الهبة

يقول السائل : هل يجوز لمن وهب آخر هبة ، أن يعود ويرجع عن تلك الهبة ؟

الجواب : الهبة مشروعة ومستحبة ، ومن الأمور التي تقوي المودة بين الناس ، وينبغي أن تكون الهبة بطيب نفس ورضاً تام ، وتتم الهبة بالإيجاب والقبول والقبض ، فإذا قبض الموهوب الهبة فلا يحل للواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهبه لولده لورود الأدلة المخصصة للوالد من هذا الحكم ، وهو حرمة الرجوع في الهبة ويدل على ذلك أحاديث منها: – عن قتادة قال: سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العائد في هبته كالعائد في قيئه ) رواه البخاري ومسلم .- عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس لنا مثل السوء ، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه ) رواه البخاري .- وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب ، يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله ) رواه مسلم . فهذه الأحاديث وغيرها تدل على تحريم الرجوع في الهبة ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأهل الحديث . قال الإمام البخاري : ” باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته ثم ذكر حديثي ابن عباس ، الأول والثاني ” ، أنظر فتح الباري 6/162 – 163 . وقال الإمام النووي : ” باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض إلا ما وهبه لولده ، وإن سفل ” شرح صحيح مسلم 4/236 . ويبغي للواهب أن يعلم أن العائد في هبته قد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالكلب الذي يقيء ، ثم يعود فيأكل منه ، وهذا مثل سوء فلا ينبغي للمسلم أن يتمثل بالكلب ، وقد جاء في الحديث أنه ينبغي تعريف الواهب الذي يريد الرجوع في هبته بهذا المثل حتى يرتدع فلا يعود في هبته ، فقد روى أبو داود بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب ، يقيء فيأكل قيئه ، فإذا استرد الواهب فليتوقف فليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب ) رواه ابن ماجة ، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح ، انظر صحيح سنن ابي داود 2/676 . ويستثنى من حكم الرجوع في الهبة ، الوالد فيما وهبه لولده ، فيصح للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده ، وقد دلت السنة الثابتة على ذلك ، فقد ورد في الحديث عن طاووس ، عن ابن عمر وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحل للرجل أن يعطي عطية أو يهب هبةً فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطي ولده ، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب ، يأكل فإذا شبع قاء ، ثم عاد في قيئه ) رواه أصحاب السنن ، وأحمد ، وقال الترمذي حسن صحيح ،ورواه ابن حبان والحاكم وصححاه ، وصححه الشيخ الألباني أيضاً . ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث ، عن النعمان بن بشير أنه قال : إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا ، فقال: لا ، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأرجعه ) رواه البخاري ومسلم . وفي رواية عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير : ( فاردده ) . قال الحافظ ابن حجر: ” وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وماله لأبيه فليس في الحقيقة رجوعاً وعلى تقدير كونه رجوعاً فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك ” فتح الباري 6/143 . وقد ألحق أكثر الفقهاء الأم بالأب في جواز الرجوع في الهبة .