مقدارُ زكاةِ الفطرِ في حقِّ الفقيرِ والغنيِ سواءٌ

يقول السائل:ما قولكم فيمن يقول إن تقدير زكاة الفطر بتسعة شواكل كما قدَّره مجلس الإفتاء الفلسطيني قد لا يكون كافياً لإطعام فقيرٍ،وإن مقدار زكاة الفطر من النقود يجب أن يكون مرتبطاً بسعر وجبة مخرجها،فإذا كان فقيراً وسعر وجبته تسعة شواكل،فإنه يخرجُها تسعةَ شواكل،وإذا كان غنياً وتقدر وجبته بخمسين شيكلاً،فعليه إخراج زكاة الفطر خمسين شيكلاً وهكذا،فما قولكم في ذلك،أفيدونا ؟

الجواب:

أولاً:

زكاةُ الفطر فريضةٌ كما هو معلوم،ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على وجوبها،فتح الباري3/463.وقد وردت فيها عدة أحاديث:فعن ابن عمر رضي الله عنه قال:(فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ،على الذكر والأنثى،والحر والعبد،والكبير والصغير من المسلمين)رواه البخاري ومسلم.وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:(كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من شعيرٍ أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من إقطٍ أو من زبيبٍ)رواه البـخـاري ومسلم.وعن ابن عباس رضي الله عنه قال:(فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث،وطُعمةً للمساكين،من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ،ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقةٌ من الصدقات)رواه أبو داود وابن ماجة وحسنه العلامة الألباني.

ثانياً:

تجب زكاةُ الفطر على الغني والفقير؛لحديث ابن عباس رضي الله عنه السابق:(فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث)ولا شك أن الفقير داخلٌ في ذلك، قال الإمام الشوكاني:[…إذ وجوب الفطرة متعلقٌ بالأبدان،والزكاة بالأموال.وقال مالكٌ والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق والمؤيد بالله في أحد قوليه:إنه يعتبر أن يكون مُخرجُ الفطرة مالكاً لقوت يومٍ وليلةٍ لما تقدم من أنها طُهرةٌ للصائم،ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك.ويؤيد ذلك ما تقدم من تفسيره صلى الله عليه وسلم من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه،وهذا هو الحق;لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنياً ولا فقيراً،ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مُخرج الفطرة مالكاً له،لا سيما العلةُ التي شُرعت لها الفطرة موجودةً في الغني والفقير،وهي التطهرة من اللغو والرفث،واعتبار كونه واجداً لقوت يومٍ وليلةٍ أمرٌ لا بدَّ منه;لأنه المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم..]نيل الأوطار 4/180.
ولا يشترط لوجوبها ملكُ نصاب الزكاة على الراجح من أقوال أهل العلم.والفقيرُ الذي تجب عليه هو مَنْ ملك قوته وقوت عياله وقوت من يمونهم ليلة العيد ويومها، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[صدقة الفطر واجبةٌ على من قدر عليها،ولا يعتبر في وجوبها نصابٌ،وبهذا قال أبو هريرة وأبو العالية والشعبي وعطاء وابن سيرين والزهري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبو ثور]المغني3/94.
ومما يدل على وجوبها على الفقير ما قاله أبو هريرة رضي الله عنه في زكاة الفطر:(على كل حرٍّ وعبدٍ ذكرٍ وأنثى،صغيرٍ أو كبيرٍ،فقيرٍ أو غنيٍ،صاعٌ من تمرٍ أو نصفُ صاعٍ من قمح)رواه أحمد،وهو موقوفٌ صحيحٌ،ورفعه لا يصح،قاله الهيثمي في مجمع الزوائد 3/229.
وأما إذا كان الفقير معدماً لا يملك شيئاً،فلا زكاة فطرٍ عليه،قال ابن المنذر:[أجمعوا على أنّ من لا شيء عنده فلا فطرة عليه]المجموع 7/191.

ثالثاً:

يجوز إخراجُ القيمة في زكاة الفطر على الراجح من أقوال أهل العلم للحاجة أو للمصلحة،وهو مذهب الحنفية ورواية في مذهب الحنابلة،ونُقل عن جماعةٍ من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري،وعن جماعة من الصحابة أيضاً،وهذا القول يحقق مصلحة الفقير،وخاصةً في هذا الزمان،
وهو قولٌ وجيهٌ تؤيده الأدلة الكثيرة،ومنها أن أخذ القيمة في الزكاة ثابتٌ عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن جماعةٍ من الصحابة،فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ رضي الله عنه باليمن:(ائتوني بعرض ثيابٍ آخذهُ منكم مكان الذرة والشعير،فإنه أهونُ عليكم،وخيرٌ للمهاجرين بالمدينة)رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج.وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه،فقال:باب العَرَض في الزكاة،ثم ذكر أثر معاذ رضي الله عنه السابق.واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري4/54.
ونقل الحافظ العسقلاني عن ابن رشيد قولَه:وافق البخاريُ في هذه المسألة الحنفيةَ مع كثرة مخالفته لهم،لكن قاده إلى ذلك الدليل.وفعل معاذ مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته،وصدقة الفطر زكاة بلا خلاف.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية القول بإخراج القيمة لمصلحةٍ راجحةٍ حيث قال:[وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة،أو العدل فلا بأس به]مجموع الفتاوى25/82-83. وقال شيخ الإسلام عن هذا القول:[إنه أعدل الأقوال]المصدر السابق 25/79.

رابعاً:

مقدار زكاة الفطر في الأحاديث واحدٌ للغني والفقير،وهو صاعٌ – والصاع يساوي 2176 غراماً – من جميع الأصناف التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها،وتكون هذه الأصناف من غالب قوت أهل البلد،وكانوا يطعمون الحنطة والشعير،وأما في زماننا فالأرز والطحين والقمح والخبز هي غالب قوت الناس في بلادنا.وعند جمهور الفقهاء الصاعُ هو الواجبُ إخراجه في زكاة الفطر في الأصناف السابقة،ووافقهم الحنفية إلا في القمح،فقالوا يجب إخراجُ نصف صاع قمح،ولكلٍ دليله،وليس هذا محل بحثه.وبناءً على ما سبق فإذا اختار الشخصُ أن يخرج الأعيان،فإنه يخرج صاعاً منها،بلا فرقٍ بين غنيٍ وفقيرٍ.وكذلك الحال في بدل الأعيان أي القيمة – النقود – فيخرج بدل الصاع من الأعيان نقداً بلا فرقٍ بين غنيٍ وفقيرٍ.
وفي هذا العام 1435هـ قدَّر مجلسُ الإفتاء الفلسطيني زكاة الفطر بتسعة شواكل،فيخرج الشخصُ تسعة شواكل،بلا فرقٍ بين غنيٍ ولا فقيرٍ.والقول بالتفرقة بين الغني وبين الفقير؛بأن الفقير يخرج تسعة شواكل،والغني يخرج خمسين شيكلاً؛قولٌ باطلٌ شرعاً،وإنما هو مبنيٌ على تحكيم العقل في النصوص،وهو اتجاه العصرانيين وأفراخ المعتزلة في هذا الزمان،وهذا اتجاهٌ مرفوضٌ شرعاً.

خامساً:

قال جمهور أهل العلم تجوز الزيادة على الصاع المذكور في أحاديث زكاة الفطر تطوعاً وإحساناً،أي أن الصاع هو الحد الأدنى وتجوز الزيادة عليه،ما لم يعتقد أن التقدير الشرعي بالصاع لا يكفي،قال الله تعالى:{وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}سورة البقرة الآية158.
وقال بعض المالكية بمنع الزيادة على الصاع،[ونُدب عدم زيادةٍ على الصاع،بل تكره الزيادة عليه،لأنه تحديدٌ من الشارع،فالزيادة عليه بدعةٌ مكروهةٌ،كالزيادة في التسبيح على ثلاثٍ وثلاثين]الشرح الكبير للدردير1/508، وهذا القول ضعيفٌ،لأن زكاة الفطر ليست تعبَّداً محضاً كالتسبيح المذكور،بل فيها مواساة الفقراء.

سادساً:

يكون تقدير القيمة في زكاة الفطر بناءً على قيمة الأصناف المذكورة في الحديث،ولكن ينبغي أن يُعلم أن هذه الأصناف التي ذُكرت في الأحاديث،ليست على سبيل التعيين،وإنما ذُكرت لأنها كانت غالبَ قوت الناس في المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:(كنا نخرجها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعامٍ،وكان طعامُنا يومئذ التمر والزبيب والشعير).
[فقوله (من طعامٍ) فيه إشارةٌ إلى العلة،وهي أنها طعامٌ يؤكل،ويطعم،ويرجح هذا ويقويه قولُ النبي صلى الله عليه وسلم:(أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً،لكن يقويه حديث ابن عباس رضي الله عنه:(فرضها – زكاة الفطر – طُهرةً للصائم من اللغو والرفث،وطُعمةً للمساكين)وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها لا تجزئ]الشرح الممتع 6/180-181.

لذلك ينبغي أن يكون تقديرُ القيمة على حسب غالب قوت أهل البلد من الطعام،وإن لم يكن مذكوراً في الحديث،فمن المعلوم أن بعض البلاد يقتاتون غالباً على الأرز،فتُخرج زكاة الفطر من الأرز أو قيمة الأرز.
وعليه فإن تقدير القيمة في بلادنا يكون على أساس القمح والطحين والأرز والخبز،لأن هذه الأصناف هي غالب قوت أهل بلدنا،فيؤخذ متوسط أسعار هذه المواد،فيكون هو مقدار قيمة صدقة الفطر،وحسب متوسط أسعار هذه الأصناف اليوم – 16رمضان 1435 هـ – فإن قيمة صدقة الفطر تسعة شواكل تقريباً أو دينارين أردنيين تقريباً.
إذا تقرر هذا فإنه لا يصح الادِّعاءُ بأن تقدير صدقة الفطر بتسعة شواكل غير صحيح،وأنه لا يكفي الفقير،وأن الصواب أن مقدار زكاة الفطر من النقود يجب أن يكون مرتبطاً بسعر وجبة مخرجها،فإذا كان فقيراً وسعر وجبته تسعة شواكل،فإنه يخرجها تسعة شواكل،وإذا كان غنياً وسعر وجبته خمسين شيكلاً،فعليه إخراج زكاة الفطر خمسين شيكلاً وهكذا، فهذا القول باطلٌ كما سبق.

وينبغي التنبيه إلى أن النظر في حساب سعر وجبة المسكين يجب أن يكون فيما يكفيه في الحدِّ الأدنى،وليس في حدِّه الأعلى،ويؤخذُ بعين الاعتبار أيضاً لو أن أسرةً أخرجت زكاة الفطر تسعين شيكلاً وأُعطيت لأسرةٍ محتاجةً مكونةً من عشرة أفراد،لكفتهم في تحضير وجبتين لا وجبة واحدةً.وأخيراً علينا أن نوقن أن تقدير زكاة الفطر بصاع من طعامٍ كما ورد في الأحاديث يكفي الفقير والمحتاج فهذا تقدير من رسول الله صلى الله عليه وسلم{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}سورة النجم الآيتان 2-3، فالواجب أن نقول سمعنا وأطعنا ولا نقيسَ الأمور بعقولنا القاصرة.

وخلاصة الأمر أن زكاة الفطر فريضةٌ بإجماع العلماء،وأنها تجب على الغني والفقير،وأنها متعلقةٌ بالأبدان طُهرةً للصائم من اللغو والرفث،وأن الفقير داخلٌ في ذلك،وأنه لا يشترط لوجوبها ملكُ نصاب الزكاة،وأن الفقير الذي تجب عليه هو مَنْ ملك قوته وقوت عياله وقوت من يمونهم ليلة العيد ويومها.وأنه يجوز إخراجُ القيمة في زكاة الفطر للحاجة أو للمصلحة،وأن مقدار زكاة الفطر واحدٌ للغني والفقير،وهو صاعٌ من غالب قوت أهل البلد،وأنها إذا أُخرجت من الأعيان، فهي صاعٌ بلا فرقٍ بين غنيٍ وفقيرٍ.وإذا أُخرجت قيمةً أي نقداً فتخرج مبلغاً بدل الصاع بلا فرقٍ بين غنيٍ وفقيرٍ،وأنه تجوز الزيادة على الصاع تطوعاً وإحساناً ما لم يعتقد أن التقدير الشرعي بالصاع لا يكفي،فالصاع هو الحد الأدنى،وأن تقدير القيمة في بلادنا يكون على أساس القمح والطحين والأرز والخبز،لأنها غالب قوت أهل بلدنا،فيؤخذ متوسط أسعار هذه المواد،ويساوي اليوم تسعة شواكل تقريباً أو دينارين أردنيين تقريباً،وأن القول بالتفرقة بين الغني وبين الفقير؛فالفقير يخرج تسعة شواكل،والغني يخرج خمسين شيكلاً؛قولٌ باطلٌ شرعاً،ومبناه على تحكيم العقل في النصوص،وهو اتجاه العصرانيين وأفراخ المعتزلة في هذا الزمان،وهذا اتجاهٌ مرفوضٌ شرعاً.

والله الهادي إلى سواء السبيل