الحائلُ بين الإمام والمأموم في المسجد الأقصى المبارك

يقول السائل:أغلقت سلطات الاحتلال أبواب المسجد الأقصى المبارك في شهر رمضان،فصلينا خلف الأبواب،فما حكم اقتدائنا بالإمام داخل المسجد،أفيدونا ؟

الجواب:الأصلُ المقررُ عند العلماء أن الصفوف في صلاة الجماعة يجب أن تكون منضبطةٌ ومتصلةٌ ولا ينبغي أن يكون هنالك انقطاعٌ بينها.ويدل على ذلك عدةُ أحاديث منها:

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:(ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها!فقلنا:يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قال:يتمون الصف الأول،ويتراصون في الصف) رواه مسلم.وعن أنس رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( أتموا الصف الأول ثم الذي يليه،فإن كان نقصٌ فيكون في الصف المؤخر)رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني.

وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( رُصُّوا صفوفكم قاربوا بينها وحاذوا الأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل في خلل الصفوف كأنها الحذف)رواه أبو داود وابن حبان وصححه.والَحذَف غنمٌ سودٌ صغارٌ.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(أقيموا الصفوف،وحاذوا بين المناكب،وسدوا الخلل،ولينوا بأيدي إخوانكم،ولا تذروا فرجاتٍ للشيطان،ومن وصل صفاً وصله الله،ومن قطع صفاً قطعه الله)  رواه أبو داود،وصححه العلامة الألباني.ففي هذه الأحاديث الأمر بإقامة الصفوف وتسويتها واتصالها والتحذير من قطعها.

وبناءً على ما سبق فينبغي للمصلين أن يحرصوا على اتصال الصفوف وعدم انقطاعها وتقاربها،وعليه فإن من يصفون في ساحات المسجد الخارجية ولا يكون صفهم متصلاً مع الصفوف داخل المسجد ويكون بينه وبين آخر صف في المسجد مسافات طويلة،فلا تصح صلاتهم مع الجماعة كما هو الحال في كثير من المساجد الكبيرة،فإنهم يصلون بقرب أبواب الساحات الخارجية،ويكون بينهم وبين آخر صفٍ متصلٍ مسافات بعيدة، فإن صلاة هؤلاء غير صحيحة على الراجح من أقوال العلماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[فإن امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد، فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم ،وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي فيه الناس لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء…] مجموع الفتاوى 23/410.

إذا تقرر هذا فإنه يجوز مخالفة هذا الأصل وهو أن تكون الصفوف منضبطة ومتصلة وألا يكون بينها انقطاع،إذا وجدت حاجةٌ داعيةٌ لذلك،كما هو الحال المذكور في السؤال حيث إن سلطات الاحتلال قد أغلقت أبواب المسجد الأقصى المبارك في شهر رمضان،ومنعت كثيراً من المصلين من الدخول إليه،مما جعلهم يصلون خلف أبوابه الموصدة،فهذا المنعُ يجيز تركَ اتصال الصفوف،ويُعفى عن ذلك نظراً للحاجة العامة،وقد نقل الفقهاء لنا حالاتٍ شبيهةٍ بهذه المسألة،فقد سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة، فقال أرجو أن لا يكون به بأسٌ.

وسئل الإمام أحمد أيضاً عن رجلٍ يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة، فقال:إذا لم يقدر على غير ذلك.

وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[فإن كان بين الإمام والمأموم حائلٌ يمنع رؤية الإمام، أو من وراءه، فقال ابن حامد فيه روايتان: إحداهما لا يصح الائتمام به اختاره القاضي، لأن عائشة قالت لنساءٍ كنَّ يصلين في حجرتها:لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب. ولأنه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب.والثانية يصح. قال أحمد في رجلٍ يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة، أرجو أن لا يكون به بأسٌ. وسئل عن رجلٍ يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الإمام سترة،قال:إذا لم يقدر على غير ذلك.وقال:في المنبر إذا قطع الصف لا يضر.ولأنه أمكنه الاقتداء بالإمام فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدةٍ كالأعمى،ولأن المشاهدة تُراد للعلم بحال الإمام ،والعلم يحصل بسماع التكبير، فجرى مجرى الرؤية، ولا فرق بين أن يكون المأموم في المسجد أو في غيره.واختار القاضي:أنه يصح إذا كانا في المسجد، ولا يصح في غيره، لأن المسجد محل الجماعة وفي مظنة القرب، ولا يصح في غيره لعدم هذا المعنى، ولخبر عائشة.ولنا أن المعنى المجوز أو المانع قد استويا فيه فوجب استواؤهما في الحكم. ولا بدَّ لمن لا يشاهد أن يسمع التكبير ليمكنه الاقتداء، فإن لم يسمع لم يصح ائتمامه به بحالٍ، لأنه لا يمكنه الاقتداء به] المغني2/39.

وقال الشيخ المرداوي الحنبلي بعد أن ذكر الخلاف في المذهب:[…يجوز فيها ذلك على كلا الروايتين ،نظراً للحاجة…وإن كانا خارجين عن المسجد،أو كان المأموم خارج المسجد والإمام في المسجد،ولم يره ولا من وراءه،ولكن سمع التكبير، فالصحيح من المذهب:لا يصح، قدَّمه في الفروع، والرعاية الكبرى،والمحرر،والفائق،وابن تميم،وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب،وهو ظاهر كلام المصنف هنا.وعنه يصح،قال أحمد في رجلٍ يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأسٌ .قلت:وهو عين الصواب في الجمعة ونحوها للضرورة، وعنه يصح في النفل، وعنه يصح في الجمعة خاصة] الإنصاف 2/293.

ورجَّح  شيخ الإسلام ابن تيمية جواز ذلك للحاجة مطلقاً،مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة، حيث قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وأما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائلٌ،فإن كانت صفوفٌ متصلة جاز باتفاق الأئمة،وإن كان بينهما طريقٌ أو نهرٌ تجري فيه السفن، ففيه قولان معروفان هما روايتان عن أحمد:أحدهما:المنع،كقول أبي حنيفة. والثاني:الجواز:كقول الشافعي.وأما إذا كان بينهما حائلٌ يمنع الرؤية والاستطراق، ففيهما عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره.قيل:يجوز،وقيل:لا يجوز،وقيل:يجوز في المسجد دون غيره،وقيل:يجوز مع الحاجة،ولا يجوز بدون الحاجة،ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقاً مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة،أو تكون المقصورة التي فيها الإمام مغلقة أو نحو ذلك،فهنا لو كانت الرؤية واجبة لسقطت للحاجة]مجموع فتاوى ابن تيمية 23/408.

وقال الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي مصر السابق:[الصحيح من مذهب الحنفية على ما ذكره العلامة الشرنبلالي أنه يصح اقتداء المأموم وبينه وبين الإمام حائطٌ كبيرٌ لا يمكن الوصول منه إليه، متى كان المأمومُ على علمٍ بانتقالات الإمام بسماعٍ أو رؤيةٍ، فالعبرة بعدم الاشتباه، قال وهو اختيار شمس الأئمة لما روي أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلي فى حجرة عائشة رضي الله عنها والناس فى المسجد يصلون بصلاته.وعلى هذا صح الاقتداء فى المساكن المتصلة بالمسجد الحرام وأبوابها من خارجه إذا لم يشتبه حال الإمام عليهم لسماع أو رؤية ولم يتخلل إلا الجدار].

وورد في فتوى متعلقةٍ باتصال الصفوف في المسجد الحرام للشيخ عمر المقبل:[فأما الساحة المحاطة بالأعمدة الحديدية الصغيرة…فالظاهر لي بعد السؤال والتثبت من المسؤولين عن الحرمين أنها تابعة للمسجد الحرام، فأحكامها حكم المسجد، وعليه فلا إشكال في صحة صلاة هؤلاء الذين يصلون في الساحة ولو لم تتصل صفوفهم.وإنما الإشكال في الذين يصلون خارج هذه الساحة مع عدم اتصال الصفوف، والخلاف في هذه المسألة قويٌ بين أهل العلم، ولعل القول بالجواز أقرب والله أعلم وهو قول مالك والشافعي ووجه في مذهب الحنابلة اختاره ابن قدامة،والعلامة السعدي رحمهم الله جميعاً.ووجه ترجيح هذا القول ما قاله ابن قدامة رحمه الله في المغني 3/46:”لأنه لا نص في منع ذلك،ولا إجماع،ولا هو في معنى ذلك؛لأنه لا يمنع الاقتداء،فإن المؤثر في ذلك ما يمنع الرؤية،أو سماعُ الصوت،وليس هذا بواحد منهما”.وهنا قيدٌ لا بد منه، وهو أن تكون الصفوف قريبة، غير بعيدة بعداً لم تجر به العادة، وقد نبه على هذا ابن قدامة بقوله 3/45: “فإن معنى اتصال الصفوف: ألا يكون بينهما بُعد لم تجر العادة به، ولا يمنع إمكان الاقتداء”.ومع هذا فعلى المصلي الاحتياط لصلاته،وألا يصلي خارج المسجد، ولو كان يرى الصفوف؛ لأن القول ببطلان الائتمام قويٌ، والله أعلم] أنظر هنا

وورد في فتوى أخرى[إن تباعد الصفوف عن بعضها إن كان في المسجد فالصلاة صحيحة، ولكن يكره لهم ذلك لمخالفة ذلك للسنة؛ والصلاة صحيحة لأن اتصال الصفوف بالمسجد وتقاربها ليس لازماً, وأما خارج المسجد فلأنه ليس محلاً للجماعة فيشترط فيه اتصال الصفوف, وإذا اتصلت الصفوف صحت الصلاة وإن كان بينهما حائل إذا علم المأموم حال الإمام.وقيل بجواز تباعد الصفوف إن كانت شروط المتابعة حاصلة، ومن صلى خارج المسجد وأبواب المسجد مغلقة فصلاته صحيحة، وكذلك تصح صلاة من صلى في الطريق والرحبة وطاقات المسجد، ما داموا يرون المأمومين، ويسمعون صوت الإمام وصفوفهم متصلة؛ وذلك لتوفر شروط المتابعة للإمام, ودليل ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها في التراويح وفيه:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخصَ النبي صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثاً” رواه البخاري.والشاهد قولها: “وجدار الحجرة قصير فقام أناس يصلون بصلاته” ووجه الدلالة: أنه صلى الصحابة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم جدار وهم يرونه؛ وهذا يدل على أن الرؤية من أهم أسباب القدرة على المتابعة،وإذا كان المأموم قادراً على متابعة إمامه والصفوف متصلة جاز له ذلك.] أنظر هنا

وخلاصة الأمر أن الأصل المقرر عند العلماء أن الصفوف في صلاة الجماعة يجب أن تكون منضبطة ومتصلة ولا ينبغي أن يكون هنالك انقطاع بينها وعلى ذلك دلت السنة النبوية. وأنه يجوز مخالفة هذا الأصل إذا وجدت حاجةٌ داعيةٌ لذلك،كما هو الحال المذكور في السؤال حيث إن سلطات الاحتلال قد أغلقت أبواب المسجد الأقصى المبارك في شهر رمضان،ومنعت كثيراً من المصلين من الدخول إليه،مما جعل عدداً كبيراً من الناس يصلون خلف أبوابه الموصدة،فهذا المنعُ يجيز ترك اتصال الصفوف،ويُعفى عن ذلك نظراً للحاجة العامة،وقد نقل الفقهاء لنا حالاتٍ شبيهةٍ بهذه المسألة كما ذكرت،ولكن يشترط لصحة الاقتداء بالإمام أن يعلم المأموم بانتقالات الإمام بالسماع كما هو حاصل في المسجد الأقصى المبارك حيث يسمع المأمومون قراءة الإمام وتكبيراته عبر مكبرات الصوت.

والله الهادي إلى سواء السبيل