يجوز صرف الزكاة للمساعدة في إنجاب طفلٍ بالتلقيح الاصطناعي

يقول السائل: هل يجوز دفع الزكاة لمن يرغب بإنجاب طفلٍ بالتلقيح الاصطناعي،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:

يقول الله سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} سورة التوبة الآية 60. وقد أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا تُصرف إلا في المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة ، ولا حقَّ لأحدٍ من الناس فيها سواهم ، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:[هذه لهؤلاء].وقد روي في الحديث عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته – وذكر حديثاً طويلاً – فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقة حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت في تلك الأجزاء أعطيتك حقك) رواه أبو داود والبيهقي والدار قطني وفي سنده ضعف.

ثانياً:

إن من مقاصد تشريع الزكاة رعايةُ وإقامةُ الكليات الخمس من حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وحفظ العقل وحفظ المال،فالإسهام في حفظ النسل من الانقراض أو القلِّة أو الضعف ، من مقاصد الزكاة ، وذلك بتطمين الفقراء ورفع الخوف عنهم من العيلة والفقر ، فيتخوَّف أحدهم من الإكثار من الولد مخافة العوز والفاقة والفقر]انظر مقال “المقاصـــد المرعيـــة فــي تشــــريــع الــزكاة” وكذلك فإن الولد من الحاجات الأساسية للإنسان ، والأخذ بالأسباب المشروعة للحصول عليه داخلٌ تحت حفظ النسل.

ثالثاً:

من المعلوم أن حاجات الانسان متعددة ومن أهمها؛الطعام والشراب واللباس والمسكن والعلاج والتعليم والزواج ، وهذه داخَلَّةٌ تحت سدِّ خَلَّة الفقراء والمحتاجين ، التي هي من مقاصد الزكاة،قال الإمام الطبري:[الصدقةُ لسدِّ خَلَّة المسلمين ولسدِّ خَلَّة الإسلام ، وذلك مفهومٌ من مأخذ القرآن في بيان الأصناف وتعديدهم]أحكام القرآن لابن العربي ٢/٥٢٢.

وقال الإمام النووي:[ قال الإمام:المعتمد أن مقصود الزكاة سدُّ خَلَّة الفقير من مال الأغنياء شكرا لله تعالى،وتطهيراً للمال] المجموع 5/330، وانظر أيضاً المجموع 6/182.

وقال الكاساني الحنفي:[ إن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف وإغاثة اللهيف وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله عز وجل عليه من التوحيد والعبادات ، والوسيلةُ إلى أداء المفروض، مفروضٌ] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع3/375.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[أفهمَ الشرعُ أنها – الزكاة – شرعت للمواساة] مجموع الفتاوى 25/8.وقال ابن مفلح الحنبلي:[المقصود ـ أي من الزكاة ـ دفع حاجة الفقراء] المبدع شرح المقنع 3/29.

وقال الشيخ العثيمين :[ إن في الصدقة دفع حاجة الفقراء]الشرح الممتع 6/171.فمواساة ذوي الحاجات وسدُّ خَلَّتهم من المقاصد الأساسية التي شُرعت الزكاة لأجلها ، ولا شك أن من أشد حاجات الانسان أن يكون له ولدٌ،وعلاج عدم الإنجاب بالتلقيح الصناعي أمرٌ مشروعٌ بضوابطه الشرعية، فدفعُ الزكاة لمن يرغب بإنجاب طفلٍ بالتلقيح الاصطناعي، داخلٌ ضمن مواساة ذوي الحاجات وسدِّ خَلَّتهم ،لأن عدم الإنجاب بشكلٍ طبيعي يعتبر علةً في الانسان،ويقصدُ الانسانُ علاجها،فإذا كان فقيراً ولا يقدر على تكاليف ذلك،فيجوز دفع الزكاة في هذا المجال،لأنه داخلٌ في عموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}،ولا شك أن العلاج من الحاجات الملحة،لأن حاجة الانسان للولد من أعظم الحاجات النفسية والمادية الملحة.وقد أجاز الفقهاء المتقدمون والمعاصرون دفع الزكاة في علاج الفقراء والمحتاجين، وذلك بدفع نفقات العلاج إليهم.انظر أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة 1/363-364.

وجاء في قرار مجلس الإفتاء الأردني ما يلي:[علاج المرضى الفقراء من أعمال الخير المستحبة، بل من الضرورات التي يجب على المؤسسات والمجتمعات القيام عليها وتوفيرها؛ ذلك أن تركَ الفقير يواجه مرضه وحيداً ، رغم علم المجتمع بعجزه عن ذلك ليس من الشرع ، ولا من الإنسانية في شيء ،وقد قال عليه الصلاة والسلام: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) متفق عليه.ولما كان الفقرُ والمسكنةُ أهم مصرف من مصارف الزكاة، بنص القرآن الكريم وإجماع علماء المسلمين، رأى المجلس أنه لا بأس في تخصيص مبلغ من زكوات المحسنين لتجعل في صندوق خاص يغطي تكاليف علاج المريض الفقير أو المسكين، مع مراعاة الأمانة في الإنفاق، والعدالة في التوزيع، وتكون إدارة هذا الصندوق وكيلة عن المزكي في تمليك الزكاة للفقير، ولا إشكال حينئذ في تمليكه الزكاة على شكل علاج، فقد أجاز فقهاء الشافعية وغيرهم لمتولي الزكاة أن يشتري للفقير عقاراً يستغله، دون أن يُدفع إليه النقد، كما في “مغني المحتاج” 4/186، وذلك لتحقق المقصد الشرعي في هذه الصورة،وهو سدُّ حاجة الفقير، فكذلك الأمر هنا؛ إذ العلاج من أهم الحاجات التي ينبغي كفايتها ].

وقال الشيخ سليمان الماجد في جواب السؤال التالي:[أحد الإخوة في وضع مادي محدود، ولا يحتاج إلى الصدقة (على الكفاف)، ومتزوج منذ 20 سنة، ولم تنجب زوجته، واحتاجا لعملية طفل أنابيب، بتكلفة عشرة الآف ريال، ولا يستطيع دفعها، مع مصاريف طبية أخرى متوقعة، وعلى إثرها طلب من الزكاة، فما رأيكم؟ فأجاب: [الإنجاب حاجة نفسية ومادية ملحة ؛ فإذا كان لا يستطيع أن يقوم بتكاليف علاج تأخره جاز أن يعطى من الزكاة لتأمين مصروفات هذا العلاج.] أنظر هنا..

رابعاً:

مسألة صرف الزكاة لعلاج الفقراء ، بما في ذلك لمعالجة مسألة الإنجاب بالتلقيح الصناعي، لها ضوابطُ شرعيةٌ لا بدَّ من مراعاتها وهي:

  • ألا يتوفر العلاج مجانا ً، أو إذا كان من ضمن ما يغطيه نظام التأمين الصحي،فإن توفر ذلك، فلا يجوز صرف الزكاة متى كان الاستطباب محققاً للمقصود من دفع المرض، مع عدم المنة في ذلك، كما لو أمكن علاجه في المستشفيات الحكومية، وكان ممن تنطبق عليه شروطها.لأن من واجب الدولة المسلمة الإنفاق على علاج المواطنين ، قال الكاساني الحنفي:[ يُصرف – أي من بيت مال المسلمين – إلى دواء الفقراء ، والمرضى وعلاجهم ، وإلى أكفان الموتى الذين لا مال لهم ، وإلى نفقة اللقيط ،وعقل جنايته ، وإلى نفقة من هو عاجزٌ عن الكسب ، وليس له من تجب عليه نفقته ونحو ذلك ، وعلى الإمام صرفُ هذه الحقوق إلى مستحقيها.]بدائع الصنائع 4/114.
  •  أن يكون العلاجُ لما تمسُّ الحاجةُ لمعالجته من الأمراض، فأما ما كان من الأمور التجميلية الكمالية، أو كان من الأمراض اليسيرة الشائعة التي لا يلحق الشخص بتركها ضررٌ، فإني لا أرى مشروعية صرف الزكاة لعلاج مثل تلك الأمراض؛ لخروج ذلك عن الحاجات الأساسية التي يحتاجها الفقير، والتي شُرعت الزكاة في هذا المصرف لسدِّها.
  • أن يُراعى في مقدار تكاليف العلاج عدم الإسراف ولا الإقتار، فمتى تحقق المقصود من العلاج بتكاليف أقل لم يلجأ إلى ما هو أعلى من ذلك؛ لأن القصد هو دفعُ المرض ، فمتى تحقق ذلك بمقدارٍ، كانت مجاوزتُه سَرَفَاً وهو محرمٌ، كما قال تعالى:{وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}]نوازل الزكاة ص 366 ، بتصرف،وانظر فقه النوازل في العبادات ص 44.

وخلاصة الأمر أن أهل العلم قد أجمعوا على أن الزكاة لا تُصرف إلا في المصارف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ولا حقَّ لأحدٍ من الناس فيها سواهم.وأن من مقاصد تشريع الزكاة رعايةُ وإقامةُ الكليات الخمس، من حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ النسل وحفظ العقل وحفظ المال.فالإسهام في حفظ النسل من الانقراض أو القلّة أو الضعف من مقاصد الزكاة. وأن حاجات الانسان متعددة ومن أهمها؛الطعام والشراب واللباس والمسكن والعلاج والتعليم والزواج ،وهذه داخَلَّة تحت سد خَلَّة الفقراء والمحتاجين التي هي من مقاصد الزكاة. وأن من أشد حاجات الانسان أن يكون له ولد،وعلاج عدم الإنجاب بالتلقيح الصناعي أمرٌ مشروعٌ بضوابطه الشرعية، فدفعُ الزكاة لمن يرغب بإنجاب طفلٍ بالتلقيح الاصطناعي،داخلٌ ضمن مواساة ذوي الحاجات وسدّ خَلَّتهم،لأن عدم الإنجاب بشكلٍ طبيعي يُعتبر علةً في الانسان،ويقصد الانسان علاجها،فإذا كان فقيراً ولا يقدر على تكاليف ذلك،فيجوز دفع الزكاة في هذا المجال.وأن صرف الزكاة لمعالجة مسألة الإنجاب بالتلقيح الصناعي لها ضوابط شرعية لا بد من مراعاتها.

والله الهادي إلى سواء السبيل