معاهدة الله

يقول السائل : إذا عاهد شخص الله جل جلاله على أن يقوم بعمل ما أو يكف عن عمل ما ثم نقض عهده فهل يكون منافقاً تنطبق عليه الآيات الواردة في الذين ينقضون عهد الله ؟

الجواب : وردت آيات عديدة في عهد الله أو معاهدة الله سبحانه وتعالى ومنها قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) سورة البقرة الآية 27 .ومنها قوله تعالى : ( إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة آل عمران الآية 77 .ومنها قوله تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) سورة التوبة الآيات 75 -77 . وغير ذلك من الآيات . قال الراغب الأصفهاني : ( … وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة رسله وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها وعلى هذا قوله : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) – (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) – (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ ) ] المفردات في غريب القرآن ص350 . وقال العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) [ والمراد بالعهد ها هنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلى الله تعالى عليهم وسلم وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذم لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها والناقضون على هذا جميع الكفار . وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره . وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه . والناقضون حيئذ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول وعكس بعض – ولكل جهة – وقيل : الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السماوات والأرض عن أن يحملنها وقيل : هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم ] روح المعاني 1/112-113 . وقد قرر العلماء أن من عاهد الله سبحانه وتعالى ثم نقض عهده فقد ارتكب معصية من المعاصي وينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ) رواه البخاري ومسلم . وجاء في رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، إذا أؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) رواه البخاري ومسلم . قال الإمام النووي في شرح الحديث السابق :[ هذا الحديث مما عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث إن هذه الخصال توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك . وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقاً بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ولا هو منافق يخلد في النار فإن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال . وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله . وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ولكن اختلف العلماء في معناه . فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بـأخلاقهم فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى الموجود في صاحب هذه الخصال ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأئتمنه وخاصمه وعاهده من الناس لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر . ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار وقوله صلى الله عليه وسلم : كان منافقاً خالصاً معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال . قال بعض العلماء : وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالباً عليه . فأما من يندر ذلك منه فليس داخلاً فيه . فهذا هو المختار في معنى الحديث . وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي رضي الله عنه معناه عن العلماء مطلقاً فقال : إنما معنى هذا عند أهل العمل نفاق العمل . وقال جماعة من العلماء : المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوا بإيمانهم وكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا وفجروا في خصوماتهم . وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن اليصري رحمه الله بعد أن كان على خلافه وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم . وروياه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض رحمه الله وإليه مال كثير من أئمتنا وحكى الخطابي رحمه الله قولاً آخر معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه أن تفضي به إلى حقيقة النفاق . وحكى الخطابي رحمه الله أيضاً : عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول : فلان منافق وإنما كان يشير إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يفعلون كذا ؟ والله أعلم ] شرح النووي على صحيح مسلم 1/235-236 . ومن العلماء من حمل النفاق في الحديث على نفاق العمل كما سبق في كلام النووي عن الترمذي ونص كلام الإمام الترمذي في سننه هو :[ وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا أنه قال : النفاق نفاقان : نفاق العمل ونفاق التكذيب ] سنن الترمذي 5/21 . قال القرطبي المحدث :[ إن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له هل تعلم فيَّ شيئاً من النفاق ؟ أي من صفات المنافقين الفعلية ووجه هذا أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة كان ساتراً لها ومظهراً لنقائضها فصدق عليه اسم منافق ] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/250 .وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في تفسير النفاق :[ وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي ] فتح الباري 1/98 . وخلاصة الأمر أنه يجب على المسلم إذا عاهد الله أن يفعل خيراً أو ينتهي عن معصيه فعليه الوفاء بما عاهد عليه الله . قال تعالى : ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) سورة الإسراء الآية 34 . وأما إذا نقض عهده مع الله فقد ارتكب معصية وقد عدها جماعة من العلماء من كبائر الذنوب وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/225-227 .فعلى من نقض عهد الله أن يبادر إلى التوبة ويفي بما عاهد الله عليه .وأخيراً أنبه على أن من حلف بعهد الله فهذه تعد يميناً يلزمه الوفاء بها وإذا حنث لزمته كفارة يمين قال الكاساني :[ ولو قال عليَّ عهد الله أو ذمة الله أو ميثاقه فهـو يمين لأن اليمين بالله تعالى هي عهد الله على تحقيقه أو نفيه ألا ترئ إلى قوله تعالى : ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ) سورة النحل الآية 91 . ثم قال سبحانه وتعالى : ( وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ) سورة النحل الآية 91 . وجعل العهد يميناً والذمة هي العهد ] بدائع الصنائع 3/15 .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .