الخصومات

حكم المحكم لازم للمتخاصمين، يقول السائل : هل حكم المحكِّم أو المحكِّمين ، ملزم للمتخاصمين اللذين رضيا بمبدأ التحكيم ، ووافقا على المحكِّم أو المحكِّمين ؟

الجواب : إن التحكيم بين الناس في الخصومات مشروع بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وثابت عن الصحابة والتابعين . فمن كتاب الله قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) سورة النساء /35 . وهذه الآية نص صريح في إثبات التحكيم كما قال القرطبي في تفسيرها ، تفسير القرطبي 5/179 . ومن السنة النبوية ما رواه البخاري في صحيحه في قصة تحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه في يهود بني قريظة ، وقد رضي الرسول صلى الله عليه وسلم بسعدٍ رضي الله عنه حكماً . وكذلك ما رواه أبو داود بسنده عن يزيد بن المقدام عن شريح عن أبيه عن جده شريح عن أبيه هانئ: ( أنه لما وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه ، سمعهم يكّنونه بأبي الحكم ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم ، فلم تكنّى أبا الحكم ؟ فقال : إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا فما لك من الولد ؟ قال : لي شريح ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم ؟ قال:قلت شريح فقال : أنت أبو شريح ) ورواه النسائي أيضاً ، وقال الشيخ الألباني: صحيح ، إرواء الغليل 8/237 . وقد وقعت حوادث كثيرة في زمن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحكّمون فيها بين المتخاصمين ، فمن ذلك ما وقع لعمر رضي الله عنه حين ساوم على فرس لرجل فركبه فعطب الفرس ، فقال عمر للرجل: خذ فرسك ، فقال الرجل : لا ، فقال: إجعل بيني بينك حكماً ، فقال الرجل: شريح فتحاكما إليه …. الخ ” رواه ابن سعد في الطبقات ، وقال الشيخ الألباني : رجاله ثقات ، رجال الشيخين إلا أن الشعبي لم يدرك عمر ، وغير ذلك من الآثار . وإذا ثبت هذا فأقول : إن حكم المحكّم أو المحكّمين لازم للمتخاصمين ، ولا يصح شرعاً رفض حكم المحكّم أو المحكّمين من قبل أحد المتخاصمين ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية في القول المعتمد عندهم ، والحنابلة ، وهو قول الظاهرية ، ونقل عن جماعة من السلف . ويدل على هذا ، أن المتخاصمين ما داما قد قبلا بالتحكيم ورضيا بالمحكّم أو المحكّمين فلا بد لهما من قبول الحكم الذي يصدر عن المحكّم أو المحكمين . ولولا أن حكم المحكّم لازم للمتخاصمين لما كان للترافع إليه أي معنىً ، قياساً على الحاكم المولّى من ولي الأمر . وقد جاء في المادة 1448 من مجلة الأحكام العدلية ما يلي : “كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكّمين لازم الإجراء ، على الوجه المذكور في حق من حكّمهم وفي الخصوص الذي حكموا به ، فلذلك ليس لأي واحد من الطرفين الإمتناع عن قبول حكم المحكّمين بعد حكم المحكّمين حكماً موافقاً لأصوله المشروعة ” . ومما ينبغي التنبيه عليه ، أن حكم المحكّم أو المحكّمين يكون مقبولاً إذا كان موافقاً للأصول الشرعية ، وينبغي أن يكون المحكّم أو المحكّمين من أهل العلم والخبرة في الشرع وفي القضية التي هي محل التحكيم . ومن العلماء من يشترط في المحكّم أن يكون أهلاً للقضاء . وينبغي أن لا يكون المحكّم قريباً لأحد المتخاصمين ، قرابة تمنع الشهادة ، حتى يكون أقرب إلى العدل ، وأبعد عن التهمة .