وجوبُ الزكاةِ في المالِ المدَّخرِ للزواج وبناء البيت

يقول السائل:ادَّخرتُ منذ عدة سنوات مبلغاً من المال يزيد على ثلاثين ألف دينار للزواج وبناءِ بيتٍ،وقد قرأت بعض الفتاوى التي تذكر أن المال المدَّخر للزواج ولبناء البيت لا تجب فيه الزكاة،فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟
الجواب:

أولاً:

الزكاة فريضةٌ في المال الذي تتحقق فيه شروط وجوبها،وهي من حيث الجملة:
(1) كونه مملوكاً لشخصٍ معين.
(2) وكون مملوكيته مطلقة(أي كونه مملوكاً رقبةً ويداً).
(3) وكونه نامياً.
(4) وأن يكون زائداً على الحاجات الأصلية.
(5) حولان الحول.
(6) وبلوغه نصاباً،والنصاب في كل نوعٍ من المال بحسبه.
(7) وأن يسلم من وجود المانع،والمانع أن يكون على المالك دَينٌ يُنقص النصاب.الموسوعة الفقهية الكويتية23/236.
فإذا تحققت شروط الوجوب هذه لزمت الزكاة،وحسب ما ورد في السؤال فإن شروط وجوب الزكاة متحققةٌ،ولا بدَّ أن يُعلم أن الذهب والفضة والنقود المتداولة في أيامنا هذه،لا يشترط فيها النماء الفعلي،لأن الأصل فيها النماء.

ثانياً:

القولُ الصحيحُ المعتمد،الذي تؤيده الأدلة أن النقود المدَّخرة إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول،تجب فيها الزكاةُ بغض النظر عن القصد من ادِّخارِها،سواء كان الادِّخارُ للزواج أو لبناء مسكنٍ أو لشراء سيارةٍ أو لأي غرضٍ آخر.ويدل على ذلك عموم النصوص الواردة في وجوب الزكاة،قال الله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}سورة التوبة الآية 103.وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ}سورة البقرة الآية 267.
وقال الله تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}سورة التوبة الآيتان34-35،
ويدل لهذا القول أيضاً ما ورد في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال:(ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك،فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يوم وليلة،فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم،تُؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)رواه البخاري ومسلم،وهذا عمومٌ يشمل كل مالٍ من أموال الناس،
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نارٍ، فأُحمي عليها في نار جهنم،فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره،كلما بردت أعيدت له،في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة،حتى يُقضى بين العباد،فيُرى سبيلُه إما إلى الجنة وإما إلى النار…)رواه البخاري ومسلم،وغير ذلك من النصوص.
ومما يدل على وجوب الزكاة في المال المدَّخر أن هذا المال ما زال في يد صاحبه ولم يتصرف فيه،وقد تحققت فيه شروطُ الوجوب فتلزمه زكاته.

ثالثاً:

الفتاوى التي أشار إليها السائلُ في عدم وجوب الزكاة في المال المدَّخر للزواج وبناء البيت،استندت لرأيٍ ضعيفٍ عند بعض متأخري فقهاء الحنفية،حيث قالوا يُعفى المال المدَّخر للحاجات الأصلية من الزكاة،بناءً على أن من شروط وجوب الزكاة في المال أن يكون زائداً على الحاجات الأصلية،والحوائج الأصلية هي ما لا غنى للإنسان عنه في بقائه،كمأكله وملبسه ومشربه ومسكنه،وما يُعينه على ذلك من كتبِ علمه،وأدوات حرفته،ونحو ذلك.قال المرغيناني الحنفي:[وليس في دور السكنى وثياب البدن وأثاث المنازل ودواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال،زكاةٌ،لأنها مشغولةٌ بالحاجة الأصلية، وليست بناميةٍ أيضاً]الهداية شرح البداية1/96.
وقد قال بإعفاء المال المدَّخر للحاجات الأصلية من الزكاة الشيخ عبد اللطيف بن عبد العزيز أمين الدين بن فرشتا المشهور بابن الملك من فقهاء الحنفية،وخالفه جمهور الحنفية[وقد جعل ابن ملك من هذا النوع أن يكون لديه نصاب دراهم أمسكها بنية صرفها إلى الحاجة الأصلية،فلا زكاة فيها إذا حال عليها الحول عنده،لكن اعترضه ابن نجيم في البحر الرائق،بأن الزكاة تجب في النقد كيفما أمسكه للنماء أو للنفقة،ونقله عن المعراج والبدائع] الموسوعة الفقهية الكويتية23/242.
وعند التحقيق في المسألة فإن الحوائج الأصلية المعفاة من الزكاة هي الحوائج الماضية،أي القائمة،وليست الحوائج المستقبلية،فالمنزل والأثاث والسيارة الخاصة وأدوات الصنعة وكتب العلم الخاصة ونحوها،المملوكة للمزكي،معفاةٌ من الزكاة.أما النقود المدخرة لسدِّ حاجة أصلية مستقبلاً فلا تعفى من الزكاة،لأن النقود إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة كيفما أمسكها للنماء أو للنفقة أو للزواج أو لغير ذلك.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن شخص جدَّ تمراً وصرم حباً نحو مائة وسق مثلاً وادَّخره للنفقة ولم يخرج منه حال الجداد والصرام -قطعُ الثمرة-زكاة،وملك أيضاً نصاباً من النقدين نحو ألف دينارٍ مثلاً وادَّخره أيضاً بنية الصرف للنفقة،وحالت عليه أحوالٌ كثيرةٌ،ولم يخرج لذلك زكاةً،هل يحرم عليه في المسألتين أم في إحداهما،أم لا يحرم لكونه أعدَّه للصرف والنفقة اعتباراً بنيته للحديث.أوضحوا لنا فإن غالب الناس واقعون في ذلك؟
فأجاب شيخ الإسلام إنه يحرم عليه عدم إخراج الزكاة في القسمين وإن ادَّخرهما للنفقة ويفسق بذلك،وليست نيةُ النفقة مؤثرةً في إسقاط الزكاة،لأن ملحظ وجوبها في الحب والجداد النمو بالفعل،وهو حاصلٌ في العام الأول،سواء أبقاه للنفقة أم لا،وفي النقدين نموها بالفعل والقوة،وهو حاصلٌ في العام الأول وما بعده،فلم يكن للنية دخلٌ في إسقاط الوجوب،لأنها لا تعارض سببه المذكور،وتأمل ما قررته تعلم أن التمر والحبَّ إذا مضى عليهما أحوال ولم ينو بادخارهما تجارةً بشرطها لا تجب زكاتُهما إلا في الحول الأول.وأما فيما بعده فلا تجب فيهما زكاةٌ،بخلاف النقدين فإنه تجب زكاتُهما في كل حولٍ مضى عليهما سواء أُعدَّا للتجارة بهما أم للنفقة،لما علمت أنهما صالحان للنماء،فهما ناميان بالقوة أو الفعل،فلذلك تكررت زكاتُهما بتكرر الأحوال]الفتاوى الفقهية الكبرى2/40–41.
وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز:[المال المدَّخر للزواج أو لبناء مسكنٍ أو غير ذلك،تجب فيه الزكاة إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول،سواء كان ذهباً أو فضةً أو عُملةً ورقيةً،لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة فيما بلغ نصاباً وحال عليه الحول من غير استثناء] وسئل الشيخ العلامة العثيمين[عن رجل أبقى معه مبلغاً من المال ليشتري به بيتاً وحال عليه الحول،فهل عليه زكاةٌ؟فأجاب:نعم،فيها زكاة،لأن الدراهم فيها الزكاة مهما كان،حتى لو كان الإنسان أعدَّها للزواج،أو كان الإنسان أعدَّها ليشتري بها بيتاً،أو يشتري بها نفقةً،فما دامت دراهم وحال عليها الحول وهي تبلغ النصاب ففيها الزكاة]فتاوى الزكاة ص174.
وسُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن:[رجلٍ عنده نقودٌ وقد حال عليه الحول،لكنه جمعها لكي يتزوج بها،فهل عليه زكاةٌ؟فأجابت:تجب فيها الزكاة لدخولها في عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة،وكونه يريد أن يتزوج بها غير مسقطٍ لوجوب الزكاة فيها]فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء 9/269. موقع الإسلام سؤال وجواب.

رابعاً:

يترتبُ على القول بإسقاط الزكاة عن الأموال المدَّخرة،إضعاف فريضةُ الزكاة،لأن حوائج الناس لا تنتهي عند حدٍ معينٍ،
وخاصةً مع توسع بعض المفتين في الحاجات الأصلية في هذا الزمان،فقد قال بعضهم إن شراء ذهب لبنته التي تريد الزواج من الحاجات الأصلية،مع أن ذلك غير واجبٍ على الأب،وإنما هو من المهر الذي يدفعه الزوج.كما أن من الناس من يدَّخر المال لعدة سنوات،وهذا يُسهم في تعطيل فريضة الزكاة.

خامساً:

إن الله تبارك وتعالى يبارك في المال المزكَّى،قال تعالى:{وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}سورة الروم الآية 39،
وعن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(ثلاثةٌ أقسم عليهن،وأحدثكم حديثاً فاحفظوه،قال:ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ،ولا ظُلم عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده الله عزاً،ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقرٍ)رواه الترمذي وابن ماجة وصححه العلامة الألباني.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من تصدق بِعَدْلِ تمرةٍ من كسب طيب -ولا يصعد إلى الله إلا الطيب- فإن الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّهُ حتى تكون مثل الجبل) رواه البخاري ومسلم.

سادساً:

تجب على السائل زكاة ماله عن السنوات الماضية منذ تحقق شروط الزكاة فيه،ولا تبرأ ذمته إلا بذاك.
قال الإمام النووي:[إذا مضت عليه سنون ولم يؤد زكاتها لزمه إخراج الزكاة عن جميعها،سواء علم وجوب الزكاة أم لا،وسواء كان في دار الإسلام أم دار الحرب]المجموع5/33.

فعلى السائل أن يحسب أمواله في كل سنةٍ مضت ويزكيها.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[ وفائدة الخلاف أنها إذا كانت في الذمة-أي الزكاة-فحال على ماله حولان لم يؤد زكاتهما وجب عليه أداؤها لما مضى،ولا تنقص عنه الزكاة في الحول الثاني.وكذلك إن كان أكثر من نصاب لم تنقص الزكاة وإن مضى عليه أحوالٌ،فلو كان عنده أربعون شاة مضى عليها ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها وجب عليه ثلاث شياه،وإن كانت مائة دينار فعليه سبعة دنانير ونصف،لأن الزكاة وجبت في ذمته فلم يؤثر في تنقيص النصاب]المغني2/506-507.ومعلومٌ أن الزكاة وهي حقٌ من الحقوق المالية لا تسقط بالتقادم،أي بمضي المدة،بل تبقى ديناً في الذمة،ولا تبرأ ذمة المؤخر لها إلا بإخراجها،سواء أخَّرها عمداً أو جهلاً.

وخلاصة الأمر أن الزكاة فريضةٌ في المال الذي تتحقق فيه شروط وجوبها،وأن القولَ الصحيح المعتمد،الذي تؤيده الأدلة أن النقود المدَّخرة إذا بلغت نصاباً وحال عليها الحول،تجب فيها الزكاةُ بغض النظر عن القصد من ادِّخارِها،سواء كان الادِّخارُ للزواج أو لبناء مسكنٍ أو لشراء سيارةٍ أو لأي غرضٍ آخر.
وأن الفتاوى التي أشار إليها السائلُ في عدم وجوب الزكاة في المال المدَّخر للزواج وبناء البيت،استندت لرأيٍ ضعيفٍ عند بعض متأخري فقهاء الحنفية، وأنه يترتبُ على القول بإسقاط الزكاة عن الأموال المدَّخرة،إضعاف فريضةُ الزكاة،لأن حوائج الناس لا تنتهي عند حدٍ معينٍ،وأن الله تبارك وتعالى يبارك في المال المزكَّى، وأن الزكاة وهي حقٌ من الحقوق المالية لا تسقط بالتقادم،أي بمضي المدة،بل تبقى ديناً في الذمة،ولا تبرأ ذمة المؤخر لها إلا بإخراجها،سواء أخَّرها عمداً أو جهلاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل