حكم إزالة الوشم بالليزر

يقول السائل:إنه في أيام شبابه وشم ذراعيه بأشكال من الوشوم،وقد تاب وأناب،ويريد أن يزيل الوشم بالليزر،ولكنه يخشى من أضرار ذلك،فهل هو مُلزمٌ شرعاً بإزالة الوشم،أفيدونا؟
الجواب:أولاً:لا شك أن الله عز وجل قد خلق الإنسان في أحسن تقويم،كما قال تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}سورة التين الآية4.وهذا قَسمٌ من الله عز وجل،ومعناه في أعدلِ خلقٍ،وأحسنِ صورةٍ،كما قال كثيرٌ من المفسرين[وأولى الأقوال في ذلك بالصواب:أن يقال:إن معنى ذلك:لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورةٍ وأعدلها؛لأن قوله:{أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}إنما هو نعتٌ لمحذوف،وهو في تقويم أحسن تقويم،فكأنه قيل:لقد خلقناه في تقويمٍ أحسن تقويم]تفسير الطبري24/508.وقال الشيخ العثيمين:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}هذا هو المُقسَم عليه،أقسم اللهُ تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم،وهذه الجملة التي فيها المقسَم عليه مؤكدةٌ بثلاثة مؤكدات:القسم،واللام،وقد.أقسم الله أنه خلق الإنسان{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}في أحسن هيئةٍ وخِلقةٍ و{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}فطرةً وقصداً،لأنه لا يوجد أحدٌ من المخلوقات أحسن من بني آدم خلقة،فالمخلوقات الأرضية كلها دون بني آدم في الخلقة،لأن الله تعالى قال:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}]تفسير العلامة العثيمين33/2.ثانياً:الوشمُ عند الفقهاء،هو غرزُ الجلد بإبرةٍ حتى يخرج الدم،ثم يُذَرُّ عليه نيلةٌ أو كحلٌ ليزرَقَّ أو يَخضًّرَ.الموسوعة الفقهية الكويتية43/157.ويُلحقُ بالوشم كلُّ ما في معناه مما هو معروفٌ اليوم،إذا كانت له صفة الدوام،مثل التاتو:[والتاتو يستخدم لرسم الشفاه وتحديدها بشكلٍ ثابتٍ،أو رسم العين بألوان الكحل ليكون الكحل ثابتاً،أو تغيير شكل الحواجب،والتاتو عبارة عن مكياج دائم يتم عمله من خلال مادة صبغية تبقى لسنوات،مثلهُ مثلُ الوشم قديماً،والفرق بينهما أن الوشم يصل إلى الطبقة السابعة من الجلد،أما التاتو فيصل للطبقة الثالثة من الجلد،تقول الدكتورة عبير خليل استشارية الأمراض الجلدية:إن التاتو عبارةٌ عن إبرةٍ رفيعة نحقن بها مادة معينة على شكل حبيبات تحت الجلد،فتعطي ألواناً مختلفة،ومن الأمثلة على ذلك:حبيبات الكبريت تعطي اللون الأصفر،وصدأ الحديد يعطي اللون الأسود،وأكسيد الكروم يعطي اللون الأخضر،والكوبالت يعطي اللون الأزرق الفاتح،الزئبق وصبغات نباتية يعطي اللون الأحمر]الكلام الموشوم في بيان حكم الوشوم ص26.وأما إذا كان التاتو مجرد صبغة ولون كالحناء،فلا يأخذ حكم الوشم.وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوشم حرامٌ للأحاديث الصحيحة في لعن الواشمة والمستوشمة،وسأذكرها تالياً،وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أن الوشم كبيرةٌ من كبائر الذنوب،لأنه من تغيير خَلْقِ الله سبحانه وتعالى،وهو استجابة لأوامر الشيطان،كما قال‏ تعالى:{وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ‏‏}سورة النساء الآية119.[بعض مشايخنا يقول:يرد الشرعُ باللعن على الواشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجة بالحسن المغيرة لخلق الله عز وجل؟قال:لما تأملت وجدتُ الأمرَ يرجع إلى الاعتقاد؛لأن التي نمصت شعر حاجبها،أو شعر وجهها،أو التي تفلجت بحسنٍ،كأنها لم ترض بخِلقةِ الله عز وجل لها بهذا الشكل،ولذلك جاء في آخر الحديث:(المغيرات خَلْقَ الله)،فجعل الأمر راجعاً إلى محبة تغيير الخِلقة]شرح زاد المستقنع12/315.ويدل على أن الوشم كبيرةٌ من الكبائر أنه ثبت في الأحاديث لعنُ الواشمة والمستوشمة،واللعنُ من علامات كبائر الذنوب،انظر الزواجر عن اقتراف الكبائر1/366.وأما الأحاديث الواردة في الوشم،فمنها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:(لعن اللهُ الواشماتِ والمتوشماتِ والمتنمصاتِ والمتفلجاتِ للحُسْنِ،المغيراتِ خَلْقَ الله)فبلغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ،يُقال لها أم يعقوبٍ،فجاءت فقالت:إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت،فقال:وما لي لا ألعنُ منْ لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم،ومنْ هو في كتاب الله،فقالت:لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول،قال:لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه،أما قرأت{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}قالت:بلى.قال:فإنه قد نهى عنه.قالت:فإني أرى أهلَكَ يفعلونه.قال:فاذهبي،فانظري.فذهبت فنظرت فلم ترَ من حاجتها شيئاً،فقال لو كانت كذلك ما جامعتنا)ورواه أيضاً مسلمٌ.قال الإمام النووي:[قوله(لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجاتِ للحُسْنِ،المغيراتِ خَلْقَ الله)أما الواشمة بالشين المعجمة ففاعلة الوشم،وهي أن تغرز إبرةً أو مسلةً أو نحوهما في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غير ذلك من بدن المرأة،حتى يسيل الدمُ ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة،فيخضر،وقد يفعل ذلك بداراتٍ ونقوشٍ وقد تُكثره وقد تُقلله،وفاعلةُ هذا واشمةٌ،وقد وشمت تشم وشماً،والمفعول بها موشومة،فإن طلبت فعلَ ذلك بها فهي مستوشمة،وهو حرامٌ على الفاعلة والمفعول بها باختيارها والطالبة له،وقد يُفعل بالبنت وهى طفلةٌ،فتأثم الفاعلةُ ولا تأثم البنتُ لعدم تكليفها حينئذ]شرح النووي على صحيح مسلم14/106.وثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لعن اللهُ الواصلة والمستوصلة،والواشمة والمستوشمة)رواه البخاري.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:أُتيَ عمرُ رضي الله عنه بامرأةٍ تشم،فقام فقال:أنشدكم بالله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم؟فقال أبو هريرة فقمت فقلت:يا أمير المؤمنين أنا سمعت،قال:ما سمعت؟قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(لا تَشمنَّ ولا تستوشمنَّ)رواه البخاري.وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(لُعنت الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء)رواه أبو داود وغيره،وقال العلامة الألباني في صحيح الترغيب:حسنٌ صحيحٌ.وعن علي رضي الله عنه قال:(لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه والواشمة والمستوشمة ومانعَ الصدقة والمحلل والمحلل له)رواه الأصبهاني والبيهقى فى شعب الإيمان،وحسنه العلامة الألباني في صحيح الترغيب.ثالثاً:ذكر كثيرٌ من أطباء الجلد أن للوشم أضراراً كثيرةً تترتب على الوشم،فقد[ذكر الدكتور محمد عبد المنعم استشاري الأمراض الجلدية،أن الوشم له تأثيرٌ سلبيٌ على المخ والجهاز العصبي للإنسان،ويؤكد أن الوشم يؤدي إلى إتلاف الجلد والأنسجة الموجودة تحته،كما يفعل الحرق،وعدم التئام الجلد بعد ممارسة الوشم قد يولِّد ندوباً وأليافاً مما يشوه الجلد،ويؤدي لاضطرابات نفسية،وتعطيل وظائف الجهاز العصبي،ويفتح مسام الجلد للفيروسات والجراثيم لتخترق الجسم في أي وقت.ويشير الدكتور فايز بدوي استشاري الجلدية والتجميل،أن الوشم يسبب التهابـاتٍ جلديةٍ،خصوصاً الوشم الأحمر لاحتوائه على الزئبق،والوشم الأخضر لاحتوائه على الكروم،ويسهل انتقال الجراثيم،وإزالة الوشم بالليزر يترك ندباتٍ مشوهة]الكلام الموشوم في بيان حكم الوشوم ص7.وورد في مجلة الإعجاز العلمي الصادرة عن الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة عدد33:[ثبت علمياً أن الوشم يسبب تسمماً في الدم،وأنه الاحتمال الأكبر للإصابة بالالتهاب الكبدي الوبائي،وأنه مسببٌ للحساسية الجلدية،وقد يصل التسمم من الوشم في بعض الحالات لدرجة الموت،وأن إزالة الوشم بالجراحة تترك آثاراً مشوهة للجلد،ويمكن أن يسبب الوشم سرطان الجلد].رابعاً:قال بعض الفقهاء إن موضع الوشم من جسم الانسان يصير نجساً نظراً لاحتباس الدم فيه،ويترتب على القول بنجاسته عدم استكمال الطهارة للصلاة ولغيرها من العبادات،مما تشترط فيه الطهارة.قال الإمام النووي:[قال أصحابنا هذا الموضع الذى وُشِمَ يصير نجساً]شرح النووي على صحيح مسلم14/106.خامساً:إزالة الوشم واجبةٌ شرعاً بشرط أن لا يترتب ضررٌ على الموشوم،وهنالك وسائل كثيرة لإزالة الوشم،كإزالته بأشعة الليزر،وبالجراحة وغيرها،قال الدكتور خالد الغامدي استشاري الأمراض الجلديه والليزر:[في الماضي كانت توجد عدة طرقٍ،مثل الكي البارد وصنفرة الجلد أو الاستئصال الجراحي،ورغم نجاح هذه الطرق في إزالة الوشم،لكنها تؤدي إلى منظرٍ أكثر تشويهاً،حيث يظهر مكانها ندباتٍ متضخمةKELOIDS وكذلك زيادة أو نقص في لون الجلد.وبما أن الكثير يشعرون بالندم على عمل الوشم ويرغبون رغبةً كبيرةً في إزالته،فقد تمَّ إجراءُ عددٍ كبيرٍ من الدراسات لتطوير علاجٍ للوشم،وقد تم التوصل لاستخدام الليزر لهذا الغرض،ويُعدُّ حالياً هو العلاج الرئيسي للوشم،حيث إنه يعطي أفضل النتائج،وأقل الأعراض الجانبية،مقارنةً بالطرق الأخرى لإزالة الوشم.وهذا بالتأكيد لا يعني أن نتائج إزالة الوشم بالليزر فعالة 100%فهي تتفاوت من حالة إلى أخرى.وقد قال الإمام النووي:[فان أمكن إزالته بالعلاج،وجبت إزالته،وإن لم يمكن إلا بالجرح،فإن خاف منه التلف أو فوات عضوٍ أو منفعةِ عضوٍ أو شيئاً فاحشاً في عضوٍ ظاهرٍ لم تجب إزالته،فإذا بان لم يبق عليه إثمٌ،وإن لم يخف شيئاً من ذلك ونحوه،لزمه إزالته،ويعصي بتأخيره،وسواء فى هذا كله الرجل والمرأة]شرح النووي على صحيح مسلم14/106.وقال العلامة العثيمين:[ويلزم الواشم إزالة الوشم بالعلاج وإن لم يمكن إلا بالجرح فإن خاف منه التلف أو فوات عضو أو منفعة عضو أو حدوث شيءٍ فاحشٍ في عضو ظاهر لم تجب إزالته وتكفي التوبة في هذه الحالة،وإن لم يخف شيئاً من ذلك ونحوه لزمه إزالته ويعصي بتأخيره
وخلاصة الأمر أن الله عز وجل قد خلق الإنسان في أحسن تقويم،وأن الوشمَ كبيرةٌ من كبائر الذنوب،لأنه من تغيير خَلْقِ الله سبحانه وتعالى،وأن الوشم له أضرارٌ كثيرةٌ على الموشوم،وأن موضع الوشم من جسم الانسان يصير نجساً على قول بعض الفقهاء،نظراً لاحتباس الدم فيه،وأن إزالة الوشم واجبةٌ شرعاً بشرط أن لا يترتب ضررٌ على الموشوم،وأنه إذا خُشي ترتب ضررٍ على الموشوم بسبب إزالة الوشم فلم يزله،فعباداته التي يشترط لها الطهارة صحيحةٌ،لأن المشقة تجلب التيسير،بشرط أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً.والله الهادي إلى سواء السبيل