أجساد الشهداء

يقول السائل : هل تأكل الأرض أجساد الشهداء أم لا ؟ 

الجواب : الثابت عند أهل العلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وهذا هو ما ورد به النص فقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عزّ وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء ) رواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/196 . هذا هو الثابت وهو أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأما غيرهم من الناس فإن الأرض تأكل أجسادهم سواء أكانوا أولياء أم شهداء أم غيرهم ولكن هذا لا ينفي أن بعض الناس تكون لهم كرامة بأن لا تأكل الأرض أجسادهم وهذا أمر وقع قديماً وحديثاً في أشخاص بأعيانهم فمن ذلك ما رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه قال : لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن عليَّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه . فتح الباري 3/273 . وذكر الحافظ ابن حجر أن ذلك كان كرامة لوالد جابر :[ وكرامته بكون الأرض لم تبل جسده مع لبثه فيها والظاهر أن ذلك لمكان الشهادة ] فتح الباري 3/277 . وقد وردت قصة والد جابر وهو عبد الله بن عمرو الأنصاري عند الإمام مالك في الموطأ بلاغاً : أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده عل جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة ] موطأ مالك 1/374 . قال الحافظ ابن عبد البر عن الحديث السابق إنه متصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب فتح المالك 6/358 . وقال الإمام الباجي معلقاً على هذه الحادثة :[ وقوله فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وهذه على ما نعتقده كرامة من الله تعالى خصهما بها ولعله قد خص بذلك أهل أحد ومن كان له مثل فضلهما فإن تلك الأرض تسرع التغيير إلى من دفن فيها ولو كان ذلك أمراً معتاداً في تلك الأرض لما ذكره في هذا الحديث على وجه التعجب منه ] المنتقى وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :[ استصرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد وأجرى معاوية بن أبي سفيان العين فاستخرجهم بعد ستة وأربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم .قال أبو عمر _ ابن عبد البر -: هذا هو الصحيح – والله أعلم – انهم استخرجوا بعد ست وأربعين سنة لأن معاوية لم يجر العين إلا بعد اجتماع الناس عليه خليفة وكان اجتماع الناس عليه عام أربعين من الهجرة في آخرها وقد قيل : عام إحدى وأربعين وذلك حين بايعه الحسن بن علي وأهل العراق فسمي عام الجماعة وتوفي سنة ستين . وقد روى أبو مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن جابر أنهم أخرجوا بعد ستة أشهر فإن صح هذا فمرتين أخرج والد جابر من قبره وأما خروجه وخروج غيره في حين إجراء معاوية العين فصحيح وذلك بعد ستة وأربعين عاماً على ما في حديث مالك وغيره ] فتح المالك 6/359 . وفي رواية أخرى عن جابر قال :[ لما أراد معاوية أن يجري العين بأحد نودي بالمدينة من كان له قتيل فليأت قتيله قال جابر : فأتيناهم فأخرجناهم رطاباً يتثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانفطرت دماً قال أبو سعيد الخدري لا يَنكر بعد هذا منكرٌ أبداً . قال أبو عمر : الذي أصابت المسحاة إصبعه هو حمزة رضي الله عنه رواه عبد الأعلى بن حماد قال : حدثنا عبد الجبار يعني ابن الورد قال : سمعت أبا الزبير يقول : سمعت جابر بن عبد الله يقول : رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نوم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فانبثقت دماً وبالله التوفيق ] المصدر السابق 6/360. قال الحافظ ابن حجر ( وقد ذكر ابن إسحق القصة في المغازي حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا : لما ضرب معاوية عينه التي مرت على قبور الشهداء انفجرت العين عليهم فجئنا فأخرجناهما – يعني عمراً وعبد الله – وعليهما بردتان قد غطي بهما وجوههما وعلى أقدامهم شيء من نبات الأرض فأخرجناهما يتثنيان تثنياً كأنهما دفنا بالأمس ] وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر ] فتح الباري 3/276 .وذكر ابن قتيبة في المعارف وغيره أن طلحة بن عبد الله أحد العشرة رضي الله عنهم دفن فرأته بنته عائشة بعد دفنه بثلاثين سنة في المنام فشكا إليهما النز فأمرت به فاستخرج طرياً فدفن في داره بالبصرة قال غيره قال الراوي كأني انظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فمالت عن موضعها واخضر شقه الذي يلي النز ] المجموع 5/303 . وقد روى الترمذي في قصة أصحاب الأخدود حديثاً طويلاً وذكر في آخره :[ فأما الغلام فإنه دفن قال : فذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل ] وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب ، سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي 9/186 وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/130 . ونقل المباركفوري عن ابن إسحق قال : وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده فإذا أخذت يده عنها انبعث دماً وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا ] تحفة الأحوذي 9/186 . وخلاصة الأمر أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط وأما الشهداء فتأكل الأرض أجسادهم كغيرهم من الأموات ولكن هنالك كرامات لبعض الشهداء بأن الأرض لا تأكل أجسادهم .وهذا الكلام لا يعني أن من أكلت الأرض أجسادهم ليسوا شهداء .