{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

يقول السائل:من الملاحظ ارتفاع عدد جرائم القتل في بلادنا فكيف السبيل لمواجهة ذلك شرعاً،أفيدونا؟

الجواب:

أولاً:لا بد أن يعلم أولاً أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب، وقد وردت النصوص الكثيرة من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك، فمنها قوله تعالى:{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} سورة الإسراء الآية 33.
وقوله تعالى:{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} سورة النساء الآية 93.
وقال الله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}سورة الفرقان الآيتان 68-69.
وثبت في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال: (الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قال قول الزور أو قال شهادة الزور. قال شعبة وأكثر ظني أنه قال شهادة الزور) رواه البخاري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمنُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصبْ دماً حراماً) رواه البخاري، ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الشيخ ابن العربي قوله: [الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول] فتح الباري 12/233.
وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:(إن من وَرَطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله)، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[قوله (إن من ورطات) بفتح الواو والراء،… وهي جمع وَرْطة، بسكون الراء وهي الهلاك، يقال وقع فلان في وَرْطة، أي في شيء لا ينجو منه، وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها] فتح الباري 12/233-234.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره… كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دماً – أي تسيل – يقول يا رب هذا قتلني حتى يدنيه من العرش) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/40.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلمٍ) رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56.
وجاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/629.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول:(ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمدٍ بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630.
وغير ذلك من النصوص التي تدل على عظمة النفس المعصومة.
ونظر ابن عمر رضي الله عنه يوماً إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ( ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) رواه الترمذي.

ثانياً:شرع الله عز وجل القصاص في حال القتل العمد،فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}سورة البقرة الآيتان 178- 179.
قال العلامة الشنقيطي في تفسيره:[ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها،ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديماً وحديثاً قلة وقوع القتل في البلاد التي تُحَكِمُ كتاب الله. لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفاً. وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة.لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول،وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحْبس،وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع.كله كلامٌ ساقطٌ، عارٍ من الحكمة،لأن الحبس لا يردع الناسَ عن القتل،فإذا لم تكن العقوبةُ رادعةً،فإن السفهاء يكثر منهم القتل. فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل] أضواء البيان3/316.
وقال الشيخ ابن عاشور معلقاً على قوله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}تذييلٌ لهاته الأحكام الكبرى،طمأن به نفوس الفريقين،أولياء الدم والقاتلين في قبول أحكام القصاص،فبين أن في القصاص حياةً،والتنكير في{حَيَاةٌ}للتعظيم،بقرينة المقام،أي في القصاص حياةٌ لكم أي لنفوسكم؛فإن فيه ارتداع الناس عن قتل النفوس،فلو أُهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت،فلو علم القاتل أنه يسلم من الموت،لأقدم على القتل مستخفاً بالعقوبات…وفي قوله تعالى:{يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ}تنبيهٌ بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص،ولذلك جيء في التعريف بطريق الإضافة الدالة على أنهم من أهل العقول الكاملة؛لأن حِكمةَ القصاص لا يدركها إلا أهلُ النظر الصحيح؛إذ هو في بادئ الرأي كأنه عقوبةٌ بمثل الجناية؛لأن في القصاص رزيةٌ ثانيةٌ،لكنه عند التأمل هو حياةٌ لا رزيةٌ…وقوله{فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}من جوامع الكلم فاق ما كان سائراً مسرى المثل عند العرب وهو قولهم”القتلُ أنفى للقتل”]تفسير التحرير والتنوير1/507.
[ولأن عقوبة الإعدام تحقق أقصى قدر من الزجر والإرهاب في النفس خشية سلب الحق في الحياة،وبالتالي فهي أكثر الوسائل فاعلية في تحقيق أهداف الدولة والمحافظة على نظامها الاجتماعي،فإن عقوبة الإعدام ضرورة اجتماعية] فلسفة عقوبة الإعدام ص282.

ثالثاً: إن من أهم أسباب انتشار جرائم القتل العمد في بلادنا أن العقوبة –إن نُفذت – فهي غير رادعةٍ،فإن سجن القاتل لسنوات معدودة، لا يكفي في ردع القتلة،وخاصة أن من القتلة من لا يقضي كامل عقوبة السجن بل يُخرج قبل ذلك.

رابعاً:وإن مما يشجع القتلة على الإقدام على القتل،مطالبةُ بعض رجال العرف العشائري بتقليل مقدار الدية وتقديرها بالفضة،بحيث تكون دية الرجل المسلم تساوي ثمن بغلين أو ثلاثة بغال!وقد قرر أهل العلم أن من حكمة مشروعية الدِّية حفظ الأرواح،وحقن دماء الناس،وزجر الجاني وردعه ومحاسبته على ما اقترفت يداه،وكذلك لردع الآخرين عن الاستهانة بالأنفس،فإن حفظ النفس من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية،لهذه الحِكَمِ وغيرها شددت الشريعة الإسلامية في أمر الديات،لذلك كانت المئة من الإبل والألف دينار ذهبي والاثنا عشر ألف درهمٍ فضيٍ،تعتبر أموالاً عظيمةً وقت تشريع الدِّية،والمطالبة بتقدير الدِّية بالفضة في زماننا مع رخصها،لا يحقق مقاصد الشارع الحكيم في حفظ الدماء،بل إن هذا التقدير البائس الرخيص فيه تشجيعٌ على الاستهانة بدماء الناس!

خامساً:إن مما يشجع القتلة على الإقدام على القتل،مطالبة بعض الجمعيات الممولة غربياً بإلغاء عقوبة الإعدام من قانون العقوبات المعمول به في بلادنا.وهؤلاء الذين يرفعون شعار إلغاء عقوبة الإعدام محافظةً على حق حياة القاتل كما زعموا،غفلوا عن الروح التي أزهقها القاتل عمداً وعدواناً،وتناسوا أن قسوة العقوبة جاءت من وحشية الجريمة.كما أنهم بدعواهم تلك قد فتحوا باب الأخذ بالثأر،وشجعوا إزهاق أرواح الكثير من الأبرياء بقتل غير القاتل كما هو مشاهد في مجتمعنا.
ومما يؤسف له أن دعاة إلغاء عقوبة الإعدام قد تلقفوا الفكرة من الجهات الأجنبية وسوقوها في بلادنا دون أن يعلموا أن الدول التي طبقت ذلك،قد أرست دعائم الأمن في بلادها قبل تطبيقها،وأنه لم يحصل في بلادنا مثل ذلك.

سادساً:إن الدول التي ألغت عقوبة الإعدام محافظةً على حياة الانسان كما زعموا،واعتبروا أنها من أبشع الجرائم وأقساها بحق الإنسانية،هذه الدول هي نفسها التي تمارس القتل خارج إطار القانون وترتكب جرائم كبيرة ضد الإنسانية في حق الشعوب المسلمة والشواهد أكثر من أن تُعدَّ على ذلك.

سابعاً:تنفيذ عقوبة الإعدام في الشرع لا يكون إلا وفق ضوابط وقواعد مقررة شرعاً،وقد كفلت الشريعة قواعد العدل قبل التنفيذ،ورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي بشأن عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي:
[بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى في موضوع عقوبة الإعدام في النظر الإسلامي،وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله،لا شك أن الإسلام من منطلق أصوله الأخلاقية الحامية لحقوق الإنسان،قام بدورٍ تاريخي فاعل ومؤثر في تقليل وتقليص الإعدام وسيما في الظروف القاسية التي كانت تتسع دائرته عند الكثير من الأمم،وذلك عبر تأصيل وتأسيس قواعد،كقاعدة حرمة الدم،وقاعدة درء الحدود بالشبهات،وقاعدة الاحتياط في الدماء،قرر ما يأتي:

(1) عقوبة الإعدام تُمثل أحدَ عناصر النظام العقابي اللازم لحماية المصالح العليا في المجتمعات الإنسانية،ولهذا كانت الشبهات المطالبة بإلغائها مطلقاً ليس لها ما يبررها شرعاً وعقلاً.
(2)الإعدام هو سلب الجاني حق الحياة بحكمٍ قضائيٍ عادلٍ.
(3)لا يُحكم بعقوبة الإعدام إلا إذا ثبت على الجاني أنه قد ارتكب ما يوجبها وفق قواعد الإثبات المقررة شرعاً في الحدود والقصاص.
(4)يجب أن يستند حكم الجريمة الموجبة للإعدام إلى نصٍ تشريعي صريحٍ مستمد من الشريعة الإسلامية.
(5)يجب أن يتوافر في عقوبة الإعدام الضمانات التي تمنع الإسراف في تطبيقها أو الخطأ في الحكم بها.
(6)يجب قبل تطبيق العقوبة اتخاذ كافة التدابير الواقية من ارتكاب الجريمة،كي لا يكون للجاني عذرٌ عند تطبيق عقوبة الإعدام بحقه.
(7)يُترك اختيارُ وسيلة تنفيذ عقوبة الإعدام لتشريعات الدول الإسلامية في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية]

وخلاصة الأمر أن قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق من كبائر الذنوب،كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.وأن الله عز وجل شرع القصاص في حال القتل العمد لحكمةٍ بالغةٍ يدركها أهل العقول الكاملة ولا يدركها إلا أهل النظر الصحيح،وأن الذين يطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام لم يدركوا الحكمة من مشروعيتها{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
وأما الذين يُؤَجِرون عقولهم لغيرهم مقابل دراهم معدودة،فليسوا من أولي الألباب.
وإن من أهم أسباب انتشار جرائم القتل العمد في بلادنا أن العقوبة غير رادعة،وإن مما يشجع القتلة على الإقدام على القتل،مطالبة بعض رجال العرف العشائري بتقليل مقدار الدية،بحيث تكون دية الرجل المسلم تساوي ثمن بغلين أو ثلاثة بغال!
ومما يشجع القتلة على الإقدام على القتل،مطالبة بعض الجمعيات الممولة غربياً بإلغاء عقوبة الإعدام.وهؤلاء الذين غفلوا عن الروح التي أزهقها القاتل عمداً وعدواناً،تناسوا أن قسوة العقوبة جاءت من وحشية الجريمة.والدول التي ألغت عقوبة الإعدام محافظةً على حياة الانسان كما زعموا هي نفسها التي تمارس القتل خارج إطار القانون وترتكب جرائم كبيرة ضد الإنسانية في حق الشعوب المسلمة.
وأن تنفيذ عقوبة الإعدام في الشرع لا يكون إلا وفق ضوابط وقواعد مقررة شرعاً،وقد كفلت الشريعة قواعد العدل قبل التنفيذ.وإن من أهم أهداف القصاص في الإسلام هو المحافظة على أمن المجتمع وردع المجرمين،فلذلك كله فإن المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام من أبطل الباطل ومضادٌ لشريعة رب الأرض والسموات.

والله الهادي إلى سواء السبيل