الاقتداء بالإمام المخالف في المذهب

يقول السائل : إنه صلى الفجر في أحد المساجد فقنت الإمام في صلاة الفجر والسائل لا يقنت في صلاة الفجر لأنه يقلد إماماً لا يرى القنوت في صلاة الفجر فما قولكم ؟

الجواب : اتفق أكثر أهل العلم على صحة الإقتداء بالإمام المخالف في الفروع فإذا صلى أحد أتباع المذاهب خلف غيره من المذاهب الأخرى فالصلاة صحيحة وهذا هو الراجح في هذه المسألة .
والاختلاف في الفروع معروف منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقد اختلف الصحابة  رضي الله عنهم في الفروع وكانوا يصلون خلف بعضهم بعضاً وهذا هو منهج الأئمة المعتبرين من علماء المسلمين .

قال الشيخ ولي الله الدهلوي :[ وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك . ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة  وأصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً . وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد .

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له :[ فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه ؟ فقال : كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب ].

وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبّران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده .

وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً :[ ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق ].

وفي البزازية عن الإمام الثاني – وهو أبو يوسف – رحمه الله أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال : إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً .

وسئل الإمام الخجندي رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين ثم انتقل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله كيف يجب عليه القضاء أيقضيها على مذهب الشافعي أم على مذهب أبي حنيفة ؟ فقال :[ على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز ].

وفي جامع الفتاوى أنه إن قال حنفي إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً ثم استفتى شافعياً فأجاب أنها لا تطلق ويمينه باطل فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه المسألة لأن كثيراً من الصحابة في جانبه .

قال محمد رحمه الله في أماليه :[ لو أن فقيهاً قال لامرأته : أنت طالق البتة وهو ممن يراها ثلاثاً ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها …] حجة الله البالغة 1/295-296 .

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية قصة جرت لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة عندما استخلفه الخليفة في صلاة الجمعة فصلى بالناس ثم ذكر أنه كان محدثاً فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة فقيل له في ذلك فقال :[ ربما ضاق علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين … ] .

ثم قال شيخ الإسلام :[ ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلي خلف بعض … فما زال الشافعي وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرؤون البسملة سراً ولا جهراً ].

ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكاً فأفتاه بأنه لا وضوء عليه فصلى خلفه أبو يوسف ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء فقيل لأبي يوسف :[ أتصلي خلفه ؟ فقال : سبحان الله ! أمير المؤمنين ! ].

فإنَّ ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر أهل البدع كالرافضة والمعتزلة . ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فأفتى بوجوب الوضوء فقال له السائل :[ فإن كان الإمام لا يتوضأ أصلي خلفه ؟ فقال : سبحان الله ! ألا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس ؟! ] .

إذا تقرر هذا فإن على المأموم أن يتابع إمامه في القنوت لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم :( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا …الحديث ) رواه البخاري ومسلم .
وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة :[ لو صلى الفجر خلف إمام يقنت يتابعه لئلا يخالف إمامه ] الاختيار لتعليل المختار 1/55 .
*****