسبة لنتائجها].

ثالثاً:

بيع المرابحة عند الفقهاء هو بيعٌ بمثل الثمن الأول مع زيادة ربحٍ.وصورة بيع المرابحة المستعملة الآن في البنوك الإسلامية هي:أن يتفق العميل والبنك على أن يقوم العميلُ بشراء البضاعة بربحٍ معلومٍ بعد شراء البنك لها،وهذه الصورة هي المسمَّاة ببيع المرابحة للآمر بالشراء،فيجوز شرعاً للبنك الإسلامي أن يشتري السلعة بناءً على رغبة عميله وطلبه ما دام أن ذلك متفقٌ مع الضوابط الشرعية لعقد البيع.
ومن أهم الضوابط الشرعية لبيع المرابحة هو تملك البنك للسلعة تملكاً حقيقياً،جاء في معيار المرابحة:[يحرم على المؤسسة أن تبيع سلعةً بالمرابحة قبل تملكها لها.فلا يصح توقيع عقد المرابحة مع العميل قبل التعاقد مع البائع الأول لشراء السلعة موضوع المرابحة،وقبضها حقيقةً أو حكماً بالتمكين أو تسليم المستندات المخولة بالقبض…يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء]المعيار الشرعي رقم 8 من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.
وما ورد في المعيار السابق من أنه يحرم البيع قبل التملك،وأنه يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضاً حقيقياً أو حكمياً قبل بيعها لعميلها بالمرابحة للآمر بالشراء، فهو مبنيٌ على النصوص الشرعية التي منعت البيع قبل التملك.فإذا تمَّ بيع المرابحة للآمر بالشراء بشروطه وأركانه كان بيعاً صحيحاً تترتب عليه آثار البيع وأحكامه.

رابعاً:

مع القول بجواز الوكالة في عقود البيع وغيرها فلا بد للبنوك الإسلامية أن تضيق نطاق توكيل الآمر بالشراء في بيع المرابحة نظراً لكون بيع المرابحة له اعتباراتٌ خاصةٌ،يختلف بها عن البيوع المطلقة،حيث يجب أن يكون للبنك الإسلامي في المرابحة دور بارز أساسي في شراء السلعة لنفسه أولاً وتسلمها ثم بيعها للآمر بالشراء،للابتعاد عن صورة التمويل الربوي، ولكي لا تختفي صورة الضمان الذي يحل به الربح.
[الأصل أن تشتري المؤسسة السلعة بنفسها مباشرة من البائع،ويجوز لها تنفيذ ذلك عن طريق وكيل غير الآمر بالشراء،ولا تلجأ لتوكيل العميل الآمر بالشراء إلا عند الحاجة الملحة.ولا يتولى الوكيل البيع بنفسه،بل تبيعه المؤسسة بعد تملكها العين…يجب اتخاذ الإجراءات التي تتأكد المؤسسة فيها من توافر شروط محددة في حالة توكيل العميل بشراء السلعة،ومنها:

  1. أن تباشر المؤسسة دفع الثمن للبائع بنفسها وعدم إيداع ثمن السلعة في حساب العميل الوكيل.
  2. أن تحصل من البائع على وثائق للتأكد من حقيقة البيع]المعيار الشرعي رقم 8 من معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

وبناءً على ما سبق فإن توكيل البنك الإسلامي للمشتري في المرابحة بشراء السلعة ينبغي أن يكون في حالات استثنائية كالحالة المذكورة في السؤال،وهي عدم قدرة موظفي البنك الإسلامي من الوصول إلى مناطق فلسطين المحتلة عام 1948م بسبب إجراءات الاحتلال اليهودي.
وعليه فيجوز توكيل البنك الإسلامي للمشتري في المرابحة بشراء السلعة،وقد أصدرت هيئة الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي الفلسطيني عدة قرارات لتنظيم مسألة التوكيل المذكورة منها:
[حكم توكيل الآمر بالشراء في المرابحات الداخلية:ترى الهيئة الشرعية منع توكيل الآمر بالشراء في المرابحات الداخلية من شراء البضاعة أو استلامها بنفسه من البائع إلا في حالاتٍ خاصةٍ،مثل تعذر وصول موظف البنك الى البائع وبشرطين:
الأول:الحصول على موافقةٍ مسبقةٍ من هيئة الرقابة الشرعية.
الثاني:أن تكون الوكالة مكتوبةً وموثقةً.وبناءً على ذلك يكلف موظف معين في كل فرع من فروع البنك للقيام بعمليات الشراء والاستلام ليكون مسؤولاً عن ذلك أمام الادارة وهيئة الرقابة الشرعية للبنك]
ومنها:[يجوز توكيل العميل بالاستلام بنفسه من البائع في حالاتٍ خاصةٍ،مثل تعذر وصول موظف البنك إلى البائع.ولقد صدرت فتوى من المجامع الفقهية أنه لا يجوز للبنك توكيل العميل بتسليم الشيك للمورد وقيامه باستلام البضاعة من المورد نيابةً عن البنك إلا عند الضرورة القصوى،وبموافقةٍ مسبقةٍ من هيئة الرقابة الشرعية،وأن تكون هذه الوكالة مكتوبةً وموثقةً حتى إذا هلكت البضاعة تكون البيعة على البنك وليس على العميل]

ومنها:[فيما يخص جواز توكيل الآمر بالشراء بالدفع في حالتي عدم تمكن البنك من الدفع في المرابحات الخارجية بسبب عدم إمكانية التحويل لعملة معينةٍ مثل الجنيه الاسترليني،وكذلك عدم التمكن من التحويل الى اسرائيل بسبب قطع العلاقات مع بنك ديسكونت،فقد قررت الهيئة جواز توكيل الآمر بالشراء بالدفع وذلك بشرط أخذ الموافقة المسبقة من هيئة الرقابة الشرعية على عملية التحويل]
ومنها:[توكيل الاستلام والتسليم والمعاينة نيابةً عن البنك:قررت هيئة الرقابة الشرعية بأنه لا يوجد مانعٌ شرعاً من التوكيل،واشترطت الهيئة أن يكون التوكيل خطياً،وأن تتضمن صيغته التوكيل بالمعاينة والاستلام والتسليم وفق الكتاب المرفق،على أن يتم التأكد من سلامة الاجراءات،وأن تتم المتابعة المستمرة من المسؤولين في الفرع وموظف التمويل بعد كل عملية استلام وتسليم.وأن يتم فحص المستندات المؤيدة لذلك بشكل دوري.]
ومنها:[الأصل أن يتسلم البنك الإسلامي الفلسطيني السلعة بنفسه من مخازن البائع أو من المكان المحدد في شروط التسليم، وتنتقل مسؤولية ضمان المبيع إلى البنك الإسلامي الفلسطيني بتحقق حيازته للسلعة،ويجوز للبنك الإسلامي الفلسطيني توكيل غيره للقيام بذلك نيابة عنه].

وخلاصة الأمر أن الوكالة من العقود الجائزة شرعاً،وأن المصارف الإسلامية هي البديل الشرعي للبنوك الربوية،والمصارف الإسلامية تحرز تقدماً مطرداً في نموها وفي إقبال الناس عليها،وإزاء ذلك مطلوبٌ من المصارف الإسلامية أن تُنَوع معاملاتها،ولا تقتصر على المرابحات،
والمصرفية الإسلامية غنيةٌ في صور التمويل والاستثمار،كالمضاربة والمشاركة والسلم والاستصناع وغيرها.
وأن بيع المرابحة هو بيعٌ بمثل الثمن الأول مع زيادة ربحٍ.
وأن من أهم الضوابط الشرعية لبيع المرابحة هو تملك البنك للسلعة تملكاً حقيقياً،
وأنه لا بد للبنوك الإسلامية أن تضيق نطاق توكيل الآمر بالشراء في بيع المرابحة نظراً لكون بيع المرابحة له اعتباراتٌ خاصةٌ،يختلف بها عن البيوع المطلقة،حيث يجب أن يكون للبنك الإسلامي في المرابحة دور بارز أساسي في شراء السلعة لنفسه أولاً وتسلمها ثم بيعها للآمر بالشراء،للابتعاد عن صورة التمويل الربوي،ولكي لا تختفي صورة الضمان الذي يحل به الربح،
وأنه يجوز توكيل البنك الإسلامي للمشتري في المرابحة بشراء السلعة في حالات استثنائية.
والله الهادي إلى سواء السبيل