نظراتٌ شرعيةٌ نقديةٌ في مقال” تطوير الخطاب الديني؛واجبٌ ومسؤولية”

يقول السائل:ما قولكم فيما ورد في مقال”تطوير الخطاب الديني؛واجبٌ ومسؤولية”الذي نشرته صحيفة”القدس”حيث تضمن المقالُ الدعوة إلى تطوير خطبة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك،وقضية التكفير والموقف من العروبة،أفيدونا؟

الجواب:قرأت مقال” تطوير الخطاب الديني؛واجبٌ ومسؤولية”للأستاذ محمد خضر قرش،الذي نشرته صحيفة “القدس” بتاريخ2/2/ 2014م ووجدته مشتملاً على عدة قضايا،وأجيب عنها فيما يلي:

أولاً:لا شك أننا بحاجةٍ لتطوير خطبة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك وكل المساجد،وهذا التطوير يكون باتجاه معرفة وتطبيق هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة،وليس في السير على قاعدة”ما يطلبه المستمعون”حيث طالب الكاتب في اقتراحه الثامن بعمل استبيان لمعرفة رأي المصلين أو عددٍ منهم في الموضوعات التي ينبغي طرحها في خطبة الجمعة!وهذه فكرةٌ براقةٌ في ظاهرها،وغير عملية في واقعها لأسبابٍ كثيرة،ليس هذا محل بحثها،بل المطلوب من الخطباء أن يستنوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة،فلا شك أن خيرَ الحديث كتابُ الله،وأن خيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم،وأن من يطلع على هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام ليعجب من خطباء اليوم في خطب الجمعة والعيدين وغيرها،فخطبة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقريراً لأصول الإيمان،من إيمانٍ بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار،وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته،وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته،فتُملأُ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً،كما كان عليه الصلاة والسلام يُعلِّمُ الصحابةَ في خطبه قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم…الخ.وكان عليه الصلاة والسلام يقرأ آياتٍ من القرآن الكريم في خطبته،أحياناً سوراً من القرآن كسورة(ق)كما ثبت في الحديث عن أم هشام بنت حارثـة بن النعمان رضي الله عنهما قالت:(ما أخذت{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم،يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطـب الناس)رواه مسلم.وكان من هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام تقصير الخطبة وإطالة الصلاة،فقد ثبت في الحديث عن عمار رضي الله عنه قال:(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه،فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة)رواه مسلم.أي إن قصر الخطبة وطول الصلاة علامةٌ على فقه الخطيب.

ثانياً:إن ما لمسه الكاتب في خطب المسجد الأقصى المبارك من نمطية وتكرار،مردُّه إلى أسبابٍ كثيرةٍ،منها إصرارُ بعض الخطباء على إرضاء العامة ودغدغة عواطفهم.ومنها منهج بعض الخطباء في إحياء البدع المخالفة للسنة النبوية،كالخطب المكررة بمناسباتٍ دينيةٍ في زعمهم،كالمولد النبوي والإسراء والمعراج والهجرة ونحوها.وإن بعض الخطباء لا يكادون يقرؤون آية من القرآن في خطبهم ولا يكادون يذكرون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،ونرى أن أكثرهم لا يخطبون إلا في موضوعٍ واحدٍ،وكأن الإسلام محصور فيه فقط.فمثلاً نجد كثيراً من الخطباء لا يخطبون إلا في الموضوع السياسي،أو التباكي على حال المسجد الأقصى.ولا شك أن الموضوع السياسي مهمٌ جداً،ولكن الإسلام ليس مقصوراً عليه،كما أن المصلين بحاجةٍ إلى طرح قضاياهم الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية وغيرها،والتباكي يصلح مرةً،لا مراتٍ ومراتٍ.والناس في زماننا يحتاجون إلى التبصير في أمور دينهم كلها،فيجب على الخطباء أن يتناولوا مختلف قضايا المسلمين،وما يهمهم في الدنيا والآخرة.

ثالثاً:اقترح الكاتب إرسالَ الخريجين إلى الأزهر،لتعلم فقه الدين وأصول الخطابة والوعظ والإرشاد،وهذا أمرٌ طيبٌ،ولكن عندنا في فلسطين يوجد في جامعتنا الوطنية عدةُ كلياتٍ شرعيةٍ،تُخَرِّجُ كل عامٍ عشرات الطلبة المؤهلين،ولكن وللأسف تُغلق في وجوههم سبل التوظيف،بل إن بعض الخطباء المؤهلين يمنعون من الخطابة،ويؤتى بآخرين لا علاقة لهم بالعلم الشرعي!؟

رابعاً:ما ذكره الكاتب عن انتشار الجماعات التكفيرية،بعضهُ حقٌ وبعضهُ باطل،ويجب أن يُعلم أن عقيدة أهل السنة والجماعة التي سار عليها السلف في الموقف من التكفير،هي ما قاله أبو جعفر الطحاوي:[ولا نُكفِّرُ أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله]شرح العقيدة الطحاوية ص355.

فليس من مذهب أهل السنة والجماعة تكفيرُ أحدٍ من المسلمين بذنبٍ أصابه،وقضايا التكفير أمورٌ خطيرةٌ يحرم شرعاً الخوض فيها من غير أهل العلم،وينبغي الحذرُ الشديدُ من السقوط في منزلق التكفير،حيث إن بعض الناس يتسرعون في تكفير الناس وإخراجهم من ملة الإسلام والمسلمين،وهذا كلامٌ خطيرٌ جداً يجب التحذير منه،

فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أيما امرئٍ قال لأخيه:يا كافر،فقد باء بها أحدهما،إن كان كما قال،وإلا رجعت عليه).وعن أبي ذرٍ رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق،ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه،إن لم يكن صاحبه كذلك)رواه البخاري،وفي رواية عند مسلم قال:(ومن دعا رجلاً بالكفر،أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه)أي رجع عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وأما التكفير فالصواب أن من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يُكفر،بل يُغفر له خطؤه،ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر،ومن اتبع هواه وقصَّر في طلب الحق وتكلم بلا علم،فهو عاصٍ مذنبٌ ثم قد يكون فاسقاً،وقد يكون له حسناتٌ ترجح على سيئاته]مجموع الفتاوى12/180.

وقال الشيخ العلامة العثيمين:[للحكم بتكفير المسلم شرطان:أحدهما:أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يُكفر.الثاني:انطباق الحكم على من فعل ذلك بحيث يكون عالماً بذلك قاصداً له،فإن كان جاهلاً لم يكفر لقوله تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}سورة النساء الآية 115.وقوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}سورة التوبة الآية 115.وقوله تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}سورة الإسراء الآية15.لكن إن فرَّط بترك التعلم والتبين لم يُعذر،مثل أن يبلغه أن عمله هذا كفرٌ،فلا يتثبت ولا يبحث،فإنه لا يكون معذوراً حينئذ.وإن كان غير قاصدٍ لعمل ما يكفر،لم يكفر بذلك،مثل أن يُكره على الكفر وقلبه مطمئنٌ بالإيمان،ومثل أن ينغلق فكرُه،فلا يدري ما يقول لشدة فرحٍ ونحوه،كقول صاحب البعير الذي أضلها ثم اضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطامها متعلقاً بالشجرة فأخذه فقال:اللهم أنت عبدي وأنا ربُك،أخطأ من شدة الفرح]فتاوى العقيدة ص263-264.

خامساً:قال الكاتب:[ويذهب البعض من موقظي الفتن إلى القول إن للشيعة قرآناً غير الذي بين أيدينا يدَّعون أن اسمه قرآن فاطمة]

وأقول:إن أئمة الشيعة ومصادرهم المعتبرة هي التي تقول بوجود مصحف فاطمة عندهم،وليس من سميتهم” موقظي الفتن”إقرأ كتب الشيعة،وبالذات أهم مصادرهم التي تنص على نزول مصحفٍ على فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم،

جاء في كتاب الكافي للكليني1/239 -وهو بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة-:[عن أبي عبد الله قال:[وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام،وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام؟قال:قلت:وما مصحف فاطمة عليها السلام؟قال:مصحفٌ فيه مثلُ قرآنكم هذا ثلاث مرات،والله ما فيه من قرآنكم حرفٌ واحد].فهذه الأسطورة -مصحف فاطمة- التي يرويها “ثقة الإسلام عندهم” بسندٍ صحيحٍ عندهم كما يقرره شيوخهم،انظر الشّافي شرح أصول الكافي3/197.

وترجم الكليني في الكافي:باب”ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام”.وورد في بحار الأنوار26/48,وبصائر الدرجات ص42 وهما من مصادر الشيعة المعتبرة:[مصحف فاطمة رضي الله تعالى عنها ما فيه شيءٌ من كتاب الله,وإنما هو شيءٌ أُلقي عليها]

وورد في الكافي8/57[عن أبي بصير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم…ثمَّ أتى الوحيُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال:سأل سائلٌ بعذاب واقع للكافرين بولاية عليٍّ ليس له دافع,من الله ذي المعارج,قال قلت:جُعلتُ فداك إنا لا نقرؤها هكذا,فقال:هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم,وهكذا والله مثبتٌ في مصحف فاطمة عليها السلام]

كما أن الشيعة يطعنون في القرآن الكريم ويزعمون أنه ناقصٌ حيث ألَّف أحدُ كبار علماء النجف،وهو الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي كتاباً سماه:(فصلُ الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربِّ الأرباب)جمع فيه مئات النصوص عن علماء الشيعة ومجتهديهم في مختلف العصور زعموا فيها بأن القرآن قد زِيد فيه ونُقص منه،وقد طبع كتاب الطبرسي هذا في إيران.

ويقول المفسر الشيعي محسن الكاشاني:[إنّ القرآن الذي بين أيدينا ليس بتمامه كما أُنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم،بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله،ومنه ما هو مغيرٌ محرفٌ،وأنه قد حُذف منه أشياءُ كثيرةٌ]تفسير الصافي،المقدمة-محسن الكاشاني.وانظر الخطوط العريضة ص 14،الوشيعة في كشف شنائع وضلالات الشيعة ص 34.وأين هؤلاء الضالين من قول رب العالمين:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}سورة الحجر الآية 90.

سادساً:أهلُّ السنة والجماعة لا يُكفِّرون الشيعة،بل يقولون هم من أهل القبلة،وعندهم عقائد كفرية،من اعتقد بها كفر، كزعمهم بأن القرآن ناقصٌ وكتكفيرهم لأبي بكر وعمر وأكثر الصحابة رضوان الله عليهم،بل يكفرون عامة أهل السنة،فالشيعة هم التكفيريون،

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[والرافضة كفَّرت أبا بكر،وعمر،وعثمان،وعامة المهاجرين والأنصار،والذين اتبعوهم بإحسان،الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه،وكفَّروا جماهير أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المتقدمين والمتأخرين.فيكفِّرون كلَّ من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة،أو ترضَّى عنهم كما رضي الله عنهم،أو يستغفر لهم كما أمر الله بالاستغفار لهم،ولهذا يكفِّرون أعلام الملة:مثل سعيد بن المسيب،وأبي مسلم الخولاني،وأويس القرني،وعطاء بن أبي رباح،وإبراهيم النخعي،ومثل مالك والأوزاعي،وأبي حنيفة،وحماد بن زيد،وحماد بن سلمة،والثوري،والشافعي،وأحمد بن حنبل،وفضيل بن عياض،وأبي سليمان الدارني،ومعروف الكرخي،والجنيد بن محمد،وسهل بن عبد الله التستري،وغير هؤلاء،ويستحلون دماء من خرج عنهم،ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور] مجموع الفتاوى 28/477.

سابعاً:تباكى الكاتب على الشيعة،وما علم حقيقةَ عقيدتهم من المسجد الأقصى المبارك،وما علم أن الشيعة لهم رأيٌ آخر في مكان المسجد الأقصى المبارك كما يؤخذ من مراجعهم،فهم يزعمون أن المسجد الأقصى المذكور في أول سورة الإسراء إنما هو البيت المعمور الذي في السماء،وليس المسجد الأقصى المعروف في بيت المقدس،

فقد ورد في تفسير الصافي للكاشاني1/669–670في تفسير قوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى}قال:[ذاك في السماء،إليه أُسري رسول الله صلى الله عليه وآله].وجاء في تفسير القُمي عن الباقر عليه السلام:[أنه كان جالساً في المسجد الحرام فنظر إلى السماء مرةً وإلى الكعبة مرةً ثم قال:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقصى}وكرر ذلك ثلاث مرات،ثم التفت إلى إسماعيل الجعفي،فقال:أي شيءٍ يقول أهل العراق في هذه الآية يا عراقي؟قال:يقولون أُسري به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس،فقال ليس كما يقولون،ولكنه أُسري به من هذه إلى هذه،وأشار بيده إلى السماء،وقال ما بينهما حرم.وقال العياشي عن أبي عبد الله قال:سألت عن المساجد التي لها الفضل فقال:المسجد الحرام،ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم،قلت:والمسجد الأقصى جُعلت فداك؟قال:ذاك في السماء،إليه أُسرى برسول الله عليه وسلم،فقلت:إن الناس يقولون إنه بيت المقدس فقال:مسجد الكوفة أفضل منه]تفسير الصافي3/166.

وجاء في كتاب منتهى الآمال لعباس القمي ص70:[والمشهور على أن المسجد الأقصى هو بيت المقدس،ولكن يظهر من الأحاديث الكثيرة أن المراد منه هو البيت المعمور الذي يقع في السماء الرابعة وهو أبعد المساجد].وروي الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب،وابن قولوبه في كامل الزيارات،بالإسناد عن أبي عبد الله الصادق قال:جاء رجل إلى أمير المؤمنين–أي علي رضي الله عنه-وهو في مسجد الكوفة فقال:السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته،فردَّ عليه،فقال:جُعلت فداك إني أردت المسجد الأقصى،فأردت أن أُسلِّم عليك،وأودعك،قال عليه السلام وأي شيءٍ أردت بذلك؟فقال الفضل،جُعلت فداك،قال عليه السلام:فبع راحلتك،وكُلْ زادك،وصلِّ في هذا المسجد-أي مسجد الكوفة-فإن الصلاة المكتوبة فيه حجةٌ مبرورةٌ،والنافلة عمرةٌ مبرورةٌ،والبركةُ منه على اثني عشر ميلاً،يمينه يُمْن،ويساره مكرمة،وفي وسطه عينٌ من دهن،وعينٌ من لبن،وعينٌ من ماء،شرابٌ للمؤمنين،طاهرٌ للمؤمنين.منه سارت سفينة نوح،وصلى فيه سبعون نبياً،وسبعون وصياً،أنا أحدهم،وقال بيده في صدره،ما دعا فيه مكروبٌ بمسألةٍ في حاجةٍ من الحوائج إلا أجابه الله تعالى،وفرج عنه كربته]الكافي3/491–492،وسائل الشيعة3/529.

وقد حرَّف الشيعة حديث شدِّ الرحال المشهور في الصحيحين:(لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى)وجاءوا بروايةٍ مكذوبةٍ على علي رضي الله عنه ونصها:(عن محمد بن علي بن الحسين قال:قال أمير المؤمنين عليه السلام:لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:المسجد الحرام،ومسجد الرسول عليه السلام،ومسجد الكوفة)وسائل الشيعة5/257.

فالشيعة لا ينظرون إلى المسجد الأقصى المبارك كما ينظر أهل السنة،فالمسجد الأقصى عند الشيعة إنما هو في السماء،ومن يُقرُّ منهم بأنه المعروف في بيت المقدس،فمسجد الكوفة أفضل منه،ولا شك أن هذا محضُ افتراءٍ على دين الله،فلم تثبت أي فضيلة لمسجد الكوفة لا في الكتاب ولا في السنة.وعلى كاتب المقال أن يسأل نفسه ثم يخبرنا،ماذا قدَّم الشيعة للقدس وللأقصى؟!

ثامناً:أنكر الكاتب على إمام مسجدٍ لأنه دعا بدعاءٍ يفرق صف أهل الوطن الواحد كما زعم،وفي الحقيقة إن الدعاء على المخالفين أمر مشروعٌ،فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القنوت اللهم أنج سلمة بن هشام،اللهم أنج الوليد بن الوليد،اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة،اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين،اللهم اشدد وطأتك على مَُضَر،اللهم سنين كسني يوسف)رواه البخاري.فالدعاء ليس على من يشاركنا الوطن من النصارى،وإنما الدعاء على الصليبين والمحاربين من النصارى،ولا شك في جوازه،ولا يغيبنَّ عن البال ما فعله الصليبيون قديماً في المسجد الأقصى،وما يفعله الصليبيون اليوم من مجازر في حق المسلمين في ديار الإسلام،ومساندتهم المطلقة للمحتلين للمسجد الأقصى وفلسطين.وأما الدعاء على القوميين والناصريين واليساريين والبعثيين والعلويين،فلأنهم أصحابُ مذاهب منحرفةٍ عن دين الله عز وجل،ولأنهم سببُ مصائب المسلمين في كثيرٍ من الأقطار،فمن ضيَّع فلسطين والأقصى؟ومن نكب العراق وأهله؟ومن نكب سوريا وأهلها؟ومن ولى الأدبار في حرب عام 67،ومن؟ومن؟سوى أؤلئك المذكورين،ومن سار في ركبهم!

تاسعاً:نعى الكاتب على من يحقدون على العروبة وكل ما هو عربي،وفي الحقيقة إن دين الإسلام كما هو معلوم انطلق من بلاد العرب،والقرآن نزل بلسانٍ عربيٍ مبين،ونبي الإسلام وآله عربٌ،وأصحابه عربٌ،وهم من نصروا الإسلام ونشروه

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقادُ أن جنسَ العرب أفضلُ من جنس العجم…وأن قريشاً أفضل العرب،وأن بني هاشم أفضل قريش،وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم،فهو أفضل الخلق نفساً، وأفضلهم نسباً]اقتضاء الصراط المستقيم ص148.

وقال الشيخ ابن باز:[العرب لهم مزية من جهة أنهم رهط النبي صلى الله عليه وسلم،وأن الله بعثه فيهم،بعثه بلسان عربي،ولهم مزيةٌ من هذه الحيثية أنهم حملوا الإسلام،وهم رهط النبي صلى الله عليه وسلم،وهم أول من حمل الإسلام ونشره بين الناس،فلهم مزيةٌ ولهم حقٌ من هذه الحيثية،فينبغي أن تُعرف لهم أقدارُهم،ويُعرف فضلُهم،أعني العرب الذين دخلوا في الإسلام وحملوه إلى الناس،وعلَّموه الناس،وصاروا قدوةً في الخير كالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من العرب ومن حمل الإسلام معهم من العجم،هؤلاء لهم فضلٌ ومزيةٌ من العرب والعجم كالصديق وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة وغيرهم من الأنصار والمهاجرين لهم فضلٌ عظيمٌ،وهكذا من تبعهم بإحسان في حمل العلم والجهاد في سبيل الله،حتى نشروا دين الله وعلَّموه الناس سواءً كانوا عرباً أو عجماً.لهم حقٌ عظيمٌ على المسلمين المتأخرين في الدعاء لهم والترضي عنهم وشكرهم على ما فعلوا وحبهم على ذلك.أما العربٌ الكفار لا حق لهم في هذا،وهكذا العجم الكفار لا حق لهم في هذا.أما هذا في حق العرب الذين تحملوا الإسلام ونشروه بين الناس،وعلموه الناس وجاهدوا في سبيل الله حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً،فلهم مزيةٌ ولهم حقٌ.فينبغي لمن جاء بعدهم أن يعرف لهم فضلهم وأن يشكرهم على عملهم الطيب وأن يترضى عنهم ويدعوا لهم كما يدعوا أيضاً لغيرهم من العجم الذين شاركوا في الخير ودعوا إلى الله وحملوا العلم،وعلَّموه الناس وألفوا الكتب المفيدة النافعة،فهذا مشترك بين العرب والعجم.] http://www.binbaz.org.sa/mat/19986

عاشراً:من المعلوم عند أهل العلم أن الانسان إذا تكلم في غير فنه أتى بالأعاجيب،فلا يعقلُ أن يتكلم إنسانٌ عن الشيعة وهو لا يعرف شيئاً من عقائدهم،ولا يعقل أن يتكلم إنسانٌ في علوم الحديث وهو لا يعرف الحديث الصحيح من الضعيف.

ولا يعقل أن يتكلم إنسانٌ في التوحيد وهو لا يُفرق بين الموحد والمشرك،ولا يعرف الفرق بين أنواع التوحيد،ولا يفرق بين أهل السنة وأهل البدعة.إننا نعيش في عصر التخصص في العلوم المختلفة،بل في العلم الواحد تجد عدة تخصصات،كما هو الحال في علم الطب بتخصصاته المتعددة،فلا يقبل من أيٍ كان أن يقتحم ما ليس من تخصصه،فيخبط خبط عشواءٍ، والكلام في الأمور الشرعية يحتاج إلى تخصص فيها،

فالكاتب اقتحم عقبةً كؤوداً،فتراه استشهد بحديث(أحبوا العرب لثلاث:لأني عربي،والقرآن عربي،ولسان أهل الجنة عربي)مع أن الحديث موضوعٌ،أي مكذوبٌ على النبي صلى الله عليه وسلم،قال العلامة الألباني في السلسة الضعيفة حديث رقم 160:[موضوع.أخرجه الحاكم في المستدرك وفي معرفة علوم الحديث والعقيلي في الضعفاء والطبراني في الكبير والأوسط وتمَّام في الفوائد،ومن طريقه الضياء المقدسي في صفة الجنة والبيهقي في شعب الإيمان والواحدي في تفسيره وابن عساكر وكذا أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والإبتداء كلهم من طريق العلاء بن عمرو الحنفي…قلت:وهذا إسنادٌ موضوعٌ وله ثلاث علل…].

ثم استعمل الكاتب مصطلح”رجال الدِّين” وهذا مصطلحٌ كهنوتي،لا علاقة للإسلام به،وعندنا العلماء.ثم قال الكاتب:”للمجتهد إذا أصاب عشر حسنات،وإن جانبه الصواب فله درجة واحدة”والصواب أنه إذا اجتهد فله أجران،وإذا أخطأ فله أجر واحدٌ،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:(الحاكمُ إذا اجتهد فأصاب فله أجران،وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)رواه البخاري ومسلم.

ثم ذكر الكاتب الحوار الذي دار بين عمر رضي الله عنه وامرأةٍ،فقالت لعمر:لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناك بحد سيوفنا” وهذا الكلام إنما قاله بشرُ بن سعدٍ أو حذيفة،وبغض النظر عن قائله فهو غير ثابتٍ من حيث السند،وإن كانت القصة مشهورةً،ولكنها واهية منكرة،ومخالفة للإجماع.

وخلاصة الأمر أننا بحاجةٍ لتطوير خطبة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك وغيره من المساجد،وهذا التطوير يكون باتجاه معرفة وتطبيق هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة،وليس في السير على قاعدة “ما يطلبه المستمعون”

وأن ما لمسه الكاتب في خطب المسجد الأقصى المبارك من نمطية وتكرار،مردُّه إلى أسبابٍ كثيرةٍ،منها إصرارُ بعض الخطباء على إرضاء العامة ودغدغة عواطفهم.

ومنهجُ بعض الخطباء في إحياء البدع المخالفة للسنة النبوية،كالخطب المكررة بمناسبات دينية في زعمهم،كالمولد النبوي والإسراء والمعراج والهجرة ونحوها.

وأنه يوجد عندنا في فلسطين عدة كليات شرعية تُخَرِّجُ كل عامٍ عشرات الطلبة المؤهلين،ولكن وللأسف تُغلق في وجوههم سبل التوظيف.

وأن عقيدة أهل السنة والجماعة التي سار عليها السلف في الموقف من التكفير،أننا لا نُكفِّرُ أحداً من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحله.وإن أئمة الشيعة ومصادرهم المعتبرة هي التي تقول بوجود مصحف فاطمة عندهم،

ولم يكذب أهل السنة عليهم،بل في مصادر الشيعة المعتبرة:[مصحف فاطمة رضي الله تعالى عنها ما فيه شيءٌ من كتاب الله,وإنما هو شيءٌ أُلقي عليها]

وأن أهلُّ السنة والجماعة لا يُكفرون الشيعة،بل يقولون هم من أهل القبلة،وعندهم عقائد كفرية،من اعتقد بها كفر.

وأن الدعاء على المخالفين أمرٌ مشروعٌ،فقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن جنس العرب أفضل من جنس العجم.

وأنه من المقرر عند أهل العلم أن الانسان إذا تكلم فيما لا يعرف أتى بالأعاجيب،كما فعل كاتب المقال المذكور.

والله الهادي إلى سواء السبيل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .