تضمين المهندس والمقاول

يقول السائل:تعاقدت مع مهندسٍ لتصميم منزلٍ وتعاقدت مع مقاولٍ لتنفيذ البناء،على أن يقوم المهندس بالإشراف على التنفيذ،وقد انهار السقف أثناء صب الباطون،مما سبب لي خسارةً ماليةً كبيرةً،فهل المهندس والمقاول يضمنان خسارتي،أفيدوني؟
الجواب:تجري أحكام الأجير المشترك في الفقه الإسلامي على المهندس الذي أشرف على البناء،وعلى المقاول الذي قام بتنفيذ البناء،ويسميه الفقهاء الصانع،وقد[ اتفق الفقهاء على أن الأجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعدٍ أو تفريط جسيم:يضمن.أما إذا تلف بغير هذين ففيه تفصيل في المذاهب:فالصاحبان-أبو يوسف ومحمد-والحنابلة اعتبروا التلف بفعله سواءً كان عن قصدٍ أو غير قصد،أو بتقصيرٍ أو دونه،موجباً للضمان،تابعوا في ذلك عمر وعلياً،حفظاً لأموال الناس.ومثل ذلك إذا كان التلف بغير فعله.وكان من الممكن دفعه كالسرقة العادية والحريق العادي.وإلى هذا ذهب بعض متأخري المالكية.وهو قول للشافعية.ومتقدمو المالكية وزفر ذهبوا إلى عدم التضمين.وهو قول للشافعية أيضاً.وذهب أبو حنيفة إلى الضمان إذا كان التلف بفعله،أو بفعل تلميذه،سواء قصد أو لا؛لأنه مضافٌ إلى فعله،وهو لم يؤمر إلا بعملٍ فيه صلاح،وعمل التلميذ منسوبٌ إليه،وإلى عدم الضمان، إذا كان بفعل غيره،وهو القياس.وذهب ابن أبي ليلى إلى تضمين الأجير المشترك مطلقاً في جميع الأحوال ]الموسوعة الفقهية الكويتية1/297.وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[فالأجير المشترك هو الصانع الذي ذكره الخرقي،وهو ضامنٌ لما جنت يده، فالحائك إذا أفسد حياكته ضامنٌ لما أفسد،نصَّ أحمد على هذه المسألة في رواية ابن منصور.والقصار ضامنٌ لما يتخرق من دقه أو مده أو عصره أو بسطه.والطباخ ضامنٌ لما أفسد من طبيخه.والخباز ضامنٌ لما أفسد من خبزه.والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه أو تلف من عثرته.والجمَّال يضمن ما تلف بقوده وسوقه وانقطاع حبله الذي يشد به حمله.والملاح يضمن ما تلف من يده أو جذفه أو ما يعالج به السفينة.وروي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن عتبة وشريح والحسن والحكم،وهو قول أبي حنيفة و مالك وأحد قولي الشافعي.وقال في الآخر لا يضمن ما لم يتعد.قال الربيع:هذا مذهب الشافعي وإن لم يبح به.وروي ذلك عن عطاء وطاووس وزفر،لأنها عينٌ مقبوضةٌ بعين الإجارة،فلم تصر مضمونةً كالعين المستأجرة.ولنا ما روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يُضمن الصباغ والصواغ،وقال:لا يصلح الناس إلا ذلك”وروى الشافعي في مسنده بإسناده عن علي أنه كان يضمن الإجراء ويقول:لا يصلح الناس إلا هذا”ولأن عمل الأجير المشترك مضمونٌ عليه،فما تولد منه يجب أن يكون مضموناً كالعدوان بقطع عضو.بخلاف الأجير الخاص.والدليل على أن عمله مضمونٌ عليه أنه لا يستحق العوض إلا بالعمل،وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجرٌ فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله من ضمانه،بخلاف الخاص،فإنه إذا أمكن المستأجر من استعماله استحق العوض بمضي المدة،وإن لم يعمل وما عمل فيه من شيء فتلف من حرزه لم يسقط أجره بتلفه]المغني 6/117.وقال الشاطبي:[إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع،قال علي رضي الله عنه:”لا يصلح الناس إلا ذاك”ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع،وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال،والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:إما ترك الاستصناع بالكلية،وذلك شاقٌ على الخلق،وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع،فتضيع الأموال ويقل الاحتراز وتتطرق الخيانة،فكانت المصلحة التضمين.هذا معنى قوله:”لا يصلح الناس إلا ذاك”.ولا يقال:إن هذا نوعٌ من الفساد،وهو تضمين البريء،إذ لعله ما أفسده ولا فرَّط،فالتضمين مع ذلك كان نوعاً من الفساد،لأنا نقول:إذا تقابلت المصلحةُ والمضرةُ،فشأن العقلاء النظر إلى التفاوت،ووقع التلف من الصناع من غير تسببٍ ولا تفريطٍ بعيدٌ،والغالب الفوت فوت الأموال وأنها لا تستند إلى التلف السماوي بل ترجع إلى صنع العباد على المباشرة أو التفريط.وفي الحديث:(لا ضرر ولا ضرار) تشهد له الأصول من حيث الجملة،فإن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن أن يبيع حاضرٌ لبادٍ وقال:(دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض)وقال:(لا تلقوا الركبان بالبيع حتى يُهبط بالسلع إلى الأسواق)وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة،فتضمين الصناع من ذلك القبيل]الاعتصام1/378.وقد نقل كثير من العلماء اتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة. انظر الموافقات 2/350،وقول علي رضي الله عنه:” أنه كان يضمن الأجراء،ويقول:لا يصلح الناس إلا هذا “رواه الشافعي والبيهقي،انظر إرواء الغليل5/319.وروي مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه “أنه كان يضمِّن الأجير المشترك احتياطاً لأموال الناس” كما في المصنف لعبد الرزاق.وقد بحث الفقهاء المعاصرون مسألة تضمين المقاولين والمهندسين،فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بعقد المقاولة ما يلي:[يضمن المقاول إذا تعدَّى أو فرَّط أو خالف شروط العقد كما يضمن العيوب والأخطاء التي يتسبب فيها.ولا يضمن ما كان بسبب من رب العمل أو بقوة قاهرة…لا يُقبل في عقد المقاولة اشتراط نفي الضمان عن المقاول…لا يُقبل في عقد المقاولة اشتراط البراءة من العيوب طيلة فترة الضمان المنصوص عليها في العقد]قرارات مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة عشرة. وقال د. وهبة الزحيلي:[يضمن المقاول ما تولد عن فعله أو صنعه من ضرر أو خسارة،سواء أكان بتعدية أو بتقصيره أم لا،لأنه (كالأجير المشترك)ضامنٌ لما يسلَّم إليه من أموال الناس.ويستثنى من ذلك ما إذا وقع الضرر بسبب حادث لا يمكن التحرز عنه، عملاً بالقاعدة الشرعية “كل ما لا يمكن التحرز عنه لا ضمان فيه”فإن كان محل عقد المقاولة إقامة مبانٍ أو منشآتٍ ثابتةٍ أخرى،يصممها المهندس وينفذها المقاول تحت إشرافه،كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عما يحدث خلال عشر سنوات،تبدأ من وقت تسليم العمل،من تهدمٍ كلي أو جزئي في البناء،وعن كل عيب يهدد متانة البناء وسلامته،إذا لم يتضمن العقد مدة أطول،حتى ولو كان الخلل أو التهدم ناشئاً من عيب في الأرض ذاتها،أو رضي صاحب العمل بالعيب]عقد المقاولة شرعاً وقانوناً للزحيلي.ونصت القوانين المدنية المطبقة في عدد من الدول الإسلامية على تضمين المقاولين والمهندسين،فقد ورد في المادة 788/1 من القانون المدني الأردني:[اذا كان عقد المقاولة قائماً على تقبل بناء يضع المهندس تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه كانا متضامنين في التعويض لصاحب العمل عما يحدث في خلال عشر سنوات من تهدمٍ كلي او جزئي فيما شيداه من مبانٍ أو أقاماه من منشآت.وعن كل عيبٍ يهدد متانة البناء وسلامته إذا لم يتضمن العقد مدة أطول]ومثل ذلك ورد في المادة 744 من مشروع القانون المدني الفلسطيني.وتكون المسؤولية في تحمل الضمان والتعويض لصاحب المبنى بين المهندس والمقاول بحسب نسبة خطأ كل منهما [وفي تقسيم المسؤولية بين المهندس والمقاول،يراعى ما ينسب إلى كل منهما من خطأ.فإن كان الخطأ هو خطأ المقاول وحده،كما إذا ارتكب خطأً في التنفيذ،وكان المهندس متضامناً معه لأنه هو الذي أشرف على التنفيذ، فإن المهندس يرجع على المقاول بكل التعويض الذي حكم به عليه.وإذا كان الخطأ هو خطأ المهندس،كما إذا كان الضرر يرجع إلى عيب في الأرض،وكان المهندس دون المقاول هو الذي يستطيع كشف هذا العيب،رجع المقاول على المهندس بكل التعويض الذي حكم به عليه.أما إذا كان الضرر يرجع إلى عيب في المواد التي وردها المقاول،وكان المهندس مشرفاً على التنفيذ،فمن حكم عليه بالتعويض كاملاً يرجع على الآخر بنسبة جسامة خطأه.وفي هذه الحالة يكون خطأ المقاول عادة أكثر جسامةً من خطأ المهندس،وقد يتعادل الخطأن فيتحمل كل منهما نصف التعويض
وخلاصة الأمر أن المهندس والمقاول يضمنان الخسارة الناجمة عن انهيار السقف،لأن الانهيار ناجم عن تقصيرٍ أو تفريطٍ في عملهما،وهذا التضمين يندرج تحت مسألة تضمين الصنَّاع أو الأجير المشترك في الفقه الإسلامي،وأن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، وقال به جمهور الفقهاء،وفي تضمينهم مصلحة عامةٌ كما قال علي رضي الله عنه:”لا يصلح الناس إلا ذلك”وقد أخذ بذلك كثيرٌ من الفقهاء المعاصرين،ونصَّ عليه مجمع الفقه الإسلامي.وأخذت به معظم القوانين المدنية المطبقة في الدول الإسلامية.والله الهادي إلى سواء السبيل