تعدد الشفعاء وكيفية تقسيم المشفوع فيه بينهم

يقول السائل:نحن إخوة وأخوات ورثنا قطعة أرض عن والدنا ولما تقسم،باع أحدُ الشركاء حصته لأخيه، فهل تثبت الشفعة لبقية الشركاء،أفيدونا؟ 

الجواب:

أولاً:الشفعة هي:استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض.والشريك يشمل الشريكُ في تملك الأرض،والشريكُ في حقٍ من حقوق ارتفاقها،والشريكُ في العقار والمنقول على القول الراجح من أقول العلماء،والمنتقلة بعوضٍ يدخل فيه العوضُ المالي وغير المالي.انظر بحث “حكم شفعة الجار” ص7.

وقد ثبتت مشروعية الشفعة بأدلةٍ كثيرةٍ من السنة النبوية منها:عن جابر رضي الله عنه:(أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يُقسم،فإذا أوقعت الحدودُ وصرِّفت الطرقُ فلا شفعة)رواه البخاري.
وعن جابر رضي الله عنه أيضاً:(أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل شركة لم تُقسم،ربعةٍ أو حائطٍ،لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه،فإن شاء أخذه،وإن شاء ترك،فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به)رواه مسلم.
وعن جابر رضي الله عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(الجار أحق بشفعة جاره،يُنتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً)رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل5/378.
وعن سمرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(جارُ الدار أحقُ بالدار)رواه أبو داود والنسائي و‏الترمذي وقال:حديث حسن صحيح،وصححه العلامة الألباني في المصدر السابق 5/377. وغير ذلك من الأحاديث.

ثانياً:اتفق أهل العلم على أن الشفعة تثبت للشريك،واختلفوا في ثبوتها للجار الملاصق، فقال جمهور الفقهاء لا تثبت الشفعة بمطلق الجوار،وأثبتها الحنفية، واختار بعض أهل العلم قولاً وسطاً بين القولين السابقين فقرروا أن الشفعة تثبت للجار إذا كان شريكاً مع جاره في حقٍ من حقوق الارتفاق الخاصة كأن يكون طريقهما واحداً،وهو الراجح في المسألة.
واختار هذا القول العلامة ابن القيم والإمام الشوكاني،ونقل عن الإمام أحمد،وقال به جماعةٌ من المعاصرين.

قال الشيخ ابن القيم:[والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلــة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث أنه إن كان بين الجاريـن حقٌ مشترك من حقوق الأملاك من طريقٍ أو ماءٍ أو نحو ذلك،تثبت الشفعة، وإن لم يكـن بينهما حق مشترك البتـة،بل كان كل واحدٍ منهما متميزاً ملكه وحقوق ملكـه فلا شفعة]إعلام الموقعين 2/149.

ثالثاً:حكمة مشروعية الشفعة هي رفع الضرر،قال العلامة ابن القيم:[من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة ولا يليق بها غير ذلك،فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن،فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه أبقاه على حاله،وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به،ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب،فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه وتعالى رفع هذا بالقسمة تارةً،وانفراد كل من الشريكين بنصيبه،وبالشفعة تارةً وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك،فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي،وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان،فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي،وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان،فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي ويزول عنه ضرر الشركة،ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن.وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد]إعلام الموقعين 2/139.

رابعاً:اتفق العلماء على ثبوت حق الشفعة لكل واحدٍ من الشفعاء عند تعددهم واتحادهم في سبب الاستحقاق،كالشراء في العقار المشاع،أو الميراث،وذلك للنصوص الواردة في ثبوت حق الشفعة لمن قام به سببُها سواءً كان واحداً أو أكثر،ولكن العلماء اختلفوا في كيفية تقسيم المشفوع فيه بين الشركاء على قولين،الأول على يقسم حسب حصصهم،والثاني يقسم على عددهم، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[الصحيح في المذهب أن الشِّقْصُ- هو الطائفة من الشيء والقطعة من الأرض- المشفوع إذا أخذه الشفعاء‏,‏قُسِّمَ بينهم على قدْر أملاكهم،اختاره أبو بكر،وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين وعطاء وبه قال مالك‏,‏وسوار والعنبرى وإسحاق‏,‏وأبو عبيد وهو أحد قولي الشافعي.وعن أحمد رواية ثانية أنه يقسم بينهم على عدد رؤوسهم،اختارها ابن عقيل وروي ذلك عن النخعي‏‏ والشعبي،وبه قال ابن أبى ليلى وابن شبرمة والثوري‏,‏وأصحاب الرأي،لأن كل واحد منهم لو انفرد لاستحق الجميع،فإذا اجتمعوا تساووا كالبنين في الميراث‏…ولنا أنه حق يستفاد بسبب الملك فكان على قدر الأملاك‏,كالغلة]المغني5/263.

والقول بتقسيم المشفوع فيه على حسب الأنصبة هو الراجح،لأن الشفعة حقٌ شرعيٌ يستفاد بسبب الملك،فكان على قدره،ويلزم من ذلك أن يتم توزيع هذا الحق في حال تزاحم الشفعاء بقدر حق كل شريك في الملك،قياسُ الشفعة على الربح والثمرة والأجرة،وهي متفاوتة بحسب حصص أصحابها وحقوقهم،فكذلك الشفعةُ تتفاوت بتـفاوت حصص المُلاك.ولأن الشفعة شُرعت لدفع الضرر عن الشريك،والضررُ متفاوتٌ بتفاوت حصص المُلاك،فصاحب النصيب الكثير يخصه من الضرر أكثر من صاحب النصيب القليل،فوجب أن يُراعى ذلك بأن يكون استحقاقهم لدفع هذا الضرر بقدر أنصبتهم، ومما يرجح تقسيم المشفوع فيه على الأنصبة ما يلي:

  • إن الشارع أثبت حق الشفعة للشريك مطلقاً ولم يفصّل مقدار ما يأخذه كل شريك في حالة التعدد والتزاحم،فنرجع في تقدير ذلك إلى مقدار نصيب كل شريك في الشركة وهو مرجحٌ معتبرٌ.
  • ولأن الشفعة حقٌ شرعيٌ ماليٌ-أي يؤول إلى المال- يثبت للشريك في الملك،وحيث إن حقوق العباد مبنية على المشاحة وعدم التسامح،فيكون تقسيم المشفوع فيه بين الشركاء بحسب أنصبتهم أقرب إلى قاعدة العدل المقررة في الشريعة الإسلامية.
  • ولأن توزيع المشفوع فيه على عدد رؤوس الشركاء قد يؤدي إلى عدم استطاعة صاحب النصيب القليل الأخذ بالشفعة،ويظهر ذلك فيما إذا كانت قيمة العقار مرتفعة لا يستطيع عليها مما يؤدي إلى تركه للأخذ بالشفعة فيتضرر بذلك.بحث تعدد الشفعاء ص 18-19.

خامساً:أخذ القانون المدني المعمول به في بلادنا بالقول الثاني الذي يرى أن المشفوع فيه يقسم على حسب عدد الشفعاء، فقد ورد في المادة (1013) من مجلة الأحكام العدلية:[إذا تعدد الشفعاء يعتبر عدد الرؤوس ولا يعتبر مقدار السهام، يعني لا اعتبار لمقدار الحصص.مثلاً لو كان نصف الدار لأحد وثلثها وسدسها لآخرين،وباع صاحب النصف حصته لآخر، فطالب الآخران بالشفعة يقسم النصف بينهما بالمناصفة،وليس لصاحب الثلث أن يأخذ بموجب حصته حصةً زائدةً على الآخر]
وكذلك فإن القانون المدني الأردني أخذ بهذا الرأي كما في المادة (1153/1) [إذا اجتمع الشفعاء من درجةٍ واحدةٍ كانت الشفعة بينهم بالتساوي] وكذا أخذ به القانون المدني العراقي في المادة (1131/2).
وأما القانون المدني المصري فقد أخذ بالقول الأول أي التقسيم حسب الأنصبة كما في المادة (937/3) [يكون استحقاق كل منهم للشفعة على قدر نصيبه]
وأخذ بهذا الرأي مشروع القانون المدني الفلسطيني:في المادة (1070) [إذا تزاحم الشفعاء من طبقةٍ واحدةٍ يكون استحقاق كل منهم للشفعة على قدر نصيبه].

وخلاصة الأمر أن الشفعة هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض، وقد ثبتت مشروعيتها بأدلةٍ كثيرةٍ من السنة النبوية، وأن أهل العلم قد اتفقوا على أن الشفعة تثبت للشريك،واختلفوا في ثبوتها للجار الملاصق،فقال جمهور الفقهاء لا تثبت الشفعة بمطلق الجوار،وأثبتها الحنفية،واختار بعض أهل العلم قولاً وسطاً بين القولين السابقين فقرروا أن الشفعة تثبت للجار إذا كان شريكاً مع جاره في حقٍ من حقوق الارتفاق الخاصة كأن يكون طريقهما واحداً،وهو القول الراجح في المسألة، وأن الحكمة من مشروعية الشفعة هي رفع الضرر،فالشفعة من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ولا يليق بها غير ذلك،فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين، وأن العلماء متفقون على ثبوت حق الشفعة لكل واحدٍ من الشفعاء عند تعددهم واتحادهم في سبب الاستحقاق كالشراء في المشاع،أو الميراث، ولكن العلماء اختلفوا في كيفية تقسيم المشفوع به بين الشركاء، فمنهم من قال يقسم حسب حصصهم ومنهم من قال على عددهم،والقول بتقسيم المشفوع فيه على حسب الأنصبة هو الراجح،ولكن القانون المدني المعمول به في بلادنا – مجلة الأحكام العدلية-عمل بالتقسيم على حسب عدد الشفعاء،وأخذ به القانون المدني الأردني والقانون المدني العراقي،وأخذ بما رجحته القانون المدني المصري ومشروع القانون المدني الفلسطيني.
والله الهادي إلى سواء السبيل