يكره السجع في الخطبة

يقول السائل : بعض الخطباء يستعملون السجع كثيراً في أدعيتهم وخطبهم ، فما قولكم في ذلك ؟

الجواب : ينبغي أن يعلم أن أفضل الأدعية هي المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما ورد فيها من سجع فليس مقصوداً ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الأحزاب ) وكقوله صلى الله عليه وسلم : ( صدق وعده وأعز جنده ) .
  

وأما ما يفعله الخطباء من استخدام السجع فهو مكروه ، لأنه في الغالب متكلف والسجع المتكلف لا يلائم الضراعة والذلة كما قال الإمام الغزالي ، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم السجع ، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: ( اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فاختصموا إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة أو وليدة ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم ، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطلُ ،  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع ) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم وفي رواية عند مسلم ( أسجع كسجع الأعراب ) .
   

قال الإمام النووي: ” واما قوله صلى الله عليه وسلم ( إنما هذا من إخوان الكهان من أجل سجعه ) وفي الرواية الأخرى ( سجع كسجع الأعراب ) فقال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: أحدهما أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله ، والثاني انه تكلفه في مخاطبته ، وهذان الوجهان من السجع مذمومان .
  

أما السجع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله في بعض الأوقات ، وهو مشهور في الحديث ، فليس من هذا لأنه لا يعارض به حكم الشرع ولا يتكلفه فلا نهي فيه بل هو حسن …. “ شرح النووي على صحيح مسلم 12/327 .
  

وقال الإمام البخاري: باب ما يكره من السجع في الدعاء ، ثم ذكر أثر ابن عباس رضي الله عنهما  وفيه ” …. وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الإجتناب “ انظر فتح الباري 13/388 – 389 .
  

وقال العز بن عبد السلام سلطان العلماء ، جواباً على سؤال يتعلق بمن يقصد السجع في كلام الناس وفي الخطب ونحوها ما نصه: ” إذا كان القصد بالسجع الرياء والسمعة والتصنع بالفصاحة فهو حرام ، وإن كان القصد به وزن الكلام لتميل النفوس إلى قبوله والعمل بموجبه فلا بأس به في الخطب وغيرها ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتصفح كتبه إذا فرغ منها ، فإن وجد فيها كلاماً بليغاً فصيحاً نحّاه منها خوفاً من الرياء والسمعة والإفتخار بالفصاحة ،  ولا ينبغي للخطيب أن يذكر في الخطبة إلا ما كان يوافق مقاصدها ، من الثناء والدعاء والترغيب والترهيب ، بذكر الوعد والوعيد وكل ما يحث على طاعة أو يزجر عن معصية ، وكذلك تلاوة القرآن ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات لإشتمالها على ذكر الله والثناء عليه ، ثم على علمه بما به توسوس النفوس وبما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان ثم يذكر الموت وسكرته ثم يذكر القيامة وأهوالها والشهادة على الخلائق بأعمالها ، ثم يذكر الجنة والنار ثم يذكر الصيحة والنشور والخروج من القبور ، ثم بالوصية في الصلوات ، فما خرج عن هذه المقاصد فهو مبتدع “فتاوى شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام ص481 – 484 .
  

ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث ، عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :  ( إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة ) رواه أبو داود والترمذي وأحمد ، وقال الشيخ الألباني: صحيح ، والمقصود بالحديث الرجل الذي يتشدق في الكلام بلسانه ويلفه ، كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً كما قال ابن الأثير في النهاية .